الأمة العراقية وإشكالية الاستثناء العراقي

الامة العراقية : إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (19)

رياض سعد

*ازدواجية المعايير بين وحدة النسق الإنساني ووعي الهوية الوطنية

من المبادئ الراسخة في العلوم الطبيعية أن القوانين الكبرى لا تعمل وفق الأهواء، ولا تخضع للرغبات أو الانطباعات الشخصية.. ,  فالجاذبية لا تتوقف عند حدود دولة معينة، والنار لا تفقد قدرتها على الإحراق في جغرافيا دون أخرى، والحديد يتمدد بالحرارة أينما وجد.

والأمر ذاته، وإن كان أكثر تعقيداً، ينطبق على العلوم الإنسانية.

فقد أثبتت الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية والنفسية الحديثة أن الإنسان، رغم اختلاف ألوانه ولغاته وأديانه وثقافاته، يخضع لمنظومة واسعة من القوانين والأنماط المشتركة التي تحكم السلوك الفردي والجمعي.. ,  فالإنسان في طوكيو ليس كائناً مختلفاً في جوهره عن الإنسان في بغداد أو القاهرة أو إسطنبول أو نيويورك، بل إن الاختلاف يكمن في أشكال التعبير الثقافي والمؤسسات الاجتماعية والظروف التاريخية، لا في البنية الإنسانية الأساسية.

ولهذا السبب استطاعت نظريات الاجتماع السياسي، وعلم النفس الاجتماعي، والأنثروبولوجيا الثقافية، أن تفسر ظواهر متشابهة في مجتمعات متباينة، وأن تكشف عن وجود آليات مشتركة في بناء الهويات الجمعية وصناعة الأمم وتشكيل الذاكرة الوطنية.

إن الاعتراف بخصوصية الشعوب لا يعني إنكار وحدة الطبيعة البشرية، كما أن الإقرار بالتنوع الثقافي لا يعني نفي وجود قوانين عامة تحكم الاجتماع الإنساني.

ومن هنا تنشأ الإشكالية التي تستحق التأمل.

فإذا كانت الأمم الحديثة تتشكل من خلال التاريخ المشترك والذاكرة الجمعية والمصير المشترك والإرادة السياسية المشتركة، وإذا كانت هذه القاعدة تنطبق على مختلف شعوب العالم، فلماذا يتحول العراق وحده إلى استثناء دائم؟!

ولماذا يصبح مفهوم “الأمة العراقية” موضع تشكيك واعتراض، في حين تُقبل دون جدل مفاهيم مثل الأمة الإيرانية، والأمة التركية، والأمة المصرية، والأمة الأمريكية؟

إن الإيرانيين يتحدثون عن الأمة الإيرانية رغم تعدد القوميات واللغات والمذاهب داخل إيران.

والأتراك يتحدثون عن الأمة التركية رغم وجود الكرد والعرب واللاز والشركس وغيرهم.

والولايات المتحدة تُعرّف نفسها باعتبارها أمة أمريكية تضم عشرات الأصول العرقية والثقافية والدينية.

بل إن كثيراً من الدول المعاصرة تفوق العراق من حيث التعدد الإثني أو اللغوي أو الديني، ومع ذلك لا يشكك أحد في حقها في امتلاك هوية وطنية جامعة.

أما في العراق، فإن المشهد يبدو مختلفاً بصورة لافتة.

فما إن يُطرح مفهوم الأمة العراقية حتى تُستدعى فوراً الاعتراضات المتعلقة بالطوائف والقوميات والأديان واللغات، وكأن هذه الظواهر خاصة بالعراق وحده، أو كأن التعددية العراقية تختلف جوهرياً عن التعددية الموجودة في سائر الأمم.

وهنا تظهر بوضوح إشكالية يمكن تسميتها بـ”الاستثناء العراقي المعكوس”.

فالعراقي يقبل بسهولة تطبيق المفاهيم ذاتها على الآخرين، لكنه يتردد في تطبيقها على نفسه.

ويعترف بحق الأمم الأخرى في بناء سردياتها الوطنية الجامعة، لكنه يشكك في إمكانية وجود سردية وطنية عراقية مماثلة.

ويحتفي بالهوية الوطنية لدى الآخرين، بينما يتعامل مع الهوية العراقية بوصفها مشروعاً إشكالياً أو موضع ريبة أو شبهة أيديولوجية.

إن هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها من خلال علم الاجتماع وحده، بل تحتاج إلى قراءة تاريخية ونفسية وسياسية أعمق.

فالعراق الحديث نشأ في ظل صراعات متواصلة بين مشاريع متنافسة على تعريف الهوية: مشروع ديني، ومشروع قومي، ومشروع طائفي، ومشروع إثني، ومشروع إقليمي، ومشروع أممي.

وقد أدت هذه المشاريع المتعارضة إلى إضعاف فكرة العراق بوصفه إطاراً نهائياً للانتماء، وإلى إنتاج وعي مضطرب بالذات الوطنية.

وبمرور الزمن ترسخت حالة من الشك المزمن تجاه مفهوم الهوية العراقية نفسها.

ولعل أخطر ما أنتجه هذا المسار التاريخي هو ظهور ما يمكن تسميته بـ”ازدواجية المعايير الوطنية”.

فالمعيار الذي يُقبل في إسطنبول يُرفض في بغداد.

والمفهوم الذي يُحتفى به في طهران يصبح موضع استهجان في العراق.

والصيغة التي تُعد طبيعية في باريس أو واشنطن تتحول إلى قضية خلافية عندما يتعلق الأمر ببلاد الرافدين.

إن هذا الخلل لا يكشف عن مشكلة في مفهوم الأمة العراقية، بقدر ما يكشف عن أزمة في الوعي العراقي نفسه.

فالأمم لا تنشأ لأنها متجانسة عرقياً أو مذهبياً بصورة مطلقة، وإنما لأنها تمتلك القدرة على تحويل التنوع إلى وحدة سياسية وثقافية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد قوميات وأديان ومذاهب متعددة في العراق؟

بل السؤال هو: هل يستطيع العراقيون تحويل هذا التنوع إلى إطار وطني جامع؟

وهنا تكتسب أفكار المفكر الفرنسي إرنست رينان أهمية خاصة.

ففي محاضرته الشهيرة “ما الأمة؟” رفض رينان تفسير الأمة على أساس العرق أو اللغة أو الدين وحدها، ورأى أن الأمة هي “روح ومبدأ معنوي”، يقوم على رصيد مشترك من الذكريات التاريخية، وعلى إرادة جماعية للاستمرار في العيش المشترك.

وبحسب رينان، فإن الأمة ليست حقيقة بيولوجية، بل حقيقة تاريخية وأخلاقية وسياسية.

إنها مشروع إرادي بقدر ما هي ميراث تاريخي.

وهي ليست نتاج الدم وحده، بل نتاج الذاكرة والمصير والتجربة المشتركة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الأمة العراقية بوصفها حصيلة آلاف السنين من التراكم الحضاري الذي جرى على أرض الرافدين.

فالعراقيون، رغم اختلافاتهم، يشتركون في جغرافيا واحدة، وفي تاريخ طويل من التفاعل الحضاري، وفي ذاكرة جماعية تشكلت عبر الحروب والغزوات والثورات والتحولات الكبرى.

لقد عرفت بلاد الرافدين حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، ثم عصور الحضر والحيرة وميسان، ثم المراحل الإسلامية المتعاقبة، ثم التجربة الحديثة للدولة العراقية.

وكل هذه المراحل، على اختلافها، ساهمت في تكوين الشخصية التاريخية للعراق.

ولهذا فإن الأمة العراقية ليست اختراعاً سياسياً طارئاً، كما أنها ليست وهماً أيديولوجياً مستحدثاً، بل تعبير عن وحدة تاريخية وحضارية تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل والتراكم.

إن المطلوب اليوم ليس اختراع هوية جديدة للعراق، بل تحرير الهوية العراقية من التشويش الذي أصابها خلال القرن الماضي.

وإعادة بناء الثقة بالذات الوطنية.

وتجاوز عقدة الاستثناء العراقي.

والانتقال من سؤال: “هل توجد أمة عراقية؟” إلى سؤال أكثر نضجاً وواقعية: “كيف يمكن تطوير الأمة العراقية وتعزيز تماسكها في عالم متغير؟”

فالأمم القوية لا تُبنى على إنكار التعددية، وإنما على تحويلها إلى مصدر قوة.

ولا تُبنى على إلغاء الهويات الفرعية، وإنما على إدماجها داخل هوية وطنية عليا.

ولا تُبنى على اجترار الانقسامات التاريخية، وإنما على صناعة مستقبل مشترك.

ومن هنا فإن الأمة العراقية ليست خروجاً على القواعد العامة للاجتماع البشري، بل هي تطبيق طبيعي لها.

أما الاستثناء الحقيقي فليس وجود الأمة العراقية، بل الإصرار المستمر على إنكارها، في الوقت الذي يعترف فيه العالم كله تقريباً بحق الشعوب الأخرى في امتلاك أممها وهوياتها الوطنية الجامعة.