بنو أمية وقتل الأطفال: عبد الله الرضيع (ح 5)

د. فاضل حسن شريف

عن المرجع الألكتروني للمعلوماتية عن الطفل الرضيع للإمام الحسين عليه السلام، دراسة حول اسمه وعمره وكيفيّة شهادته تأليف معهد سيد الشهداء عليه السلام للمنبر الحسيني: وقد ورد في بعض المصادر أنّه وقف بعد شهادة الطفل الرضيع وقال: 1- كَفَرَ القَوْمُ وَقِدَماً رَغِبُوا عَنْ ثَوَابِ رَبِّ الثَّقَلَيْنِ 2- قَتَلُوا قِدَماً عَلِيّاً وَابْنَهُ حَسَنَ الخَيْرِ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ 3- حَنَقاً مِنْهُمْ وَقَالُوا: أَجْمِعُوا نَفْتِكِ الْآنَ جَمِيْعاً بِالحُسَيْنِ 4- يَا لَقَوْمٍ مِنْ أُنَاسٍ رُذُلٍ جَمَعُوا الجَمْعَ لِأَهْلِ الحَرَمَيْنِ 5- ثُمَّ صَارُوْا وَتَوَاصَوا كُلُّهُمْ بِاجْتِيَاحِي لِإِرْضَاءِ المُلْحِدَيْنِ 6- لَمْ يَخَافُوا اللهَ فِي سَفْكِ دَمِيْ لِعُبَيْدِ اللهِ نَسْلِ الكَافِرَيْنَ 7- وَابْنِ سَعْدٍ قَدْ رَمَانِيْ عُنْوَةً بِجُنُوْدٍ كَوُكُوفِ الهَاطِلَيْنَ 8- لَا لِشَيْءٍ كَانَ مِنَّا قَبْلَ ذَا غَيْرَ فَخْرِي بِضِيَاءِ الفَرْقَدَيْنِ 9- بِعَلِيِّ الخَيْرِ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ وَالنَّبِيِّ القُرَشِيِّ الوَالِدَيْنِ 10- خِيْرَةُ اللهِ مِنَ الخَلْقِ أَبِيْ ثُمَّ أُمِّيْ فَأَنَا ابْنُ الخِيْرَتَيْنِ 11- فِضَّةٌ قَدْ خُلِقَتْ مِنْ ذَهَبٍ فَأَنَا الفِضَّةُ وَابْنُ الذَّهَبَيْنِ 12- مَنْ لَهُ جَدٌّ كَجَدِّيْ فِيْ الوَرَىْ أَوْ كَشَيْخِيْ فَأَنَا ابْنُ القَمَرَيْنِ 13- فَاطِمُ الزَّهْرَاءُ أُمِّيْ وَأَبِيْ قَاصِمُ الكُفْرِ بِبَدْرٍ وَحُنَيْنِ 14- عُرْوَةُ الدِّيْنِ عَلِيُّ المُرْتَضَىْ هَادِمُ الجَيْشِ مُصَلِّي القِبْلَتَيْنِ 15- وَلَهُ فِيْ يَوْمِ أُحْدٍ وَقْعَةٌ شَفَتْ الغِلَّ بِفَضِّ العَسْكَرَيْنِ 16- ثُمَّ بِالأَحْزَابِ وَالفَتْحِ مَعاً كَانَ فِيْهَا حَتْفُ أَهْلِ الفَيْلَقَيْنِ 17- فِيْ سَبِيْلِ اللهِ مَاذَا صَنَعَتْ أُمَّةُ السُّوْءِ مَعاً بِالعِتْرَتَيْنِ 18- عِتْرَةِ البِرِّ التَّقِيِّ المُصْطَفَىْ وَعَلِيِّ القُرْمِ يَوْمَ الجَحْفَلَيْنِ 19- عَبَدَ اللهَ غُلَاماً يَافِعاً وَقُرَيْشٌ يَعْبُدُوْنَ الوَثَنَيْنِ 20- وَقَلَا الوِثَانَ لَمْ يَسْجُدْ لَهَا مَعْ قُرَيْشٍ لَا وَلَا طَرْفَةَ عَيْنِ 21- طَعَنَ الأَبْطَالَ لَمَّا بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ وَتَبُوْكٍ وَحُنَيْنِ.

نقد وتحقيق: صحيح أنّ القرائن والشواهد التي أوردها المحقّق القاضي الطباطبائيّ لإثبات مدّعاه تبدو- بحسب ظاهرها ولأوّل نظرة- قويّة ومتينة، وكذلك ما ذكره الطبريّ الإماميّ وابن خشّاب- كما مرّ سابقاً – حول تعداد أولاد الإمام عليه السلام فإنّه يدلّ على أنّ عبد الله ليس هو عليّ الأصغر، إلّا أنّ أدنى تأمّل وتدقيق فيها يثير سؤالاً مهمّاً وهو: ما دام أنّ عليّاً الأصغر هو غير عبد الله الرضيع فلماذا لم يورد أبو مخنف أيّ ذكرٍ لعليّ الأصغر في كتابه الذي يُعتبر أهمّ المصادر المعتمدة في تاريخ عاشوراء، والذي ينقل فيه بوساطة واحدة أو اثنتين لا غير؟ وكذلك الشيخ المفيد – الذي كان يعتمد على منقولات أبي مخنف- لم يذكر شيئاً عن عليّ الأصغر، بل بدأ تداول تلك الروايات عن عليّ وبالإجمال أيضاً منذ القرن الرابع للهجرة فقط لماذا ورد ذكر الطفل الذي صلّى عليه الإمام عليه السلام ويبلغ من العمر ستّ سنوات في رواية مرسلة لابن الأعثم فقط، الذي صنّف كتابه بعد حادثة عاشوراء بأكثر من قرنين ونصف القرن، بينما لا نجد أيّ شيء عن اسم ذلك الطفل وأنّه عليّ، ولا عن كيفيّة قتله في المصادر المتقدّمة؟ وأمّا استدلال المحقّق باختلاف الروايات حول شهادة الطفل الرضيع فيمكن القول بأنّ بعض المصادر نقلت شهادته بطريقة تنسجم مع رواية أبي مخنف والشيخ المفيد، من جهةٍ ومع رواية ابن الأعثم والخوارزميّ، من جهةٍ أخرى، كما ذكر ذلك الطبرسيّ (م 560 هـ) فنصّ على مجيء الإمام عليه السلام راكباً على الجواد إلى باب الخيمة، وأنّ الإمام نزل بعد قتل الطفل الرضيع عن جواده وحفر له حفرة ودفنه فيها، ولكنّه لم يذكر شيئاً في روايته عن صلاة الإمام عليه السلام على ذلك الطفل لأنّه يعتبر أنّ الطفل كان رضيعاً. وكذلك ما ورد في رواية سبط بن الجوزيّ، فعلى فرض أنّنا قبلنا بأنّ أوّل رواية تدلّ- كما يدّعي المحقّق الطباطبائيّ- على أنّ عمر الطفل هو ستّ سنوات، إلّا أنّ آخرها يدلّ على أنّ هذا الطفل كان رضيعاً، لأنّ النداء من السماء ورد على هذا النحو: “دعه يا حسين فإنّ له مرضعاً في الجنّة”. وبتعبير آخر فإنّ هذا النقل ذكر مجيء الإمام عليه السلام مع الطفل إلى الميدان قبال معسكر الأعداء،…وذكر أيضاً أنّ هذا الطفل كان رضيعاً. ومن هنا يظهر بأنّ اختلاف الروايات حول كيفيّة شهادة الطفل الرضيع لا يسمح بالادّعاء أنّ عبد الله وعليّ الأصغر هما طفلان اثنان، أحدهما رضيعٌ، والآخر يبلغ من العمر ستّ سنوات. الأمر الآخر الذي يجب التنبّه له هو أنّ الكثير من المؤرّخين المتقدّمين والمتأخّرين يذكرون الإمام السجّاد عليه السلام باسم (عليّ الأصغر) حيث يعتبرون أنّ كلمة (أصغر) هي صفة للإمام زين العابدين عليه السلام لا للطفل الرضيع، والبعض الآخر كان يعتبر صفة (أصغر) هي لعليّ الأكبر (الذي استشهد في شبابه) بل إنّ عدداً كبيراً من الطالبيّين كالمحلّى والعقيقيّ كانوا يطلقون على الإمام السجّاد عليه السلام اسم عليّ الأكبر ويطلقون على عليّ الأكبر الشهيد اسم عليّ الأصغر، ثمّ إنّ الكثير من علماء الأنساب مثل الكلبيّ ومصعب الزبيريّ يعتبرون الإمام السجّاد عليه السلام هو عليّ الأصغر. وبناءً على ذلك فإنّ أيّاً من هذين الفريقين لا يعتبر الطفل الرضيع هو عليّ الأصغر. بالإضافة إلى كلّ ذلك، فإنّ المؤرّخين استخدموا (الأصغر) كلقبٍ لبيان عمر الإمام عليّ ابن الحسين في قبال عليّ الأكبر، وهذا ما ذكره أبو حنيفة الدينوريّ حيث قال: إنّ أحد الناجين من القتل كان عليّ الأصغر الذي كان بالغاً.

جاء في موقع علوم نهج البلاغة عن واقعة الحرَّ جريمة أُخرى لبني أميَّة للكاتب عمَّار حسن الخزاعي: وتستمر جرائم بني أميَّة ليكون محلَّها هذه المرة في مدينة رسول الله صلَّى عليه وآله، وكأنَّ الله تعالى ابتلاهم لعدم نصرتهم الحسين عليه السلام، ولم يُصدِّقوا ما قال لهم الإمام الحسين من أنَّ يزيد بن معاوية رجل فاسق فاجر ولا تحلُّ له حكومة المسلمين، وبعد واقعة كربلاء تحصل جريمة أخرى لا تقلُّ عنها بشاعة وهي واقعة الحرّة، وملخّصها في ذهاب وفدٍ من أبناء المهاجرين والأنصار إلى دمشق مركز الخلافة للقاء الخليفة، ولمّا حصل اللقاء رأى الوفد في سلوك يزيد بن معاوية القبيح والسَّيئ، وبعد ذلك يرجع الوفد إلى المدينة وهناك أظهروا شتم يزيد وعيبه، ومن جملة ما قالوا: قدمنا من عند رجلٍ ليس له دين، يشرب الخمر، ويضرب الطنابير، وتعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويُسمّر عنده الحراب… وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه، وقال عبد الله بن حنظلة: لو لم أجد إلاّ بنيَّ هؤلاء لجاهدته بهم، وقد أعطاني وأكرمني، وما قبلت عطاءه إلاّ لأتقوَّى به. ثمَّ خلع الناس يزيداً وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل، وولّوه عليهم. وعبد الله بن حنظلة الغسيل، هو ابن الصحابي الشهيد، وقصَّته أنَّه في يوم معركة أحد على امرأته جميلة ووقع عليها، (فعلقت بعبد الله في شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة، وقتل حنظلة يومئذ شهيدا فغسلته الملائكة، فقال لولده: بنو غسيل الملائكة، وولدت جميلة عبد الله، فقبض رسول الله صَلى اللهُ عَلَيه وآله ولعبد الله سبع سنين. ولما وثب أهل المدينة ليالي الحرة فأخرجوا بني أمية عن المدينة، وأظهروا عيب يزيد، أجمعوا على عبد الله، فأسندوا أمرهم إليه فبايعهم على الموت وقال: يا قوم، اتقوا الله وحده، فو الله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إن رجلا ينكح الأمهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت للَّه فيه بلاء حسنا. فتواثب الناس يومئذ يبايعون من كل النواحي. وما كان لعبد الله بن حنظلة تلك الليالي مبيت إلا المسجد، فلما دخلوا المدينة قاتل حتى قتل يومئذ). ولمّا بلغ يزيد الخبر أرسل إليهم مسلم بن عقبة في جيش جرار، وبعد حربٍ ضارية انتصر الجيش الشامي، ودخل المدينة، قال ابن كثير: (ثُمَّ أَبَاحَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ، الَّذِي يَقُولُ فِيهِ السَّلَفُ مسرف بن عقبة- قبحه الله من شيخ سوء ما أجهله- الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرَهُ يَزِيدُ، لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ أَشْرَافِهَا وَقُرَّائِهَا وَانْتَهَبَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً مِنْهَا، وَوَقَعَ شَرٌّ عَظِيمٌ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ)، ثمَّ إنَّ الجيش الأموي تمادى في غيِّه حتَّى انتهك الأعراض، وقي في ذلك: (وَوَقَعُوا عَلَى النِّسَاءِ حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ حَبِلَتْ أَلْفُ امْرَأَةٍ فِي تلك الأيام من غير زوج… قَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: وَلَدَتْ أَلْفُ امْرَأَةٍ مِنْ أهل المدينة بعد وقعة الْحَرَّةِ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ)، وقد بلغ القتلى في واقعة الحرَّة (سبعمائة من وجوه الناس من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الموالي، وممن لا يعرف من عبد وحر وامرأة عشرة آلاف)، ثُمَّ نُصِبَ كرسيٌ لمسلم بن عقبة، وجيء بالأسرى من أهل المدينة فكان يُؤمر كل واحدٍ منهم أن يبايع ويقول: إنّني عبدٌ مملوك ليزيد بن معاوية يتحكم فيَّ وفي دمي وفي مالي وفي أهلي ما يشاء، والذي يمتنع ولا يبايع بالعبوديّة ليزيد، ويُصرّ على القول بأنّه عبدٌ لله جلَّ وعلا يُباشر بالقتل، والأدهى من هذا قول مسلم بن عقبة: (اللَّهمّ إِنِّي لَمْ أَعْمَلْ عَمَلًا قَطُّ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَا أَرْجَى عِنْدِي مِنْهُ). بعدها توجّه مسلم بن عقبة ومن معه إلى مكة، التي ثار فيها عبد الله بن الزبير على الحكم الأموي، وفي الطريق يهلك مسلم بن عقبة، وتصير القيادة إلى حُصين بن نُمير بناءً على أوامر يزيد، وعندما وصل الحُصين أطراف مكة فرض حصاراً عليها وضرب الكعبة بالمنجنيق وأحرقها، وفي هذا الوقت يموتُ يزيد (وكانت صحيفة أعماله في مدة حكمه – الذي استمرّ ثلاث سنوات وبضعة أشهر – مسودة بقتل ابن بنت النبي، وأسر أهل بيت الوصي وحرائر الرسالة، إلى جانب القتل الجماعي لأهل المدينة، وهدم الكعبة المشرفة). ثمَّ يبدأ الصراع بين عرب الشام، بسبب المنافسة بين أفراد العائلة الأموية على الحكم، واستمرّ النزاع حتّى عُقد مؤتمر الجابية، الذي خَلُص إلى مبايعة مروان بن الحكم بالخلافة، ثمَّ يخلفه ابنه عبد الملك، الذي سُئل عنه الحسن البصري فقال: (ما أقول في رجلٍ كان الحجاج سيئة من سيئاته)، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي (كان لا يصبر عن سفك الدماء، ويخبر أنه أكبر لذّاته). وهكذا تتوالى جرائم بني أميَّة في قتل النَّاس وانتهاك أعراضهم، وما واقعة الحرَّة إلَّا واحدة من تلك الجرائم.