د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله جلت قدرته “وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًاۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيد” (سبأ 10) وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ: جعلنا الحديد بين يديه مثل العجين يفتله كيف يشاء. ولقد آتينا داود نبوة، وكتابًا وعلمًا، وقلنا للجبال والطير: سبِّحي معه، وألنَّا له الحديد، فكان كالعجين يتصرف فيه كيف يشاء. قوله عز وعلا “وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ” (الحديد 25) و أنزلنا الحديد: خلقناه أو هيّـأناه للنّاس. وَ أَنْزَلْنَا الحَدِيدَ: أنزلناه من السماء الى الأرض. لقد أرسلنا رسلنا بالحجج الواضحات، وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، وأنزلنا الميزان؛ ليتعامل الناس بينهم بالعدل، وأنزلنا لهم الحديد، فيه قوة شديدة، ومنافع للناس متعددة، وليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق من ينصر دينه ورسله بالغيب. إن الله قوي لا يُقْهَر، عزيز لا يغالَب. قوله جل جلاله “لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ” ﴿ق 22﴾ حديد اسم، حَدِيدٌ: نافذ قوي. لقد كنت في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم أيها الإنسان، فكشفنا عنك غطاءك الذي غطَّى قلبك، فزالت الغفلة عنك، فبصرك اليوم فيما تشهد قوي شديد.
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وعلا “وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ” (الحديد 25) “وأنزلنا الحديد” (الحديد 25) روي عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض أنزل الحديد والنار والماء والملح). وقال أهل المعاني معنى أنزلنا الحديد أنشأناه وأحدثناه كقوله وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج وإلى هذا ذهب مقاتل فقال معناه بأمرنا كان الحديد وقال قطرب معنى أنزلنا هنا هيأنا وخلقنا من النزل وهوما يهيا للضيف أي أنعمنا بالحديد وهيأناه لكم وقيل أنزل مع آدم من الحديد العلاة وهي السندان والكلبتان والمطرقة عن ابن عباس. “فيه بأس شديد” (الحديد 25) أي يمتنع به ويحارب به عن الزجاج والمعنى أنه يتخذ منه آلتان آلة للدفع وآلة للضرب كما قال مجاهد فيه جنة وسلاح “ومنافع للناس” (الحديد 25) يعني ما ينتفعون به في معاشهم مثل السكين والفأس والإبرة وغيرها مما يتخذ من الحديد من الآلات.
وعن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز وعلا “وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ” (الحديد 25) “لقد أرسلنا رسلنا” الملائكة إلى الأنبياء “بالبينات” بالحجج القواطع، “وأنزلنا معهم الكتاب” بمعنى الكتب “والميزان” العدل، “ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد” أخرجناه من المعادن “فيه بأس شديد” يقاتل به “ومنافع للناس وليعلم الله” علم مشاهدة، معطوف على ليقوم الناس “من ينصره” بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره “ورسوله بالغيب” حال من هاء ينصره، أي غائبا عنهم في الدنيا، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، “إن الله قوي عزيز” لا حاجة له إلى النصرة لكنها تنفع من يأتي بها.
عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وعلا “وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ” (الحديد 25) قال المفسرون القدامى عند تفسير هذه الآية: ان الحديد قوة في الحرب يتخذ الناس منه سيفا للضرب، ودرعا للدفاع، وأيضا يتخذون منه السكين والفأس والابرة، وما هذه الأمثلة إلا انعكاس لعصرهم وحياتهم، ولوكنا في زمانهم لمثلنا بأمثلتهم، ولو كانوا في زماننا لقالوا: ان الحديد هو عصب الحياة في شتى النواحي، فمنه وسائل المواصلات برا وبحرا وجوا، والأدوات التي لا غنى عنها لغني أوفقير، وبه تقوم الجسور والعمارات والسدود والخزانات، ولولاه لما عرف الناس الكهرباء والبترول، وهو الأساس لكثير من العلوم الحديثة، بل هو كل شيء في المعامل والمصانع التي تقوم عليها حضارة القرن العشرين.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وعلا “وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ” (الحديد 25) نعم، إنّ هذه الأسلحة الثلاثة التي وضعت تحت تصرّف الأنبياء هي بهدف أن تكون الأفكار والمفاهيم التي جاء بها الأنبياء فاعلة ومؤثّرة، وتحقّق أهدافها المنشودة، فقد وضع الحديد والبأس الشديد في خدمة رسل الله. وبالرغم من أنّ البعض يتصوّر أنّ تعبير (أنزلنا) يعكس لنا أنّ الحديد جاء من كرات سماوية إلى الأرض، إلاّ أنّ الصحيح أنّ التعبير بـ (الإنزال) في مثل هذه الحالات هو إشارة إلى الهبات التي تعطى من المقام الأعلى إلى المستوى الأدنى، ولأنّ خزائن كلّ شيء عند الله تعالى فهو الذي خلق الحديد لمنافع مختلفة، فعبّر عنه بالإنزال، وهنا حديث لأمير المؤمنين عليه السلام في تفسيره لهذا القسم من الآية حيث قال: (إنزاله ذلك خلقه إيّاه). كما نقرأ في الآية (6) من سورة الزمر حول الحيوانات حيث يقول سبحانه: “وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج” (الزمر 6). وفسّر البعض (أنزلنا) بأنّها من مادّة (نزل) على وزن (شبر) بمعنى الشيء الذي يهيّأ لإستقبال الضيوف، ولكن الظاهر أنّ المعنى الأوّل هو الأنسب. (البأس) في اللغة بمعنى الشدّة والقسوة والقدرة، ويقال للحرب والمبارزة (بأس) أيضاً، ولذا فإنّ المفسّرين فسّروها بأنّها الوسائل الحربية، أعمّ من الدفاعية والهجومية، ونقل في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير هذه الآية أنّه قال: (يعني السلاح وغير ذلك). والواضح أنّ هذا من قبيل بيان المصداق. والمقصود من (المنافع) هنا هو كلّ ما يفيد الإنسان من الحديد، وتتبيّن الأهميّة البالغة للحديد في حياة الإنسان أنّ البشرية قد بدأت عصراً جديداً بعد إكتشافه، سمّي بعصر الحديد، لأنّ هذا الإكتشاف قد غيّر الكثير من معالم الحياة في أغلب المجالات، وهذا يمثّل أبعاد كلمة (المنافع) في الآية الكريمة أعلاه. وقد اُشير إلى هذا المعنى بآيات مختلفة في القرآن، منها قوله تعالى بشأن تصميم ذي القرنين على صنع سدّه العظيم: “آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ” (الكهف 96). وكذلك قوله سبحانه: “وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ” (سبأ 10-11) وذلك عندما شمل لطفه عزّوجلّ داود عليه السلام بتليين الحديد له ليستطيع أن يصنع دروعاً منه يقلّل فيها أخطار الحروب وهجمات العدو.
من المعادن التي تستخدم في الصناعة والتي ذكرها القرآن الكريم الحديد والنحاس وخاصة معدن الحديد الذي يدخل في صناعات عديدة كالصناعات الميكانيكية والسيارات والعجلات المختلفة. ذكرت كلمة معدن النحاس في موضع واحد في القرآن الكريم قال الله تبارك وتعالى “يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ” (الرحمن 35) توصل العلماء ان معدن النحاس يتحمل النار. ذكرت كلمة معدن الحديد في خمسة مواضع في القرآن الكريم وقد سميت سورة بأسم الحديد قال الله عز وجل “قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا” (الاسراء 50)، و”آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا” (الكهف 96) يمتاز الحديد وسبائكه المتنوعة بخواصه فى مجال الحرارة والشد والصدأ والبلى والمرونة والمغناطيسية، و”وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ” (الحج 21)، و”وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًاۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيد” (سبأ 10)، و”وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ” (الحديد 25) وردت كلمة انزلنا حيث اثبت العلماء ان النيازك الساقطة على الارض تحوي بين 35 الى 90% من فلز الحديد، و يدخل الحديد في الصناعات الثقيلة والخفيفة، ويدخل الحديد في في حياة النبات والحيوان حيث يدخل في عملية الكلوروفيل الخاصة في التمثيل الضوئى لغرض تنفس النباتات، وتكوين البروتوبلازم الحى المهم لجسم الإنسان والحيوان. لذلك يستفاد من الحديد في صناعة الادوية الحياتية.
جاء عن مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي مَقْصِدُ حِفْظِ اْلَأمْنِ في الْقُرْآنِ الكَرِيمِ للكاتب عبد الكريم بن محمد الطاهر حامدي: الصّناعة:مثل الصناعة القائمة على الحديد، قال تعالى: “وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ” (الحديد 25)، أي: أخرج لهم الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه… “فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ”، أي: قوة شديدة يعني: السلاح للحرب، “وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ” مما ينتفعون به في مصالحهم، كالسّكين، والفأس، والإبرة ونحوها، إذ هو آلة لكل صنعة).