رياض سعد
مقدمة
من أكثر الظواهر إثارة للاستغراب في العراق المعاصر ذلك الحنين المتصاعد إلى حقبة حكم السفاح الحاقد والمشنوق النافق صدام ، ووصفها بـ«الزمن الجميل».. , وهي تسمية لا تكشف عن جمال ذلك الزمن بقدر ما تكشف عن قدرة الذاكرة البشرية على انتقاء بعض التفاصيل الصغيرة والمتجزئة وتجاهل الكوارث الكبرى التي أحاطت بها.
اذ يسعى ابناء الفئة الهجينة والمنكوسون والدونية إلى تجميل حقبة المجرم حكم صدام وإضفاء صفة «الزمن الجميل» عليها ؛ كذبا و زورا ودجلا ، وكأن الذاكرة الجماعية أصابها الخلل أو فقدت قدرتها على التمييز بين الجمال الحقيقي وبين سنوات الرعب والقهر والدماء..!
* الذاكرة الانتقائية وتزييف الوعي: تهافت أسطورة “الزمن الجميل”
يُطالعنا بين الحين والآخر من يتباكون على ما يُسمونه “الزمن الجميل”، ويروجون لتلك الحقبة السوداء من تاريخ العراق وكأنها واحة للأمن والرخاء.
والحقيقة التي لا تحتمل اللبس، أن تلك السنين العجاف لم تكن إلا زمناً أغبر، سيطر فيه نظام استبدادي قمعي قاده الطاغية صدام ، مخلفاً وراءه بلداً مثخناً بالجراح، ومجتمعاً يعاني من تشوهات نفسية واجتماعية عميقة نتيجة الحروب العبثية، والاعتقالات التعسفية، والمقابر الجماعية.
إنها أسوأ فترة حكم مر بها العراق، ولم يترك ذلك النظام وراءه سوى ملايين الضحايا، والأيتام، والأرامل، والثكالى، والمرضى والمعاقين , وحصاراً اقتصادياً خانقاً أكل الأخضر واليابس.
فمن هم هؤلاء الذين يمتدحون ذلك العهد المظلم؟
إنهم في الغالب الأعم بقايا الفئات الهجينة من النفعيين، والجلادين، والبعثيين الذين ارتبطت مصالحهم بوجود الديكتاتورية، أو أولئك المنكوسين الذين يعانون من “متلازمة ستوكهولم” فيعشقون جلادهم.
فحين يتحدث دعاة «الزمن الجميل» عن تلك المرحلة، يستحضرون حافلة ذات طابقين، أو شارعاً نظيفاً، أو أغنية جميلة، أو عملة نقدية قديمة ، أو بعض مظاهر الحياة اليومية التي كانت موجودة آنذاك… ؛ لكنهم يتناسون، عمداً أو جهلاً، أن التاريخ لا يُقاس بشكل الحافلات ولا بألوان الأوراق النقدية , ولا بالأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية ، بل بمقدار الحرية والكرامة والأمن والعدالة التي يتمتع بها الإنسان.
* في نقد العلاقات الاجتماعية “المزعومة”
يتشدق دعاة ذلك “الزمن الجميل” بعبارات فضفاضة من قبيل: *”كنا ناساً تربطنا علاقات طيبة وحياة حلوة”*!
وعن أي علاقات طيبة يتحدثون في مجتمع كان الخوف فيه هو السيد والمحرك؟!
لقد كان المواطن يهمس بالشكوى همساً، ويلتفت حوله وجلاً وهو يردد لصاحبه: *”إن للجدران آذاناً”*.
لقد نجح النظام الاستبدادي في تدمير البنية الأخلاقية والاجتماعية، وتحويل المجتمع إلى شبكة من المخبرين وكتاب التقارير الأمنية، حيث يسود الشك والتوجس والريبة بين الأصدقاء، بل وداخل الأسرة الواحدة؛ حتى رأينا من يكتب تقريراً أمنياً بحق أبيه أو أخيه ليرسلهم إلى مقاصل الإعدام بتهمة “معاداة الحزب والثورة”.
إنها حالة من الفصام النفسي والذعر الوجودي، فكيف يستقيم وصف زمنٍ ساد فيه هذا الانحطاط القيمي بـ “الجميل”؟!
أي زمن جميل كان ذلك الذي كان المواطن فيه يخشى جاره، ويخاف من زميله، ويتوجس من أقرب الناس إليه؟!
أي زمن جميل كان العراقي يهمس فيه إذا أراد انتقاد السلطة، وينظر حوله قبل أن يتكلم، ويخفض صوته خشية أن تصل كلماته إلى آذان المخبرين؟!
لقد كانت عبارة «للحيطان آذان» جزءاً من الثقافة اليومية للعراقيين، لا لأنها مثل شعبي عابر، بل لأنها كانت تعبيراً حقيقياً عن واقع مرعب عاشه الناس لعقود.
كان الخوف يسكن البيوت والمقاهي والمدارس والدوائر الحكومية… , وكانت التقارير الأمنية تلاحق الناس في تفاصيل حياتهم الخاصة.. , بل إن بعض الآباء كانوا يخشون أبناءهم، وبعض الأزواج كانوا يخشون زوجاتهم، لأن الدولة نجحت في تحويل الشك إلى أسلوب حياة.
* تسطيح الوعي واختزال الوطن في “أغنية وباص”
يطرح هؤلاء الموهومون والمنكوسون والمجرمون تبريرات تثير السخرية والشفقة معاً؛ فيزعمون أنه كان زمناً جميلاً لأن أغاني ياس خضر، وحسين نعمة، وفاضل عواد، وسعدون جابر كانت عذبة!
أو لأن العاصمة كانت تحتوي على حافلات حمراء ذات طابقين، ودور سينما، وعدة شوارع نظيفة!
إن هذا الاختزال الفج يسلط الضوء على آلية نفسية خطيرة وهي “تجميل القبيح لاشعورياً” للهروب من اشكاليات الوضع الراهن … ؛ هل تُقاس كرامة الشعوب وحريتها بنظافة رصيف يتيم أو بلحن أغنية، بينما الإنسان يُسحق علناً؟!
إن المأساة لا تكمن في الحنين إلى الماضي فحسب، بل في تجميل الماضي وتبرئته من جرائمه.. , فالذاكرة الانتقائية تنتقي الأغنية وتنسى المقبرة، وتتذكر الحافلة وتنسى المعتقل، وتستحضر الشارع النظيف وتغفل السجون السرية، وتتحدث عن الأمن بينما تتجاهل أن ذلك الأمن كان قائماً في كثير من الأحيان على الخوف والقمع ومصادرة الحريات والاعدامات والمقابر الجماعية.
لقد دفع العراق ثمناً باهظاً في تلك الحقبة.. ؛ أُعدم معارضون، واختفى آخرون في السجون، واضطر آلاف المثقفين والأكاديميين والكتاب إلى الهجرة والمنفى.. , وتحولت الدولة إلى منظومة أمنية ضخمة تراقب المجتمع وتلاحق تفاصيله الصغيرة والكبيرة.
ولذلك فإن تمجيد تلك المرحلة لا يصدر غالباً إلا من فئتين: فئة لم تعش حقيقة ذلك الزمن ولم تدرك حجم مآسيه، أو فئة كانت مستفيدة من النظام الاجرامي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فلم تشعر بالقدر نفسه من الألم الذي عانته الأغلبية الساحقة من العراقيين.
أما الذين فقدوا أبناءهم في الحروب، أو قضوا سنوات في السجون، أو عاشوا مرارة الحصار، أو دفنوا أحلامهم تحت ركام الاستبداد، فإنهم يعرفون جيداً أن ذلك لم يكن زمناً جميلاً، بل زمناً ثقيلاً وقاسياً وعنيفاً ترك جراحاً عميقة في الذاكرة العراقية.
*الزمن الاغبر : عقد الثمانينات الدموي
ثم لنسأل سؤالاً أكثر قسوة: كيف يمكن وصف حقبة الثمانينيات بأنها «زمن جميل» وهي الحقبة التي التهمت فيها الحرب العراقية الإيرانية جيلاً كاملاً من الشباب العراقي؟
ثماني سنوات من الدماء والموت والخراب.. , ملايين العراقيين عاشوا القلق اليومي وهم ينتظرون أبناءهم وإخوتهم وآباءهم العائدين من جبهات القتال.. , آلاف العائلات استقبلت أبناءها ملفوفين بالعلم العراقي.. , مئات الآلاف الأرامل والثكالى والأيتام كانوا الثمن الحقيقي لذلك الجنون العسكري الذي استنزف العراق والبشر والحجر.
لم تكن تلك سنوات ازدهار، بل كانت سنوات نزف جماعي , غارقة بالدم والحداد .. . ؛ أكلت الأخضر واليابس، وحولت البيوت إلى مآتم دائمة؟
في كل حي شهيد، وفي كل بيت مأساة، وفي كل أم عينان تترقبان عودة ابن لن يعود إلا ملفوفاً بالعلم العراقي.
لقد استنزفت “حرب القادسية” في ثمانينيات القرن الماضي طاقات الشباب وثروات البلاد، وغدا لزاماً على كل عائلة أن تعيش رعب انتظار ابنها المجند، ليعود إليها ملفوفاً بالعلم في تابوت، ليوصف بأنه “شهيد قادسية صدام ” في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، بينما البيوت تكتسي بالسواد والمصائب لا تستثني أحداً.
أمّا من لم يخسر قريبًا في القادسية المنكوسة وحرب الوكالة الخبيثة ، وكان من المقرّبين للنظام الطائفي العنصري الهجين ، فمن حقّه إذن أن يتغنّى بما يصفه «الزمنَ الجميل»، لأنّه من ازلام وزبانية النظام الاجرامي البائد الذين خلَت عائلاتُهم من معارضٍ وشهيدٍ وجائع وقتيل وضحية ومعتقل ومهجر … .
* الحصار والمذلة مقابل القصور الفارهة
أما في تسعينيات القرن العشرين، فقد بلغت المأساة ذروتها مع الحصار الاقتصادي… ؛ لقد تضور الشعب جوعاً وأكل “التبن والحصى وحلف الحيوانات ” بالمعنى الحرفي والمجازي، وعاش عيشة ذليلة لا تليق ببلد يطفو على بحار من النفط.
وفي المقابل، كان الديكتاتور الهجين يبني القصور الباذخة، وحين طالته الانتقادات، تفتقت عبقريته السياسية عن تبرير ديماغوجي قائلًا: *”إنها قصور الشعب!”*.. فأي شعب هذا الذي يبني له القصور وهو يفتقر الى لقمة الخبز وحبة الدواء؟!
ولم يتوقف الأمر عند الجوع المادي، بل جرى تجفيف المنظومة الفكرية للعراق؛ فخيرة المفكرين، والمثقفين، والعلماء الذين رفضوا الانصياع أُعدموا بدم بارد، أو أُجبروا على الهرب ليعيشوا مرارة الاغتراب، تاركين الساحة لجهلة البعث وأقزامه.
فقد انهارت القدرة الشرائية للمواطن، وانتشرت البطالة والفقر وسوء التغذية، وتراجعت الخدمات الأساسية، وتحولت الحياة اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء.
لقد عرف العراقيون في تلك السنوات العجاف معنى الطوابير الطويلة، ومعنى الحصص التموينية، ومعنى بيع الأثاث والمقتنيات الشخصية من أجل تأمين الغذاء والدواء.. , وعرفوا أيضاً معنى أن يصبح الأستاذ الجامعي والمهندس والطبيب عاجزين عن توفير أبسط متطلبات الحياة الكريمة.
جيل كامل نشأ على الحرمان والجوع وسوء التغذية والفقر المدقع والعوز والذل ، وذاق مرارة الحاجة وانكسار الكرامة.. , ملايين العراقيين عرفوا معنى الجوع الحقيقي، وعرفوا كيف يبيع الإنسان أثاث بيته ومقتنياته ليحصل على لقمة تسد رمقه.
فهل هذه هي الصورة التي يستحقها وصف «الزمن الجميل»؟!
إن وصف تلك الحقبة بـ«الزمن الجميل» ليس مجرد خطأ في التوصيف التاريخي، بل هو إهانة لدماء الشهداء، واستخفاف بآلام الأرامل والثكالى والأيتام، وتجاهل لملايين الضحايا الذين طحنهم الاستبداد والحروب والحصار.
* الذاكرة المشوهة و الاستحمار
إن الاندفاع المعاصر لنشر صور الحافلات القديمة، والعملات النقدية السابقة، ووسائل الإضاءة والتدفئة البدائية كـ “اللالة” وصوبة “علاء الدين”، والادعاء بأن الأهل كانوا يعيشون حياة كريمة، هو محض تزييف للتاريخ.
إن من عاش تلك الحقبة يدرك تماماً حجم المذلة والمهانة والعوز والمعاناة والتخلف.
ومع ذلك، نجد اليوم بعض -” من سفلة البعث والدونية والمنكوسين وابناء الفئة الهجينة ” – الذين قفزوا من مركبة النظام الاجرامي البائد ليركبوا سفينة الأحزاب الحاكمة اليوم، ومنصات الاعلام ؛ يحاولون تلميع ذلك الماضي البائس والعهد الدموي وتزويقه.
والغريب أن هناك من يتماهى معهم!
إننا نعيش بحق في الفوضى (أو ما يسمى فكرياً بـ “الاستحمار”)؛ لفرط استهانتنا بحق حرية التعبير المتاح لنا اليوم … ؛ لدرجة أن البعض يستغله للحنين إلى جلاده والديكتاتور الذي كمّم الأفواه وأعدم الفنانين والمفكرين والمثقفين والسياسيين ورجال الدين – (كالمطرب صباح السهل الذي أعدم لمجرد انتقاده الرئيس وهو في حالة سكر ، بعد أن سجلت له زوجته صوته!) – .
إن كل من يمتدح الحياة في ظل النظام الارهابي السابق، هو إما مخدوع يعاني من جهل مركب، أو غبي غارق في الاستحمار ، أو مجرم جلاد أو مستفيد نفعي قذر يحن لامتيازاته الفئوية البائدة.
إن من لم يفقد قريباً في الحروب العبثية، ولم يذق طعم الجوع في الحصار، وكان قريباً من حاشية السلطة وزبانية النظام الاجرامي ، هو وحده من يملك الوقاحة للتغني بـ “الزمن الجميل”؛ ومثل هذا الشخص لا يستحق من الشعب إلا الازدراء والاحتقار ، ومكانه الطبيعي تحت أقدام ذوي الضحايا أو في اماكن القمامة .
إن المشكلة ليست في استذكار الماضي، فالأمم الحية لا تنسى تاريخها.. ؛ المشكلة في تحويل المأساة إلى أسطورة، والاستبداد إلى حنين، والجلاد إلى بطل، والسنوات العجاف إلى فردوس مفقود.
لقد كان ذلك الزمن زمناً للحروب المتواصلة، والمعتقلات، والمقابر الجماعية، والقمع السياسي، والحصار الاقتصادي، والخوف الاجتماعي، وانهيار الإنسان تحت وطأة سلطة لا تسمح بالاعتراض ولا تقبل النقد.
ولهذا فإن وصف تلك الحقبة بـ«الزمن الجميل» ليس قراءة للتاريخ، بل هروب من التاريخ.. , وهو ليس إنصافاً للضحايا، بل إهانة لذكراهم.
فالتاريخ لا يُقاس بعدد الأغاني الجميلة التي أُنتجت فيه، ولا بعدد الشوارع التي رُصفت، بل يُقاس بعدد البشر الذين عاشوا أحراراً وكرماء وآمنين.
ومن هذه الزاوية تحديداً، لا يمكن أن يكون زمن الخوف زمناً جميلاً، ولا زمن الحروب زمناً جميلاً، ولا زمن الجوع زمناً جميلاً، ولا زمن السجون والمقابر الجماعية زمناً جميلاً.
لقد كان زمناً عصيباً قاسيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وسيبقى كذلك مهما حاول البعض أن يطلي جدرانه المتشققة بألوان الحنين.
*الخاتمة
أي زمن جميل هذا الذي يتحدثون عنه؟
لقد عاش العراقيون في دولة بوليسية شمولية، لم يكن الأمن فيها قائماً على القانون، بل على الرعب والفتك والعقاب الجماعي والقتل والتعذيب ، ولم يكن الاستقرار فيها نابعاً من العدالة، بل من الخوف.. , اذ انتشرت فيها ظاهرة كتابة التقارير الأمنية حتى أصبحت آفة اجتماعية؛ فهناك من كتب تقريراً في أبيه أو أخيه أو صديقه، وكانت التقارير الكيدية كافية لزج الأبرياء في السجون أو لإعدامهم.
نعم، كانت هناك باصات بطابقين، وكانت هناك دور سينما وعدة شوارع نظيفة وأغانٍ جميلة لياس خضر وحسين نعمة وفاضل عواد وسعدون جابر.. , غير أن جمال الأغاني لا يبرر قبح الاستبداد، ونظافة الشوارع لا تمحو دماء الضحايا، والباصات الحمراء لا تعوض سنوات القمع والجوع والمقابر الجماعية.
إن الذاكرة الانتقائية التي تستحضر بعض المظاهر المدنية وتتجاهل السجون والمعتقلات والحروب والمشانق إنما تمارس عملية «تجميل للقبيح» و«تزيين للاستبداد»… ؛ فالتاريخ لا يقاس بعدد دور السينما ولا بشكل العملة النقدية ولا بألوان وسائل النقل، بل يقاس بكرامة الإنسان وحريته وأمنه وحقه في الحياة.
ولهذا فإن أكثر المولعين بترديد عبارة «الزمن الجميل» هم أولئك الذين كانوا جزءاً من المنظومة البعثية أو المستفيدين منها، أو الذين لم يفقدوا قريباً في الحروب، ولم يذوقوا مرارة السجون، ولم يجربوا الجوع والإذلال أيام الحصار… ؛ أو من الطائفيين والعنصريين والمنكوسين … ؛ أما الذين دفعوا أثمان تلك الحقبة من دمائهم وأعمارهم وأحلامهم، فإنهم يعرفون جيداً أن تلك السنوات لم تكن زمناً جميلاً، بل كانت زمناً أغبر، وسنوات عجافاً، وحقبة عصيبة تعد من أقسى وأشد المراحل التي مرت على العراق الحديث.
إن الأمم التي تُمجِّد جلاديها وتحنّ إلى سجانيها وتصف عصور الاستبداد بأنها «زمن جميل» إنما تعاني خللاً في ذاكرتها التاريخية… ؛ ولا يمكن بناء مستقبل سليم من دون مصالحة صادقة مع الحقيقة.
لذلك نقولها بوضوح: لا زمن جميل ولا جيل الطيبين … ؛ لقد كان ذلك زمن الخوف والدم والجوع والحصار والمعتقلات والمقابر الجماعية واليتامى والأرامل والثكالى… ؛ وعتاة المجرمين والجلادين والبعثيين والطائفيين … ؛ ومن حق الضحايا على الأحياء أن تبقى الحقائق كما هي، لا أن تُطلى بألوان الحنين الكاذب، ولا أن تُزَيَّن بذكريات انتقائية تصادر آلام شعب كامل.
لا، والله، ليس جميلاً زمنٌ يموت فيه الأبرياء، وتُسجن الأفكار، وتُذلّ الكرامة… ؛ كلّ من يمدح ذلك العهد إمّا مخدوعٌ لا يرى الحقيقة، أو غبيٌّ يتعامى عنها، أو مستفيدٌ من ذاك النظام البائد.
إن لم تستحي فافعل ما شئت، ولكن لا تلبسوا الجحيم ثوب الجنة، ولا تسموا الظلم عدلاً، ولا تسمّوا القمع حرية… ؛ الزمن الجميلُ هو زمن الكرامة والحرية ، لا زمن القيود والسلاسل.