مفهوم الحجاب في القرآن (فاتخذت من دونهم حجابا)

د. فاضل حسن شريف

يشير مفهوم الحجاب في القرآن الكريم إلى منظومة متكاملة من القيم والآداب التي تهدف إلى صون العفة، حفظ الكرامة، وتحقيق الطهارة للمجتمع. وقد ورد بمعنيين أساسيين الحائل المادي (الساتر)، واللباس الساتر لجسد المرأة.1. الحجاب كحائل مادي (الستر)وردت كلمة “الحجاب” ومشتقاتها في القرآن الكريم بمعناها اللغوي الأصلي الذي يعني الساتر أو المانع الذي يحول بين شيئين، ومن ذلك قوله تعالىحفظ الخصوصية في سورة الأحزاب، قال الله تعالى “وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ” (الأحزاب 53). (نزلت في أمهات المؤمنين رضي الله عنهن لتحقيق أعلى درجات الطهارة لقلوب الرجال والنساء).الفصل بين الحق والباطل في سورة الأعراف، قال تعالى “وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ” (الأعراف 46) (في إشارة إلى الساتر بين أهل الجنة وأهل النار).2. الحجاب كزي شرعي للمرأةلم يُستخدم مصطلح “الحجاب” في القرآن الكريم لوصف غطاء الرأس والجسد صراحةً، بل عُبّر عنه في الآيات بمصطلحات أخرى تشير إلى اللباس الساتر، وأبرزهاالخُمُر في قوله تعالى “وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ” (النور 31)، والخُمر جمع “خمار” وهو غطاء الرأس، والمعنى هو إسدال غطاء الرأس ليغطي منطقة الصدر والرقبة.الجَلابيب في قوله تعالى “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ” (الأحزاب 59)، والجلباب هو اللباس الواسع الذي يغطي البدن كله من أعلى إلى أسفل.3. الغاية التشريعية من الحجابأوضح القرآن الكريم أن الهدف الأساسي من هذه التشريعات ليس تقييد الحرية، بل تحقيق مقاصد سامية أهمهاالحماية والوقاية “ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ” (الأحزاب 59)، حيث اعتبر القرآن هذا الزي علامة للوقار والعفاف، مما يحمي المرأة من المضايقات والتعرض للأذى.طهارة القلوب “ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ” (الأحزاب 53)، لتوجيه العلاقات نحو الاحترام المتبادل بعيداً عن أي دوافع للفتنة.صون الزينة تقرير مبدأ صون مفاتن المرأة وحصر إبدائها في الدائرة العائلية المباشرة (المحارم).4. ضوابط الحجاب في الآيات القرآنيةلخصت سورة النور (الآية 31) الآداب والضوابط العامة للمرأة في تعاملها مع المجتمع، والتي تتلخص فيغض البصر وحفظ الفرج.عدم إبداء الزينة أمام غير المحارم إلا ما ظهر منها دون تعمد (مثل الثياب الخارجية).إخفاء مواضع الزينة (كالصدر والرقبة) بارتداء الخمار.

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز من قائل “فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا” (مريم 17) أي: فضربت من دون أهلها لئلا يروها سترا وحاجزا بينها وبينهم “فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا” يعني جبرائيل عليه السلام عن ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم وسماه الله روحا لأنه روحاني وأضافه إلى نفسه تشريفا له “فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا” معناه: فأتاها جبرائيل فانتصب بين يديها في صورة آدمي صحيح لم ينقص منه شيء وقال أبومسلم: إن الروح الذي خلق منه المسيح تصور لها إنسان والأول هو الوجه لإجماع المفسرين عليه وقال عكرمة: كانت مريم إذا حاضت خرجت من المسجد وكانت عند خالتها امرأة زكريا أيام حيضها فإذا طهرت عادت إلى بيتها في المسجد فبينا هي في مشرقة لها في ناحية الدار وقد ضربت بينها وبين أهلها سترا لتغتسل وتمتشط إذ دخل عليها جبرائيل في صورة رجل شاب أمرد سوي الخلق فأنكرته.

جاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله سبحانه “فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا” ﴿مريم 17﴾ “فاتخذت من دونهم حجابا” أرسلت سترا تستتر به لتفلي رأسها أو ثيابها أو تغسل من حيضها، “فأرسلنا إليها روحنا” جبريل “فتمثل لها” ب لبسها ثيابها “بشرا سويا” تام الخلق. وجاء في تفسير الميسر: قال الله تعالى عن كلمة سويا: “فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا” ﴿مريم 17﴾ سويا صفة، رُوحَنَا: رُوحَ اسم، نَا ضمير. سويّاً: كامل الخلق على هيئة البشر، أو سليماً غير أخرس ولا فيه علة. بَشَرًا سَوِيًّا: تام الخلق. رُوحَنَا: جبريل عليه السلام، فجعلت مِن دون أهلها سترًا يسترها عنهم وعن الناس، فأرسلنا إليها الملَك جبريل، فتمثَّل لها في صورة إنسان تام الخَلْق.

جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله عز من قائل “فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا” (مريم 17) فَاتَّخَذَتْ “الْفَاءُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اتَّخَذَتْ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”التَّاءُ” حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “هِيَ”. مِنْ حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. دُونِهِمْ اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. حِجَابًا مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. فَأَرْسَلْنَا “الْفَاءُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَرْسَلْنَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ. إِلَيْهَا (إِلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ. رُوحَنَا مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. فَتَمَثَّلَ “الْفَاءُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَمَثَّلَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “هُوَ”. لَهَا “اللَّامُ” حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ. بَشَرًا حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. سَوِيًّا نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.