د. فاضل حسن شريف
مصحف النجف الأشرف هو أول مصحف عراقي بخط يدوي (للخطاط عبد الحسين الركابي) يتم اعتماده ونشره رسميًا، أنجزته دار الكفيل للطباعة والنشر التابعة للعتبة العباسية المقدسة في أبريل 2026، وحظي بمباركة المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، ليكون طبعة معتمدة ومطابقة لأعلى المعايير الإسلامية. أبرز خصائص ومميزات مصحف النجف الأشرف: توثيق مرجعي: أُنجز بمباركة ورعاية المرجعية الدينية العليا (السيد علي السيستاني)، وتم التأكيد على خلوه من أي زيادة أو نقصان. خط يدوي فني: كُتب بخط يدي أصيل للخطاط عبد الحسين الركابي، ما يمنحه صبغة فنية وإيمانية مميزة. نظام التسطير: اعتمد نظام “الآية بيركنر” (Aya Birkiner)، حيث تتكون كل صفحة من 15 سطرًا. طبعة عالمية: تم طباعته وفق معايير الجودة العالمية في دار الكفيل (العتبة العباسية) لقياسين (الرحلي والوزيري)، ليكون متاحًا في العالم الإسلامي. مصحف وطني عراقي: يُعد إنجازًا ثقافيًا عراقيًا بارزًا كأول مصحف عراقي معتمد بجودة عالية، ويمثل امتدادًا لعراقة المدينة في خدمة القرآن. خلفية الانجاز: تمت إزاحة الستار عن الطبعة الأولى في احتفال رسمي أواخر نيسان/أبريل 2026 (تزامنًا مع مناسبات ولادة الإمام الرضا عليه السلام)، وشاركت في إنتاجه لجان تدقيق ومختصون لضمان الدقة العالية.
عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تقدست أسماؤه “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا” ﴿الإسراء 106﴾ لم ينزل القرآن على محمد صلى الله عليه واله وسلم جملة واحدة، بل نزل نجوما يتابع أحيانا، ويبطئ أحيانا أخرى حسب المصالح والوقائع التي تحدث آنا بعد آن، أما قوله تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ” فمعناه ان ابتداء النزول كان في هذه الليلة، ثم استمر إلى وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم.. وكان بين أول نزوله وآخره ثلاثة وعشرون عاما، وقد بين سبحانه الغاية من ذلك بقوله: “لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ” أي على تمهل آية آية، ليسهل فهمه وحفظه.. وهذه الآية دليل واضح على خطأ من قال: نزل القرآن على محمد جملة واحدة، وبلغه هو على دفعات، وقد رد سبحانه على من قال هذا بقوله: “وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ” (الفرقان 32) أي لنقوي قلبك على ادراك معاني القرآن وأسراره.. هذا بالإضافة إلى كثير من الآيات التي حكت قصة الحوادث المتجددة أوبينت أحكامها كقصة بدر وأحد والأحزاب وحنين، وقصة نصارى نجران، ويهود المدينة، وكحادثة أزواج النبي، والمرأة التي جادلته في زوجها إلى غير ذلك. وقال الشيخ المفيد: نزل القرآن على الأسباب الحادثة حالا بعد حال، ويدل على ذلك ظاهر القرآن، والتواتر من الأخبار، واجماع العلماء. “ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً” ﴿الإسراء 106﴾. في كتب اللغة تنزل أي نزل على مهل، وعليه تكون هذه الجملة تفسيرا وبيانا لما قبلها.
جاء في شبكة الكفيل العالمية عن المصحف عبر العصور كيف أعاد مصحف النجف صياغة تأريخ الطباعة القرآنية برؤية عالمية؟ العراق يدشن أول مصحف عراقي بامتياز اليوم، وفي قلب هذا السباق الحضاري، تبرز العتبة العباسية المقدسة كلاعبٍ محوري لم يكتفِ باستيراد التقنية، بل أسس لمدرسة تخصصية تجمع بين عبق المخطوطات القديمة وأحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الطباعة العالمية، لتقدم للعالم نسخة قرآنية عراقية خالصة كُتبت وطُبعت وحُققت بأيدي أبنائها، معلنةً بذلك فصلاً جديداً من فصول خدمة الثقلين. ومصحف النجف الأشرف جاء تتويجاً لرحلة خط وطباعة المصحف الشريف التي بدأها مركز طباعة المصحف الشريف في المجمع العلمي للقرآن الكريم التابع للعتبة العباسية المقدسة والذي أُعلن عن طباعة النسخة الأولى منه في 21 أيار 2015م، بخط الخطاط العراقي حميد السعدي، ومن ثم جاء مشروع “مصحف ثمرة الأربعين بأنامل الزائرين”، فضلا عن طباعةمصحفٍ مترجمٍ بالكامل إلى الألمانية” في عام 2017. وحملت خطوة تبني العتبة العباسية المقدسة لمشروع “مصحف النجف الأشرف” جملة من الرسائل والأهداف التي جعلت منها الجهة الأجدر لتنفيذ هذا المشروع. إذ سعت بوساطة “مركز طبع وتفسير وعلوم القرآن” إلى كسر الاعتماد على المصاحف المطبوعة في خارج العراق، وإيجاد نسخة عراقية خالصة خطاً وتصميماً وطباعة تليق بالهوية الثقافية للبلاد، فضلا عن إبراز مدرسة الخط العراقية وتكريم طاقات أبنائها. ولامتلاك العتبة العباسية بنية تحتية متطورة، بما في ذلك دار الكفيل للطباعة والنشر، وهي من أحدث المطابع في المنطقة، سمح لها بإنتاج المصحف بمواصفات عالمية تتفوق على النسخ التجارية. وبصفتها مؤسسة دينية تحظى بثقة المرجعية العليا في النجف، كان تبنيها للمشروع ضماناً للدقة المتناهية في المراجعة اللغوية والفنية، وضماناً لقبول النسخة واعتمادها في المساجد والمحافل الدولية. ويمثل تبني هذا المصحف توثيقاً لمرحلة ازدهار الإعمار والنشاط الثقافي للعتبات المقدسة في العراق، وتقديمه كـ “هدية” من كربلاء المقدسة والنجف الأشرف للعالم الإسلامي.
لماذا مصحف النجف الأشرف؟ تميز “مصحف النجف الأشرف” بعدة خصائص تجعله علامة فارقة في تأريخ طباعة المصاحف في العراق والعالم الإسلامي، وأبرزها: الهوية الوطنية، فهو أول مصحف يُخط ويُدقق ويُصمم ويُطبع بالكامل في داخل العراق بأيادي الخطاطين والفنانين العراقيين وفي مطابع عراقية،، ممّا يكسر الحاجة إلى الاعتماد على المصاحف المستوردة، وتميز بالخط اليدوي بخلاف المصاحف التي تعتمد الخطوط الحاسوبية، اذ كُتب هذا المصحف بخط اليد (خط النسخ) بوساطة الخطاط العراقي عبد الحسين الركابي، ممّا يمنح الكلمات روحاً وفنية عالية ووضوحاً فائقاً يسهل القراءة لجميع الفئات العمرية، والتزم المصحف بأعلى معايير الرسم العثماني المعتمد، مع مراعاة دقيقة جداً لعلامات الضبط والوقف والابتداء،، ممّا يجعله مرجعاً علمياً موثوقاً لطلاب العلوم القرآنية والمجوّدين. وانفرد المصحف بزخارف نبوية وهندسية مستوحاة من نقوش الروضة الحيدرية المطهرة وعمارة مدينة النجف التأريخية، ممّا أعطاه طابعاً بصرياً يربط القارئ بقدسية المكان الذي صدر منه، واستُخدمت في طباعته (بدار الكفيل) أحدث التقنيات العالمية، مع اختيار ورق خاص غير عاكس للضوء وعالي التحمل، لضمان راحة العين أثناء القراءة الطويلة وبقاء المصحف لفترات زمنية طويلة دون تلف. وهو من المصاحف القليلة التي حظيت بمباركة من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، ممّا منحه ثقة مطلقة لدى الجمهور والمؤسسات الدينية.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تقدست أسماؤه “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا” ﴿الإسراء 106﴾ الآية التي تليها ترد على واحدة مِن ذرائع المعارضين وحججهم، إِذ كانوا يقولون: لماذا لم ينزل القرآن دفعة واحدة على الرّسولصلى الله عليه وآله وسلم، ولماذا كان نزوله تدريجياً؟ كما تُشير إِلى ذلك الآية (32) مِن سورة الفرقان التي تقول: “وقالَ الذين كفروا لولا نُزّلَ عليه القرآنُ جملةً واحدةً، كذلك لِنثِّبتَ بهِ فؤادَكَ ورتلناه ترتيلا” (الفرقان 32) فيقول الله في جواب هؤلاء: “وقرآناً فرَّقناه لتقرأهُ على الناس على مُكث” مجي كلمة (قرآن) منصوبة في الآية أعلاه يُفسّرهُ المفسّرين بأنَّهُ مفعول لفعل مقدَّر تقديرهُ (فرقناه)، وبذلك تصبح الجملة هكذا: (وفرقناه قرآناً). حتى يدخل القلوب والأفكار ويُترجم عملياً بشكل كامل. ومِن أجل التأكيد أكثر تبيّن الآية ـ بشكل قاطع ـ أنَّ جميع هذا القرآن أنزلناه نحنُ: “ونزَّلناه تنزيلا”. إِنَّ القرآن كتاب السماء إِلى الأرض، وهو أساس الإِسلام ودليل لجميع البشر، والقاعدة المتينة لجميع الشرائع القانونية والإِجتماعية والسياسية والعبادية لدنيا المسلمين، لذلك فإِنَّ شبهة هؤلاء في عدم نزوله دُفعة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُجاب عليها مِن خلال النقاط الآتية: أوّلا: بالرغم مِن أنَّ القرآن هو كتاب، إِلاَّ أنَّهُ ليسَ ككتب الإِنسان المؤَلَّفة حيثُ يجلس المُؤَلَّف ويفكِّر ويكتب موضوعاً، ثمّ ينظِّم فصول الكتاب وأبوابه لِينتهي مِن تحرير الكتاب، بل القرآن لهُ ارتباط دقيق بعصره، أي ارتباط بـ (23) سنة، هي عصر نبوة نبي الإِسلام بكل ما كانت تتمخض بهِ مِن حوادث وقضايا. لذا كيف يُمكن لكتاب يتحدث عن حوادث (23) سنة متزامناً لها أن ينزل في يوم واحد؟ هل يُمكن جمع حوادث (23) سنة نفسها في يوم واحد، حتى ينزل القرآن في يوم واحد؟ إِنَّ في القرآن آيات تتعلق بالغزوات الإِسلامية، وآيات تختص بالمُنافقين، وأُخرى ترتبط بالوفود التي كانت تفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فهل يُمكن أن يُكتب مجموع كل ذلك مُنذ اليوم الأوّل؟ ثانياً: ليس القرآن كتاباً ذا طابع تعليمي وحسب، بل ينبغي لكل آية فيه أن تُنفَّذ بعدَ نزولها، فإِذا كانَ القرآن قد نَزَل مرَّة واحدة، فينبغي أن يتمّ العمل بهِ مرّةً واحدة أيضاً، ونعلم بأنَّ هذا مُحال، لأنَّ إِصلاح مُجتمع مَليء بالفساد لا يتمّ في يوم واحد، إِذ لا يمكن إِرسال الطفل الأمي دفعة واحدة مِن الصف الأوّل إِلى الصفوف المتقدمة في الجامعة في يوم واحد. لهذا السبب نزل القرآن نجوماً ـ أي بشكل تدريجي ـ كي ينفذ بشكل جيِّد ويستوعبه الجميع وكي يكون للمجتمع قابلية قبوله واستيعابه وتَمثُله عملياً. ثالثاً: بدون شك، إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كقائد هذه النهضة العظيمة سيكون ذا قدرات وإِمكانيات أكبر عِندما يقوم بتطبيق القرآن جزءاً جزءاً، بدلا مِن تنفيذه دفعة واحدة. صحيح أنَّهُ مُرسَل مِن الخالق وذو عقل واستعداد كبيرَيْن ليسَ لهما مثيل، إِلاَّ أنَّهُ برغم ذلك فإِنَّ تقبّل الناس للقرآن وتنفيذ تعاليمه بصورة تدريجية سيكون أكمل وأفضل ممّا لو نزل دفعة واحدة. رابعاً: النّزول التدريجي يعني الإرتباط الدائمي للرّسول صلى الله عليه وآله وسلم مع مصدر الوحي، إِلاَّ أنَّ النّزول الدفعي يتمّ بمرحلة واحدة لا يتسنى للرّسول صلى الله عليه وآله وسلم الإِرتباط بمصدر الوحي لأكثر مِن مَرَّة واحدة. آخر الآية (32) مِن سورة الفرقان تقول: “كذلك لِنثبّت بهِ فؤادك ورتلناه ترتيلا” وهي إِشارة إِلى السبب الثّالث، بينما الآية التي نبحثها تِشير إِلى السبب الثّاني من مجموع الأسباب الأربعة التي أوردناها. ولكن الحصيلة أنَّ مجموع هذه العوامل تَكشف بشكل حي وواضح أسباب وثمار النّزول التدريجي للقرآن.