الدولة المافوية

عدنان طعمة

إن أخطر طبقة سياسية ليست تلك التي تسرق المال العام وتسيطر على ثروات البلاد فحسب، وإنما كذلك تلك التي تسرق التضحيات وتتاجر بدماء الشهداء أيضا، كما هو الحال عند قوى الاطار التنسيقي التي حولت دماء الشهداء إلى رصيد انتخابي ، والآلام والفواجع إلى شرعية، والذاكرة إلى تجارة سياسية ولجان اقتصادية.

لم تبن هذه القوى الشيعية وملحقاتها من القوى السنية والكردية دولة، ولم تنتج مشروعا، بل عاشت على استثمار المأساة، حتى أصبح الوطن غنيمة، والسلطة شركة، والدم موردا لا تريد له أن يجف.

وهكذا في نمط أقرب إلى ما يمكن تسميته بالأوليغارشية ما بعد الصراع، كما تشكل

في النظام البائد من ميليشيات الحزب وميليشيا فدائيي صدام، وتشكل ايضا في العراق بعد 2003، اذ لا تبنى السلطة على فكرة الدولة الحديثة، بل على شبكة من الأحزاب المتنافسة التي تتقاسم المؤسسات كما تتقاسم الغنائم. تتحول الذاكرة الوطنية إلى أرشيف دائم للشرعية، وتستدعى التضحيات والنكبات والالام في كل لحظة اهتزاز سياسي، بينما تعمل النخب الحاكمة كطبقات مغلقة تدير الدولة بوصفها امتدادا لمصالحها لا كيانا عاما.

وعليه فإن الدولة العراقية الراهنة ليس مشروعا جامعا، بل توازنا هشا بين أوليغارشيات متجاورة، تستمد بقائها من إعادة إستثمار الماضي، والفتك بكل ما ينازعها على السلطة او ترضخ كنعامة الى الولايات المتحدة واستعدادها ان تنزع كل شيء من اجل المحافظة على نفوذها من السلطة…