العراق العربي وعراق العجم: الدلالة التاريخية والجغرافية للمصطلحين

رياض سعد

مصطلحا العراق العربي والعراق العجمي من المصطلحات الجغرافية والإدارية التي شاع استعمالها في كتب الجغرافيين والمؤرخين المسلمين منذ القرن الثالث الهجري، ولا يدلان على وجود دولتين باسم العراق، وإنما على إقليمين متجاورين ارتبطا سياسياً واقتصادياً.

# أولاً: العراق العربي

كان يقصد به بلاد الرافدين ، أي الأراضي الواقعة بين دجلة والفرات، وتشمل غالباً:

* بغداد.

* الكوفة.

* البصرة.

* واسط.

* الحيرة.

* المدائن.

* الموصل في كثير من التقسيمات.

* سواد العراق والبطائح والاهواز .

وسمي **العراق العربي** لأنه أصبح منذ الفتح الإسلامي مركز القبائل العربية والإدارة العربية، ولتمييزه عن الإقليم المجاور شرق جبال زاغروس.

وهذا لا يعني أن سكانه كانوا جميعاً عرباً، بل كان يضم:

* العرب.

* الآراميين (النبط في اصطلاح كثير من المصادر).

* الفرس.

* الكرد.

* السريان.

* وغيرهم.

إذن فالتسمية **جغرافية وإدارية** أكثر منها عرقية.

نعم ؛ كان غالب سكان السواد قبيل الفتح الإسلامي خليطًا من الآراميين والعرب، وكان العرب – ولا سيما عرب الحيرة وميسان والحضر وبعض مناطق السواد والقبائل القاطنة في العراق – يشكلون عنصرًا كبيرًا، حتى إن كثيرًا ممن أطلقت عليهم المصادر اسم “النبط” كانوا عربًا أو مستعربين أو مندمجين في البيئة العربية، وليسوا قومًا منفصلين عن العرب من الناحية العرقية.

ومع ذلك، فإن كثرة القبائل العربية في العراق قبل الإسلام، ثم الهجرات العربية الضخمة بعد الفتح الإسلامي، جعلت وصفه بـالعربي ينسجم أيضًا مع واقعه السكاني والثقافي واللغوي، لكن هذا ليس التفسير الوحيد ولا الأصلي للاسم.

وقد سُمّي العراق الغربي بالعراق العربي تمييزًا له عن العراق العجمي الواقع في بلاد فارس، ثم ازداد هذا الوصف رسوخًا لأن العراق أصبح موطنًا لأعداد كبيرة من العرب، وغلبت فيه اللغة والثقافة العربية بعد الفتح الإسلامي ؛ كما اسلفنا .

# ثانياً: العراق العجمي

أما **العراق العجمي** فهو إقليم يقع شرق جبال زاغروس داخل بلاد فارس، ويشمل مدنًا مثل همذان وأصفهان والري، وليس جزءًا من العراق الجغرافي القديم، وإنما سُمّي “عراقًا” لتشابهه في الاستواء والعمران مع عراق العرب.

ويحتمل أيضًا أن إطلاق اسم “العراق العجمي” إنما جاء لارتباط تلك الأقاليم إداريًا وسياسيًا واقتصاديًا بالعراق العربي زمنًا طويلًا، ولا سيما منذ العصر الراشدي، ثم في العهدين الأموي والعباسي، إذ كانت هذه المناطق تُدار في كثير من الفترات من مركز العراق، فأضيفت إلى العراق مع تمييزها بوصف “العجمي”، أي العراق الذي يغلب عليه العنصر الفارسي، في مقابل العراق العربي التاريخي... .

ويبدو أن مصطلحي “العراق العربي” و”العراق العجمي” نتجا عن تداخل عدة عوامل: العامل الجغرافي، والعامل الإداري والسياسي، والعامل السكاني والثقافي… ؛  فالعراق العربي هو الإقليم التاريخي الممتد حول دجلة والفرات، في حين أُطلق اسم العراق العجمي على الأقاليم الغربية من فارس لارتباطها الإداري والاقتصادي بالعراق، مع تمييزها بوصف “العجمي” لأنها تقع في بلاد فارس، لا لأنها كانت جزءًا من العراق التاريخي بالمعنى الجغرافي.

قبل العصر الإسلامي لم يكن هناك إقليم رسمي يُعرف باسم «عراق العجم»… ؛  فهذا المصطلح ظهر في العصور الإسلامية، ولا سيما منذ القرن الرابع الهجري، عندما احتاج الجغرافيون والإداريون إلى التمييز بين العراق العربي وولايات فارس الغربية.

أما المنطقة التي سُمّيت لاحقًا عراق العجم، فكانت تُعرف قبل الإسلام بأسماء أخرى، بحسب العصر والدولة:

* **ميديا (ماد)** في العهد الأخميني واليوناني، وكانت تضم همذان وما جاورها.

* ** اقليم الجبال**، وهو الاسم الذي شاع في صدر الإسلام والعصر العباسي للأقاليم الجبلية التي تضم همذان وأصفهان والري ونهاوند والدينور وغيرها.

وكانت تُعد جزءًا من بلاد فارس أو إيرانشهر (Ērānšahr) في العهد الساساني، ولم تكن إقليمًا مستقلًا باسم “العراق”.

والجدير بالملاحظة أن الجغرافيين المسلمين الأوائل، مثل ابن خرداذبه واليعقوبي والإصطخري، غالبًا ما يستعملون اسم إقليم الجبال ، ثم بدأ اسم **عراق العجم** يحل محله تدريجيًا في القرون اللاحقة، حتى غلب عليه في العهد السلجوقي والإيلخاني.

وهذا يعضد رأيًا مهمًا، وهو أن «عراق العجم» ليس اسمًا موروثًا من العهد الساساني، بل هو اصطلاح إسلامي متأخر نشأ بعد استقرار مفهوم العراق العربي، فأُلحقت به تلك الأقاليم الواقعة غرب إيران لأنها كانت وثيقة الارتباط بالعراق من الناحية الإدارية والاقتصادية، مع تمييزها بوصف العجم لوقوعها في بلاد الفرس.

ومن هنا يمكن أن تستنتج التالي : لم يكن قبل الإسلام إقليم يُعرف باسم عراق العجم، وإنما كانت المنطقة تُعرف بأسماء مثل ميديا والجبال، ثم ظهر مصطلح عراق العجم في الحضارة الإسلامية بوصفه تسمية جغرافية وإدارية لتمييزها عن العراق العربي، لا بوصفه اسمًا تاريخيًا قديمًا للإقليم.

وهذا الاستنتاج تؤيده كتب الجغرافيا الإسلامية، وإن كان سبب اختيار كلمة «العراق» لتلك المنطقة ما يزال محل نقاش بين الباحثين، إذ يرجعه بعضهم إلى التشابه الجغرافي، ويرى آخرون أن الارتباط الإداري والاقتصادي الطويل بالعراق العربي أسهم في شيوع هذه التسمية.

# ثالثاً: لماذا أطلق اسم “العراق” على المنطقتين؟

يذهب عدد من الجغرافيين إلى أن ازدهار بغداد جعل اسم العراق يمتد إلى الأقاليم الشرقية المجاورة التي كانت مرتبطة بها إدارياً وتجارياً وسياسيا ودينيا وثقافيا .

فأصبحوا يميزون بين:

* **العراق العربي**: مركز الخلافة والسهل الرسوبي.

* **العراق العجمي**: الإقليم الجبلي الشرقي.

أي أن كلمة العراق هنا أصبحت اسماً لإقليم حضاري واسع، ثم جرى التفريق بين جزأيه بإضافة الوصف.

# رابعاً: هل كان العراق العجمي جزءاً من العراق الحالي؟

الجواب: لا.

فالعراق العجمي يقع بمعظمه داخل حدود إيران الحالية، بينما العراق العربي هو الذي يشكل العراق التاريخي المعروف .

# خامسا : دلالة لقب «العراقي» في تراجم فقهاء إيران.

المحقق الفقيه ضياء الدين العراقي (1278–1361هـ) لم يكن من أهل بغداد أو البصرة، وإنما وُلِد في سلطان آباد (أراك الحالية) في إيران… ؛  ولقبه العراقي لا يعني بالضرورة أنه من العراق العربي الحديث او العراق التاريخي ، وإنما يعني أنه من إقليم عراق العجم.

وبالمثل نجد:

جمال الدين الخوانساري.

الميرزا القمي.

الآشتياني.

النائيني.

البروجردي.

كل هؤلاء يُنسبون إلى مدنهم، أما من كان من أراك أو من إقليم عراق العجم فقد يُنسب إلى العراقي.

لماذا لم يُقال “الأراكي”؟

لأن مدينة أراك الحالية حديثة النشأة نسبيًا؛ فقد أُسست في العصر القاجاري باسم سلطان آباد في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، ثم تغير اسمها إلى أراك في القرن العشرين.

أما قبل ذلك فكانت المنطقة كلها تُعرف باسم عراق العجم، فكانت النسبة إليها العراقي، لا الأراكي.

ولهذا فإن لقب المحقق العراقي معناه عند علماء وفقهاء الشيعة الايرانيين :

العراقي = المنسوب إلى إقليم عراق العجم.

وليس المقصود أنه من العراق العربي.

لكن هناك ملاحظة تاريخية : إذا رجعنا إلى القرون الوسطى، نجد أن كثيرًا من العلماء كانوا إذا قالوا “العراقي” مجردًا قصدوا غالبًا العراق العربي، لأن هذا هو العراق الأشهر في الحضارة الإسلامية… ؛  أما علماء إيران المتأخرون، فقد أصبح لقب العراقي في بيئتهم يُستعمل أيضًا لمن ينتسب إلى عراق العجم، لأن هذا الإقليم كان معروفًا بهذا الاسم قرونًا طويلة.

وهذا يؤيد ما كنت تناقشه سابقًا، وهو أن اسم عراق العجم لم يكن اسمًا عرضيًا، بل أصبح اسمًا جغرافيًا راسخًا حتى إن سكانه كانوا يُعرفون في كتب التراجم بـالعراقي، مع أنهم من بلاد فارس، لا من العراق العربي.

# سادساً: أهمية هذا المصطلح في تفسير نصوص المعاجم

عندما يقول الجوهري: “النبط والنبيط قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين.”

فإن المقصود على الأرجح ليس أن النبط كانوا يسكنون بين العراق العربي والعراق العجمي بمعناهما الواسع، لأن البطائح تقع في جنوب العراق بعيداً عن حدود العراق العجمي.

ولهذا يرى عدد من الباحثين أن عبارة “بين العراقين” في هذا السياق أقرب إلى اصطلاح جغرافي قديم يقصد به ما بين **البصرة والكوفة** أو ما بين الإقليمين الإداريين اللذين كانا يعرفان بعراقي البصرة والكوفة، لا بين العراق العربي والعراق العجمي… ؛  وهذا التفسير يتفق مع الواقع الجغرافي؛ إذ إن البطائح تمتد في المنطقة الواقعة بين هاتين الحاضرتين وما يتصل بهما من سواد العراق.

وبذلك ينبغي الحذر من إسقاط المصطلح المتأخر “العراق العجمي” على كل نص قديم يذكر عبارة “العراقين”؛ لأن مدلولها يختلف باختلاف العصر والسياق والمؤلف، ولا تحمل دائماً المعنى نفسه.

……………………………………………………………………………

المصادر

كتاب البلدان لليعقوبي .

معجم البلدان لياقوت الحموي.

أحسن التقاسيم للمقدسي.

صورة الأرض لابن حوقل.

المسالك والممالك للإصطخري.

روضات الجنات للخوانساري.

الذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرك الطهراني.

دائرة المعارف الإسلامية .

دائرة المعارف الإيرانية .

تاريخ الجغرافية العربية / إحسان عباس .

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام / جواد علي .

الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي .