الأمة العراقية: تجلٍّ تاريخي لوحدة الأرض والإنسان

سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (9)

رياض سعد

إذا كان مفهوم الأمة في جوهره اللغوي يدور حول معنى الأصل الجامع والمرجع المشترك الذي تلتقي عنده الجماعة البشرية، وإذا كانت وحدة الأمة تقوم على التعارف والتآلف والتاريخ المشترك والمصير الواحد، فإن بلاد الرافدين تمثل واحدة من أوضح النماذج التاريخية لتجسد هذا المفهوم.

فالعراق لم يكن مجرد دولة حديثة ظهرت في القرن العشرين، بل كان عبر آلاف السنين وحدة جغرافية وحضارية متصلة، تعاقبت عليها دول وأسماء وأديان ولغات مختلفة، بينما بقيت الأرض الرافدينية إطاراً جامعاً لسكانها. فمن سومر وعيلام وأكد وبابل وآشور إلى الحضر والحيرة وميسان ، ومن العصر الإسلامي إلى العصر الحديث، ظل العراق يشكل فضاءً حضارياً واحداً تتفاعل داخله الجماعات البشرية المختلفة ضمن بيئة مشتركة ومصالح متشابكة ومصير تاريخي واحد.

ومن هنا فإن الأمة العراقية، وفق هذا التصور، لا تنبع من وحدة اللغة وحدها، ولا من وحدة العرق وحدها، ولا من وجود الدولة الحديثة وحدها، بل من استمرارية تاريخية عميقة ربطت الإنسان العراقي بأرض الرافدين عبر آلاف السنين.

*اللغة لا تصنع الأمة العراقية وحدها

لقد بينت التجارب الإنسانية أن اللغة عامل مهم في تشكيل الهويات، لكنها ليست العامل الوحيد ولا الحاسم دائماً… ؛  فالأمريكي والبريطاني يتحدثان اللغة نفسها ولا ينتميان إلى الأمة نفسها، كما أن الصرب والكروات والبوسنيين يتحدثون لغات متقاربة جداً لكنهم يعدون أنفسهم أمماً مختلفة.

وعلى المنوال نفسه، فإن الأمة العراقية لا يمكن اختزالها في اللغة العربية وحدها، رغم أهمية العربية بوصفها لغة الأغلبية ووعاءً ثقافياً جامعاً… ؛  فالعراق عرف عبر تاريخه السومرية والأكدية والآرامية والعربية والكردية والتركمانية والسريانية وغيرها من اللغات، لكن تغير اللغات لم يؤدِ إلى انقطاع الوجود البشري أو انهيار الوحدة الحضارية للأرض العراقية.

فاللغة تتغير، أما الجغرافيا والتاريخ والذاكرة الجمعية فتبقى أكثر رسوخاً واستمراراً.

*استمرارية السكان ووحدة الأمة العراقية

إن السؤال الذي كثيراً ما يُطرح: أين ذهب السومريون؟ وأين اختفى الأكديون والبابليون والآشوريون والآراميون والنبط؟

ينطلق في الغالب من تصور خاطئ يفترض أن الشعوب تنقرض كلياً لتحل محلها شعوب جديدة… ؛  بينما تشير حقائق التاريخ والأنثروبولوجيا إلى أن الشعوب غالباً ما تستمر بيولوجياً واجتماعياً، لكنها تتغير في أسمائها ولغاتها وأديانها وهوياتها السياسية.

ولهذا فإن الأمة العراقية ليست نتاج جماعة واحدة أو عرق واحد، بل هي حصيلة تراكم تاريخي طويل اشتركت في بنائه شعوب وجماعات متعددة عاشت على أرض الرافدين واندمجت فيها عبر العصور.

فالنبطي الذي استعرب لم يختفِ، والآرامي الذي تكلم العربية لم ينقرض، والعربي الذي استقر في العراق لم يصبح غريباً عن البيئة الرافدينية، بل أسهم الجميع في بناء الشخصية العراقية التاريخية.

*الأمة العراقية بوصفها أمة حضارية

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين مفهوم الأمة العراقية ومفاهيم القومية الضيقة.

فالأمة العراقية ليست مشروعاً عرقياً قائماً على نقاء الدم، وليست مشروعاً لغوياً قائماً على وحدة اللسان، وليست مشروعاً دينياً قائماً على وحدة العقيدة، وإنما هي مشروع حضاري يقوم على وحدة الأرض والتاريخ والثقافة والمصالح والمصير.

إن العراق، وفق هذه الرؤية، يشبه مصر ووادي النيل أو إيران والهضبة الإيرانية؛ أي أنه فضاء حضاري أنتج عبر آلاف السنين شخصية تاريخية متمايزة، رغم تعاقب الأديان واللغات والأقوام.

ولهذا فإن العربي والكردي والتركماني والسرياني وغيرهم لا يمثلون أمماً متصارعة داخل العراق، بل يمثلون روافد مختلفة داخل أمة عراقية أكبر تشكلت في إطار الجغرافيا الرافدينية الواحدة.

*الخلاصة

إن مفهوم الأمة العراقية، من منظور حضاري تاريخي، هو الامتداد الطبيعي لمعنى الأمة بوصفها جماعة بشرية توحدها أرض مشتركة وذاكرة جمعية ومصالح ومصير واحد… ؛  فالعراق لم تصنعه اللغة وحدها، ولم يصنعه العرق وحده، ولم تنشئه الدولة الحديثة وحدها، بل صنعته آلاف السنين من التراكم الحضاري فوق أرض الرافدين.

ومن هنا فإن الأمة العراقية ليست اختراعاً سياسياً معاصراً، بل حقيقة تاريخية وحضارية تشكلت عبر العصور، وظلت قائمة رغم تبدل الدول والأديان واللغات والأسماء… ؛  فكما بقيت أرض الرافدين واحدة، بقي شعبها – على اختلاف مكوناته وتسمياته – يشكل في مجموعه نواة أمة عراقية تاريخية، تتجاوز الانقسامات الطائفية والقومية الضيقة، وتستمد مشروعيتها من وحدة الجغرافيا واستمرارية التاريخ ووحدة المصير.