تطبيق المعاني اللغوية على مفهوم الأمة العراقية

رياض سعد

سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (4)

تكلمنا في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة عن المعنى اللغوي لكلمة “الأمة”، وأشرنا إلى أن هذا المصطلح لم يكن في اللسان العربي مفهوماً جامداً ذا دلالة واحدة، بل كان من أكثر المفاهيم ثراءً واتساعاً وتعدداً في المعنى.

وفي هذه المقالة، نتوسع قليلاً في استعراض تلك المعاني، لا بوصفها تمريناً لغوياً مجرداً، وإنما بوصفها مدخلاً لتأصيل مفهوم “الأمة العراقية”، وإثبات أن هذا المفهوم ليس إنشاءً سياسياً حديثاً، ولا شعاراً عاطفياً طارئاً، بل حقيقة تنطبق عليها المعاني اللغوية والاصطلاحية للأمة بأوسع صورها.

إن أزمة الوعي العراقي المعاصر لا تكمن في غياب الهوية بقدر ما تكمن في اختزالها؛ إذ جرى حصر العراقي في انتماءات فرعية ضيقة: طائفة، أو قومية، أو عشيرة، أو منطقة، حتى بدا العراق وكأنه تجمع لجماعات متجاورة لا يربط بينها رابط جامع… ؛  غير أن العودة إلى الدلالة اللغوية لمفهوم الأمة تكشف لنا أن العراق، تاريخاً وواقعاً، يمثل نموذجاً متكاملاً لمعنى الأمة.

*الأمة بمعنى الجماعة والاجتماع

يقرر أهل اللغة أن الأمة هي كل جماعة يجمعها أمر واحد، سواء كان ديناً أو زمناً أو مكاناً أو مصلحة مشتركة.

وهذا المعنى ينطبق على العراق بصورة واضحة؛ فالعراقيون، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم ولهجاتهم، تجمعهم أرض واحدة، وتاريخ مشترك، ومصير متداخل لا يمكن فصله بعضه عن بعض… ؛ لقد عاش أبناء هذه البلاد فوق جغرافيا الرافدين آلاف السنين، وتقاسموا الأفراح والمحن والانتصارات والانكسارات، فصاغت التجربة المشتركة بينهم رابطة موضوعية تتجاوز الفوارق الجزئية.

إن الأمة العراقية، بهذا المعنى، ليست إنكاراً للتنوع، بل إطاراً جامعاً له؛ إذ تتحول الانتماءات الفرعية إلى روافد تصب في نهر الهوية العراقية الكبرى، لا إلى متاريس تتقاتل فيما بينها.

*الأمة بمعنى الطريقة والمنهج

ومن معاني الأمة في اللغة: الدين والطريقة والمنهج، فيقال: “فلان على أمة”، أي على نهج ومسلك معلوم.

وهنا تتجاوز الأمة العراقية حدود الجغرافيا لتصبح مشروعاً أخلاقياً ومدنياً… ؛  فالأمة ليست مجرد سكان يعيشون داخل حدود سياسية، بل جماعة تتبنى منظومة قيم مشتركة تنظم علاقتها بذاتها وبالدولة وبالآخر.

وتطبيق هذا المعنى يقتضي صياغة مشروع وطني عراقي يقوم على احترام القانون، والإيمان بالتعددية، وصيانة الكرامة الإنسانية، واستعادة منظومة القيم التي شكلت الشخصية العراقية عبر تاريخها؛ من الكرم والشهامة والشجاعة والإغاثة وحماية المستجير، إلى رمزية النخلة والنهر بوصفهما علامتين للحياة والعطاء والصبر.

فعندما يتبنى العراقيون منهجاً وطنياً جامعاً، فإنهم يجسدون المعنى اللغوي للأمة بوصفها “طريقة حياة” يتشارك فيها الجميع.

*الأمة بمعنى القدوة والجامع لخصال الخير

ومن أعظم الدلالات القرآنية لمفهوم الأمة ما جاء في الآية :

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾،

أي أنه كان وحده جامعاً من خصال الخير والفضائل ما لا يوجد إلا في جماعة كاملة.

وهذا المعنى يفتح أفقاً حضارياً لفهم الأمة العراقية؛ فالأمة ليست كتلة بشرية فحسب، بل رسالة وقدرة على الإبداع والعطاء والتأثير.

لقد كان العراق، عبر تاريخه الطويل، مدرسة للكتابة والتشريع والفلسفة والعلوم والآداب، ومنارةً للفقه والشعر والترجمة والطب والفلك… ؛  واستعادة معنى “الأمة القدوة” تعني أن يعود العراقي إلى دوره الحضاري، وأن يقدم نموذجاً في الثقافة والإبداع والتعايش والإنتاج المعرفي.

وحين ينجح العراقي الوطني الواعي الغيور في أن يكون سفيراً لقيم الخير والجمال والعقلانية، فإنه يجسد في ذاته معنى الأمة الذي قد يتجلى في الفرد كما يتجلى في الجماعة.

*الأمة بمعنى الزمن والحين

وجاءت الأمة في القرآن الكريم أيضاً بمعنى الزمن، كما في الآية :

﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾،

أي إلى أجل ومدة محددة.

وهذا المعنى يكشف عن البعد التاريخي للأمة العراقية؛ فالعراق ليس كياناً ولد بالأمس مع نشوء الدولة الحديثة، وإنما هو حصيلة تراكم تاريخي متصل تشكل عبر عصور متعاقبة: سومر، وأكد، وبابل، وآشور، والحقب الفارسية والهلنستية، والعصر الإسلامي، ثم العصور الحديثة والمعاصرة.

إن الأمة العراقية هي ذاكرة ممتدة عبر الزمن، لا تنفصل حلقاتها بعضها عن بعض… ؛  واستحضار هذا العمق التاريخي في التعليم والثقافة والخطاب العام يمنح المواطن شعوراً بالاستمرارية، ويحرره من وهم الانقطاع التاريخي الذي كثيراً ما يغذي مشاريع التشظي والتفكك.

*الأمة بمعنى القوام والقامة

ومن معاني الأمة في اللغة أيضاً القوام والهيئة، فيقال: “رجل حسن الأمة”، أي حسن القامة والصورة.

وإذا أسقطنا هذا المعنى على العراق، فإن الأمة العراقية لا تكتمل إلا بامتلاكها “قامة” سياسية واقتصادية وثقافية تليق بثقلها الحضاري.

فالأمة التي أنجبت أولى المدن وأقدم الشرائع لا يجوز أن تعيش بلا هيبة أو حضور… ؛  وهيبة الأمة لا تعني العدوان أو التسلط، وإنما تعني وجود دولة قوية عادلة، ومؤسسات راسخة، واقتصاد منتج، ومواطن يشعر بكرامته وانتمائه وثقته بنفسه.

إن القامة هنا ليست قامة الفرد وحده، بل قامة الوطن بأسره… ؛ وان كان الوطن لا ينهض الا بالمواطن .

*الحضارة والنظام السياسي: الركيزتان المؤسستان للأمة العراقية

وإذا كانت المعاني اللغوية السابقة جميعها تنطبق على العراق وأبنائه، فإني قد اضفت في الحلقات السابقة؛ بعداً تأصيلياً مهماً إلى مفهوم الأمة العراقية، حين يجعلها ترتكز على ركيزتين أساسيتين:

أولاهما: الحضارة وانبثاقها الأول.

فالأمة العراقية هي الامتداد البشري للحضارة التي انبثقت لأول مرة على هذه الأرض؛ الأرض التي شهدت ميلاد المدينة، والكتابة، والتنظيم الإداري، والقانون، والتحولات الكبرى في التاريخ الإنساني.

 إن الحضارة ليست مجرد ماضٍ مجيد، بل هي الوعاء الذي تشكلت داخله الشخصية العراقية وتكون وعيها الجمعي.

وثانيتهما: النظام السياسي المهيمن على الأرض.

فالحضارة وحدها لا تكفي لصناعة الأمة في صورتها الواقعية؛ إذ لا بد من إطار سياسي جامع يعيد إنتاج المصالح المشتركة وينظم المجال العام ويحفظ وحدة الجماعة البشرية… ؛ ومنذ الممالك والدويلات العراقية القديمة حتى الدولة الحديثة، ظلت السلطة السياسية، رغم اختلاف أشكالها، عاملاً في تشكيل المجال العراقي وصياغة الشعور بالمصير الواحد.

وبذلك تصبح الأمة العراقية نتاج التفاعل بين عمق حضاري ضارب في القدم، وإطار سياسي جامع يحفظ الاستمرارية التاريخية للجماعة الوطنية.

*الخاتمة

إن تطبيق المعاني اللغوية لكلمة “الأمة” على الواقع العراقي يقودنا إلى نتيجة واضحة مفادها أن العراق ليس مجرد دولة حديثة جمعت سكاناً متفرقين داخل حدود مرسومة، بل هو أمة بالمعنى اللغوي والاصطلاحي معاً.

فهو جماعة يوحدها المصير المشترك، ومنهج قيمي قابل للتجدد، ورسالة حضارية قادرة على الإلهام، وذاكرة تاريخية ممتدة عبر الزمن، وقامة سياسية يفترض أن تعكس ثقله الحضاري.

لقد آن الأوان للانتقال من منطق “الجماعات المتجاورة” إلى وعي “الجسد الواحد”، ومن الانشغال بالهويات الصغرى المتنازعة إلى إدراك الهوية العراقية بوصفها الإطار الأرحب الذي يتسع للجميع.

ومن هنا، فإن الأمة العراقية ليست وهماً أيديولوجياً ولا اختراعاً سياسياً متأخراً، بل هي حقيقة صنعتها الحضارة، ورسخها التاريخ، وصاغها الاجتماع البشري، وأعادت الأنظمة السياسية المتعاقبة إنتاجها عبر القرون.

ولهذا بقي العراق، رغم ما مر به من حروب واحتلالات وانقسامات، أكثر من حدود سياسية، وأوسع من طائفة، وأعمق من عرق… بقي أمة.