الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (22)
رياض سعد
منذ مدة ليست قصيرة شاع استخدم مصطلح **”الأمة العراقية”** بين بعض الكتاب العراقيين ، وهو مصطلح أثار نقاشاً واسعاً بين بعض الأكاديميين والمهتمين بالشأن الفكري والسياسي.. , غير أن هذا الجدل بحد ذاته يؤكد أهمية الموضوع، لأن الأمم لا تُبنى إلا عبر النقاش وإعادة النظر في المسلمات السياسية والفكرية التي حكمت المراحل السابقة.
اليوم لم يعد الحديث عن الأمة العراقية ترفاً فكرياً أو مجرد اجتهاد ثقافي، بل أصبح جزءاً من نقاش عالمي أوسع يتعلق بمستقبل الدول والهويات الوطنية.. , فالعالم يعيش مرحلة انتقالية عميقة تتراجع فيها الكثير من المفاهيم التي سادت خلال العقود الماضية، مقابل عودة قوية لمفهوم الأمة بوصفها الإطار الأعلى للهوية السياسية والثقافية.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الخطابات الوطنية والقومية في العديد من دول العالم.. , فالدول الكبرى باتت تعيد تعريف مصالحها وهوياتها انطلاقاً من مفهوم الأمة الوطنية، بعد عقود من هيمنة المشاريع العابرة للحدود. وأصبحت الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ والجغرافيا السياسية تحتل موقعاً مركزياً في رسم السياسات الدولية.
وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، تبدو المنطقة مقبلة على تحولات كبرى تتجاوز الكثير من الترتيبات التي نشأت خلال القرن العشرين.. , فالنظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى يواجه تحديات متزايدة، فيما تعود إلى الواجهة نقاشات الهوية الوطنية والحقوق التاريخية والحدود السياسية ومكانة الشعوب والأمم في المنطقة.
وفي خضم هذه التحولات يبرز العراق بوصفه حالة خاصة.. , فالعراق ليس مجرد دولة حديثة نشأت في القرن العشرين، بل يمثل امتداداً تاريخياً وحضارياً متصلاً عبر آلاف السنين. ومن هنا فإن مفهوم الأمة العراقية لا يستند إلى ظرف سياسي مؤقت، بل إلى تراكم حضاري وثقافي وتاريخي طويل أنتج شخصية عراقية متميزة ووعياً جمعياً خاصاً.
إن الأمة العراقية ليست نفياً لانتماءات العراق العربية أو الإقليمية، وإنما هي تأكيد لخصوصية العراق التاريخية والحضارية.. , فكما تمتلك الأمم الكبرى سردياتها الوطنية الخاصة، يمتلك العراق أيضاً حقه الطبيعي في بناء سرديته الوطنية المستقلة، القائمة على تاريخه الرافديني وتراثه العربي والإسلامي وتجربته الحضارية الممتدة.
ولذلك فإن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم لا يتمثل في الصراعات السياسية اليومية فحسب، بل في غياب مشروع وطني متكامل يعيد الاعتبار لفكرة الأمة العراقية بوصفها إطاراً جامعاً يتجاوز الانقسامات الطائفية والقومية والحزبية.. , فالأمم القوية لا تُبنى على الانقسامات الفرعية، وإنما على الهوية الوطنية الجامعة والمصلحة العليا المشتركة.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يزداد الحديث عن الحقوق التاريخية للشعوب وعن مراجعة كثير من المسلمات السياسية التي فرضتها ظروف القرن الماضي.. , ومن هنا تبرز أهمية أن يمتلك العراق رؤية وطنية واضحة تجاه تاريخه وجغرافيته ومصالحه الاستراتيجية، وأن يكون قادراً على الدفاع عن حقوقه التاريخية والسيادية وفق القانون الدولي والأعراف السياسية المعاصرة.
إن استعادة مفهوم الأمة العراقية لا تعني الدعوة إلى الصراع أو التوسع أو العداء مع الجوار، بل تعني امتلاك وعي وطني راسخ يجعل العراق فاعلاً في معادلات المنطقة لا مجرد ساحة لتقاطع المشاريع الخارجية.. , فالأمم التي تعرف نفسها وتدرك مكانتها التاريخية تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها وصياغة مستقبلها.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء المشروع الوطني العراقي؛ المشروع الذي يعيد للعراقيين ثقتهم بأنفسهم، ويؤسس لدولة قوية، ويمنح الأمة العراقية مكانتها الطبيعية بين أمم المنطقة والعالم.
فالمستقبل، كما يبدو من اتجاهات السياسة الدولية المعاصرة، سيكون للأمم القادرة على تعريف ذاتها والدفاع عن مصالحها وصيانة هويتها.. , والسؤال الذي يواجه العراقيين اليوم ليس: هل توجد أمة عراقية؟ بل: كيف يمكن إعادة بناء مشروع الأمة العراقية بما ينسجم مع تحديات القرن الحادي والعشرين؟