الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (24)
رياض سعد
لا يمكن لأمة أن تعرف نفسها ما لم تعرف تاريخها، ولا يمكن لشعب أن يدرك حقيقة وجوده ما لم يدرك جذوره الأولى، ومسار تشكله الحضاري، والتحولات الكبرى التي صنعت شخصيته الجمعية عبر الزمن.. , فالتاريخ ليس مجرد سرد للحوادث والملوك والحروب، بل هو الذاكرة العميقة للأمم، والمستودع الرمزي لهويتها، والسجل الذي يحفظ ملامح شخصيتها الثقافية والنفسية والاجتماعية.
ومن هنا تبرز ضرورة دراسة تاريخ العراق والأمة العراقية بوصفها ضرورة وجودية وليست ترفاً فكرياً؛ لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها التاريخية تفقد قدرتها على فهم حاضرها وصناعة مستقبلها، وتتحول إلى جماعات مبعثرة يسهل اقتيادها وتوجيهها وإعادة تشكيل وعيها وفق إرادة الآخرين.
لقد أثبتت الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة أن الهوية الجمعية لا تُبنى فقط على المصالح السياسية الآنية، بل تتشكل عبر تراكمات طويلة من الخبرات والرموز والأساطير والذكريات المشتركة والإنجازات الحضارية الكبرى.. , ولذلك فإن الشعوب التي تمتلك سردية تاريخية واضحة تكون أكثر تماسكاً وثقة بنفسها وقدرة على مواجهة الأزمات من الشعوب التي تعيش حالة اغتراب عن ماضيها أو انقطاع عن جذورها الحضارية.
ويمثل العراق إحدى أقدم البيئات الحضارية المستمرة في العالم؛ فبين ضفتي دجلة والفرات نشأت أولى المدن الكبرى، وظهرت الكتابة المسمارية في سومر، وتأسست أولى الدول المركزية المعروفة في التاريخ الإنساني، وصدرت أقدم المدونات القانونية في بابل، وازدهرت العلوم والفلك والرياضيات والهندسة في مختلف العصور الرافدينية.. , وقد عدّ عالم الآثار البريطاني صموئيل نوح كريمر بلاد الرافدين واحدة من أهم البيئات المؤسسة للحضارة الإنسانية، وخلّد ذلك في كتابه الشهير «التاريخ يبدأ في سومر».(1)
إن الأمة العراقية، وفق هذا الفهم الحضاري، ليست وليدة القرن العشرين، ولا نتاج الحدود السياسية الحديثة، بل هي حصيلة تراكم تاريخي طويل بدأ منذ آلاف السنين، وتعاقبت عليه أمم وأقوام وسلالات وثقافات متعددة اندمجت جميعها في الفضاء الرافديني وأسهمت في تشكيل الشخصية العراقية التاريخية.. , فالعراق لم يكن مجرد رقعة جغرافية، بل كان مركزاً لإنتاج الحضارة والمعرفة والقوة السياسية عبر مراحل طويلة من التاريخ.
وتكشف الاكتشافات الأركيولوجية في أور وأوروك ونفر وآشور ونينوى وبابل والحضر وغيرها عن وجود استمرارية حضارية مدهشة جعلت بلاد الرافدين إحدى أهم البؤر الحضارية في التاريخ الإنساني.. , فهذه المدن لم تكن مجرد تجمعات سكانية، بل مراكز لإنتاج المعرفة والسلطة والاقتصاد والثقافة، ومنها انتشرت مؤثرات حضارية واسعة إلى مناطق عديدة من العالم القديم.(2)
غير أن هذه المسيرة التاريخية لم تكن خطاً مستقيماً من الصعود المستمر، بل تعرضت الأمة العراقية لسلسلة من الكوارث والاحتلالات والانهيارات السياسية التي تركت آثاراً عميقة في بنيتها النفسية والاجتماعية.. , فمن الغزو الأخميني إلى الاحتلال المقدوني، ومن الهيمنة الساسانية إلى الغزو المغولي المدمر، ومن السيطرة العثمانية الطويلة إلى الاحتلال البريطاني، ثم إلى أنظمة الدولة الحديثة المأزومة، ظل العراق يعيش صراعاً دائماً بين إرثه الحضاري العميق وبين قوى الهيمنة الخارجية التي حاولت تفكيك هويته وإعادة تشكيلها.
وتشير العديد من الدراسات الاجتماعية إلى أن الاحتلالات الطويلة لا تكتفي بالسيطرة على الأرض والثروة، بل تعمل أيضاً على إعادة صياغة وعي الجماعات الخاضعة لها.. , فالهيمنة الممتدة تنتج أنماطاً من الخوف السياسي، والتبعية النفسية، والانقسام الاجتماعي، وتضعف روح المبادرة والثقة بالنفس، وهي ظواهر يمكن ملاحظة بعض آثارها في الشخصية العراقية المعاصرة بعد قرون من الاستبداد والاحتلال والصراعات الداخلية.(3)
ولذلك فإن دراسة التاريخ العراقي ليست مجرد استذكار لأمجاد الماضي، بل هي محاولة لفهم الأسباب العميقة للأزمات الراهنة.. , فالحاضر ليس منفصلاً عن الماضي، وإنما هو امتداد له ونتيجة من نتائجه.. , والإنسان العراقي المعاصر هو حصيلة تفاعل طويل بين الإرث السومري والبابلي والآشوري والعلوي والعباسي، وبين قرون الاحتلال والحروب والانقسامات والتحولات الاجتماعية الكبرى.
ومن هنا فإن استعادة الوعي بالتاريخ لا تعني العودة إلى الماضي أو العيش فيه، بل تعني استخدامه بوصفه أداة لفهم الحاضر وبناء المستقبل.. , فالشعوب الحية هي التي تستلهم تاريخها وتستثمر خبراتها المتراكمة في صناعة نهضتها، بينما الشعوب المأزومة تكتفي بالبكاء على الأطلال واجترار الأمجاد الغابرة من دون أن تحولها إلى مشروع حضاري معاصر.
إن الأمة العراقية اليوم بحاجة إلى مشروع وطني معرفي يعيد قراءة تاريخ العراق قراءة علمية بعيدة عن التعصب والطائفية والتزوير الأيديولوجي، ويكشف مسارات تشكل الشخصية العراقية عبر العصور، ويعيد وصل العراقيين بإرثهم الحضاري المشترك الذي سبق الانقسامات السياسية والطائفية والإثنية المعاصرة.
فالتاريخ ليس ماضياً ميتاً، بل قوة حية تسكن الحاضر وتوجه المستقبل.. , وكل أمة تجهل تاريخها محكومة بأن تعيش اغتراباً دائماً عن ذاتها، أما الأمة التي تعرف جذورها وتفهم مسيرتها التاريخية فإنها تكون أكثر قدرة على النهوض واستعادة دورها الحضاري بين الأمم.
إن دراسة تاريخ العراق ليست بحثاً في الماضي فحسب، بل هي بحث في معنى الأمة العراقية نفسها؛ تلك الأمة التي ولدت على ضفاف دجلة والفرات، وأسهمت في صناعة الحضارة الإنسانية، وما زالت تمتلك من الطاقات التاريخية والبشرية ما يؤهلها لاستعادة مكانتها ودورها إذا ما استعادت وعيها بذاتها وذاكرتها وهويتها الحضارية.
……………….
الهوامش والمصادر
1. صموئيل نوح كريمر، *التاريخ يبدأ في سومر*، ترجمة: فيصل الوائلي، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة.
2. جورج رو، *العراق القديم*، ترجمة حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام؛ وكذلك:
طه باقر، *مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة*، ج1.
3. علي الوردي، *دراسة في طبيعة المجتمع العراقي*؛
حنّا بطاطو، *العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية*.
4. أرنولد توينبي، *دراسة للتاريخ*، الأجزاء المتعلقة بنشوء الحضارات وانهيارها.
5. ابن خلدون، *المقدمة*، فصل العصبية والدولة والعمران.
6. عماد عبد السلام رؤوف، محاضرة حول أهمية التاريخ والهوية الوطنية العراقية، بتصرف.