الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (23)
رياض سعد
من أخطر الظواهر التي تستحق الدراسة في التاريخ العراقي الحديث ظاهرة **تدجين المجتمع** أو ما يمكن تسميته بـ”إنتاج المواطن الخائف”.. , فالأمم لا تُهزم دائماً بالسلاح، بل قد تُهزم نفسياً وثقافياً عندما تُفقد ثقتها بنفسها وقدرتها على الفعل والتغيير.
وعندما نتأمل مسار العراق خلال القرون الأخيرة نجد أن أخطر ما ورثته الأمة العراقية لم يكن الخراب المادي وحده، بل تراكم منظومات من الخوف والطاعة والاتكالية والانكفاء، تشكلت عبر مراحل تاريخية متعاقبة.
ففي عهد الاحتلال العثماني لم يكن العراق يُدار بوصفه مركزاً حضارياً مستقلاً، بل بوصفه ولاية طرفية تخضع لمقتضيات الإمبراطورية.. , وكان المطلوب من السكان الطاعة أكثر من المشاركة، والانقياد أكثر من المبادرة.. , ومع الزمن نشأت علاقة غير متوازنة بين السلطة والمجتمع، علاقة تقوم على الرهبة لا على الشراكة.
ثم جاء الاحتلال البريطاني ليؤسس دولة حديثة شكلاً، لكنه أبقى كثيراً من البنى التقليدية التي تضمن السيطرة على المجتمع وإدارته من الأعلى إلى الأسفل.. , وهكذا انتقلت أدوات الهيمنة من صيغة إمبراطورية إلى صيغة استعمارية، بينما بقي المواطن العراقي الاصيل بعيداً عن المشاركة الحقيقية في صناعة القرار.
ومع تعاقب الأنظمة الجمهورية والحزبية والعسكرية، دخل العراق مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الإنسان العراقي وفق متطلبات السلطة الغاشمة .. , فأصبحت المدرسة والإعلام والحزب والأجهزة الأمنية أدوات لإنتاج مواطن مطيع وخائف أكثر من كونها أدوات لبناء مواطن حر ومسؤول.
ومن منظور علم النفس السياسي، فإن الخوف المستمر لا ينتج أفراداً أقوياء، بل ينتج شخصيات حذرة ومزدوجة السلوك.. , إذ يتعلم الإنسان أن يقول شيئاً ويفكر بشيء آخر، وأن يُظهر الولاء في العلن ويخفي قناعاته في السر.. , ومع تكرار هذه الحالة عبر عقود طويلة تتحول الازدواجية من سلوك فردي إلى ظاهرة اجتماعية عامة.
أما من الناحية الأنثروبولوجية، فإن المجتمعات التي تتعرض لفترات طويلة من القمع والتسلط تبدأ بإنتاج ثقافة فرعية قائمة على الحذر والصمت والبحث عن النجاة الفردية بدلاً من العمل الجماعي.. , وهنا تتحول الروابط الوطنية الكبرى إلى روابط فرعية أصغر، كالعشيرة والطائفة والحزب والمنطقة، لأنها تبدو أكثر قدرة على توفير الحماية من الدولة نفسها.
ومن هنا يمكن فهم كثير من التحولات التي شهدها العراق خلال القرن العشرين.. , فبدلاً من أن تتجه الأمة العراقية نحو بناء هوية وطنية متماسكة، جرى تفكيك المجال الوطني مراراً لصالح هويات فرعية متنافسة.. , وأصبحت الانقسامات الاجتماعية والسياسية وسيلة فعالة لإضعاف المجتمع ومنعه من التحول إلى قوة وطنية منظمة.
لقد أدركت الأنظمة السلطوية، في العراق وفي غيره من البلدان، أن المواطن الواثق بنفسه يمثل تحدياً دائماً للسلطة المطلقة، بينما المواطن الخائف يصبح أكثر قابلية للضبط والسيطرة.. , لذلك لم يكن القمع هدفاً بحد ذاته، بل كان وسيلة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وإعادة هندسة السلوك الاجتماعي.
والنتيجة التي ما زالت الأمة العراقية تعاني منها حتى اليوم هي انتشار مشاعر العجز السياسي، وضعف الثقة بالمؤسسات، والخوف من المبادرة، واللجوء إلى الولاءات الضيقة، فضلاً عن تراجع الإحساس بالمواطنة الجامعة.
إن مشروع النهضة العراقية لا يبدأ بإصلاح الاقتصاد أو السياسة فحسب، بل يبدأ بتحرير الإنسان العراقي من آثار قرون من التدجين النفسي والثقافي.. , فالأمة التي فقدت ثقتها بنفسها لا تستطيع بناء دولة قوية، مهما امتلكت من ثروات وإمكانات.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية للأمة العراقية في القرن الحادي والعشرين ليست معركة حدود أو موارد فقط، بل هي معركة استعادة الشخصية العراقية الحرة؛ الشخصية التي صنعت حضارات الرافدين وأسهمت في بناء التاريخ الإنساني، قبل أن تدخل قروناً طويلة من الهيمنة والاستلاب والتفكيك.