أكذوبة صولة المنطقة الخضراء؟سيف خشبي ضد الفساد وتصفية حسابات لإعادة ترتيب البيت الداخلي للدولة العميقة؟

صباح البغدادي

(*) العدالة الحقيقية لحملة الفساد يجب أن لا تكون انتقائية وتصفية حسابات ، وإلا تحولت إلى سلاح سياسي يُستخدم حسب الظروف الإقليمية ومصالح قادة الأحزاب الحاكمة.

(*) السيف موجود ويُشهر، لكنه لم يثبت بعد أنه قاطع تماماً أمام أعنى قيادات الدولة العميقة؟والعبرة التي ينتظرها الرأي العام في النتائج الفعلية خلال الأيام والأسابيع والأشهر القادمة؟

(*) هل ستُفتح التحقيقات في ملفات كبرى بغض النظر عن انتماءات المتهمين؟ وهل ستُسترد أموال حقيقية وتُعلن علناً ؟ أم ستقتصر العملية على تصفية بعض الخصوم  لغرض تهدئة الشارع؟

(*) الحقيقية التي يجب على الحكومة العراقية أن تعيها جيدآ بأن المطالبة من قبل الراي العام بالعدالة الشاملة ليست رفاهية، بل شرط بقاء الدولة ومؤسساتها خالية من اي عيوب ؟ ولكن إذا استمرت الانتقائية، فإن أي صولة جديدة مرتقبة ستُقابل بالشك والسخرية اللاذعة الشعبية، مما يُضعف الثقة واتساع الفجوة في المؤسسات الامنية والقضائية أكثر مما تستطيع الحكومة تقليصها .

ساعات الصباح الاولى من يوم الأحد 28 تموز 2026 شهدت المنطقة الخضراء المحصنة وبعض مناطق العاصمة بغداد حملة اعتقالات واسعة النطاق، شملت نواباً وشخصيات سياسية وإعلاميين، وفيما ضجت مواقع التواصل الإجتماعي بمقاطع مصورة من شرفات العمارات السكنية ومحيطها، تظهر عمليات المداهمة والاعتقالات، والتي ما زالت تنتشر على نطاق واسع حتى هذه اللحظة، برز تخوف وقلق واضح لا يمكن تجاهله لدى الرأي العام . فخلف المشهد الدرامي لهذه الحملة، ومن حقنا ان نطرح تساؤلات مشروعة حول دوافعها وخفاياها الحقيقية ؟ فهل هي فعلاً مواجهة جدية ضد قادة الاحزاب الحاكمة والكتل السياسية بالبرلمان والمسؤولين والنواب المتورطين في الفساد وهدر المال العام، أم أنها في جوهرها “تصفية حسابات سياسية” موجهة ضد الذين شقوا عصا الطاعة داخل أروقة “الدولة العميقة”؟

هذا القلق البالغ والتساؤلات المشروعة يعكس لنا صورة ما تزال ضبابية وباهتة لتراكم سنوات من الشكوك تجاه أي تحرك “أمني-قضائي” في العراق، حيث أصبح الرأي العام يقيس حقيقية النوايا لا بالتصريحات الرسمية، بل بمدى الشمولية والجرأة في ملاحقة جميع الأطراف دون استثناء وان لا تكون انتقائية بل تكون شاملة للجميع ولكل من تورط في ملف فساد مهما بلغ حجمه . ولذا سوف ننتظر ليس الساعات القادمة ولكن الاسابيع والاشهر المقبلة فهي كفيلة لنا بتحديد ما إذا كانت هذه الحملة بداية لعملية تنظيف حقيقية، أم مجرد فصل جديد من فصول إعادة ترتيب البيت الداخلي للنخبة الحاكمة وقبل زيارة السيد رئيس الوزراء “علي الزيدي” الى العاصمة السياسية “واشنطن” منتصف شهر تموز القادم . صحيح جاءت هذه الاعتقالات في سياق توترات متصاعدة حول ملفات حساسة، أبرزها وزارة النفط، وسط تحذيرات وتساؤلات سابقة بأن أي تحرك في هذا الملف سيؤدي إلى ارتدادات على قيادات حزبية نافذة وإعادة ترتيب للبيت الداخلي للدولة. ورغم الإعلان الرسمي عن أن الحملة تأتي ضمن جهود مكافحة الفساد، إلا أن شكوكاً واسعة للراي العام تسود حاليا بأنها قد تكون جزءاً من صراعات السلطة بين أطراف النخبة الحاكمة وتصفية حسابات فيما بينهما .

ولنتحدث بصراحة أكبر لان من بين أبرز الأسماء التي طالتها حملة الاعتقالات حتى الآن، يبرز غياب ملحوظ لشخصيات نافذة من بعض الأحزاب الحاكمة والفصائل الشيعية الكبرى التي طالما اتهمت بتورطها في ملفات فساد كبرى، بينما تركزت معظم الاعتقالات حاليا على قيادات ونواب من الأحزاب السنية (مثل تحالف العزم، وشخصيات من كتلة الحل والقرار) لان هذا التوزيع “الطائفي-السياسي” في المعتقلين يثير تساؤلات مشروعة وعميقة حول طبيعة الحملة وأهدافها الحقيقية . فإذا كانت مواجهة حقيقية للفساد، فلماذا يبدو أنها تستهدف جهة سياسية أكثر من غيرها ؟ وأين بقية “الحيتان” من المنظومة السياسية التي سيطرت على موارد الدولة لسنوات طويلة ومنذ عام 2003 ولغاية اليوم ؟هذا الواقع يعزز الشكوك الشعبية بأن الحملة قد تكون انتقائية أكثر مما هي معلنة اعلاميا ، وأنها تستخدم لتصفية حسابات سياسية أو إعادة ترتيب التوازنات الداخلية واعادة ترتيب البيت داخل “الدولة العميقة” وبدلاً من أن تكون عملية عدالة شاملة لا تفرق بين سني وشيعي أو حزب وآخر ؟ ومن هنا يتجدد المطلب الشعبي المشروع: ” إما أن تشمل الحملة الجميع دون استثناء — بمن فيهم قيادات كبرى من مختلف المكونات — أو أنها ستُسجل تاريخياً كحملة انتقائية لا تؤسس لدولة قانون والعدالة التي يرجوها المجتمع العراقي ، بل تعيد إنتاج الإحباط السياسي والانقسام الطائفي ولذا يطالب الرأي العام العراقي بتوسيع نطاق المساءلة ليشمل ملفات كبرى لم تُحسم بعد، ومن أبرزها على سبيل المثال وليس الحصر :

  • تفكيك مصفى بيجي، الذي سبق أن نُشرت وثائق رسمية ومستندات تتعلق به متورطة به قيادات في “عصائب أهل الحق” دون اتخاذ إجراءات قضائية واضحة حتى الآن وما تزال طي الكتمان ؟ (1)
  • الهجوم على مقر جهاز المخابرات العراقي والذي نفذته “كتائب حزب الله” وأسفر عن سقوط ضحايا من المنتسبين والموظفين، رغم وعود رئيس الوزراء السابق “محمد شياع السوداني” بالإعلان عن نتائج التحقيق خلال 72 ساعة.
  • ملف سقوط الموصل أمام تنظيم “داعش” الإرهابي.
  • جولات التراخيص النفطية.
  • ملف وزارة المالية والبنك المركزي والمصرف العراقي للتجارة التي منحت لرجال أعمال ومتنفيذين ومسؤولين مليارات الدولارات دون أي ضمانات ؟
  • قضية “سرقة القرن”.
  • ملف وزارة الكهرباء منذ عام 2003 ولغاية الان .
  • ملف البطاقة التموينية لوزارة التجارة .
  • عقود والمناقصات الخاصة بوزارة الدفاع .
  • ملف عقارات الدولة والتي ما تزال تسيطر الأحزاب الحاكمة والكتل السياسية والمسؤولين والقيادات الفصائل الولائية العقائدية على المئات من العقارات والبنايات والمواقع في العاصمة بغداد وباقي المحافظات والمناطق الاستراتيجية والصناعية والتجارية والخدمية ، وعلى المئات من البنايات والقصور والأماكن السياحية ، التي كانت تعود للنظام السابق والمسؤولين فيه ؟ لان ما قاله سيادة النائب السابق السيد “امير المعموري” رئيس لجنة الحفاظ على أملاك الدولة النيابية وبالمستندات الرسمية والوثائق يجب أن لا يمر مرور الكرام ؟ (2)
  •  منظمة “هيومن رايتس ووتش” حول ملف المعتقلين قسرا قبل انعقاد القمة العربية في بغداد اذار 2012 بتنفيذ السلطات العراقية لحملات “اعتقال احترازية” جماعية واسعة. شملت الحملات مئات المدنيين—معظمهم من المناطق ذات الغالبية السنية في بغداد ومحيطها—واقتادتهم القوات الأمنية إلى سجون سرية بمعزل عن العالم الخارجي من دون صدور أوامر قضائية (3) .  

هذه المطالب وغيرها هي مشروعة تماماً، وهو يعبر عن حالة شعبية واسعة في العراق , لان لا معنى لـ«صولة ضد الفساد» إذا بقيت انتقائية، لأن ذلك يحول العدالة إلى أداة سياسية بدلاً من مبدأ عام يلزم به الجميع دون وجود أي استثناءات لان الفساد في العراق اصبح منظومة مترابطة وكلها وجوه وان تعددت الاقنعة لها لنفس المشكلة لانها ببساطة ضعف مؤسسي وقضائي زائد تداخل السياسة بالمال بالسلاح.فهل من سيف قاطع ضد قيادات الدولة العميقة؟ لان ما نتابعه منذ ساعات الصبح الاولى وحتى الآن، لا توجد الإجابة وغير واضحة المعالم والدلائل ما تزال ضبابية ومختلطة صحيح أن الجانب الإيجابي لها بدأ باعتقال “عدنان الجميلي” وشبكته، ثم الحملة الواسعة في الخضراء الليلة الماضية (التي شملت أسماء سياسية بارزة)، تشير إلى أن الحكومة الحالية (برئاسة علي الزيدي) مستعدة للذهاب أبعد مما سبق في بعض الملفات حسب ما يروج له إعلاميا وبكثافة حاليآ ولكن الجانب القلق والمظلم يفسر لنا بان التاريخ العراقي يظهر أن معظم الحملات تبدأ قوية ثم تُحتوى عندما تصل إلى «الخطوط الحمراء» الحقيقية لقيادات فصائل كبرى أو أحزاب حاكمة ومؤسسة للنظام السياسي لان الملفات التي ذكرنها أعلاه على سبيل المثال وليس الحصر ما زالت معلقة جزئياً، وغالباً ما تُستخدم كورقة ضغط أكثر منها مسار عدالة شامل ومما نؤكد عليه وعلى ضرورة أن تكون العدالة شاملة وليست انتقائية، ومحذرين في الوقت نفسه من أن يتحول أي «سيف» معلن ضد الفساد إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد بعض الأطراف وتُغلق أمام “أساطين الدولة العميقة” وفي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام خطوات ملموسة من رئيس الوزراء الحالي، تظل الشكوك قائمة حول ما إذا كانت الحملة الحالية بداية لعملية تنظيف حقيقية، أم مجرد فصل جديد من فصول الصراعات الداخلية التي تشهدها المؤسسات العراقية منذ سنوات.

في العراق، لم يعد الفساد مجرد ظاهرة إدارية أو مالية، بل أصبح جزءاً عضوياً متجذراً في منظومة الحكم منذ عام 2003، إلى درجة بات فيها أقوى من كثير من أجهزة الدولة الأمنية والقضائية وحملات الاعتقالات التي شهدتها المنطقة الخضراء في الساعات الماضية، والتي طالت عدداً من المسؤولين والنواب بتهم الفساد وهدر المال العام، تثير مخاوف جدية بأن تكون أقرب إلى تصفية حسابات سياسية منها إلى عملية إصلاحية حقيقية. فالعدالة فيها تبدو حتى الآن انتقائية، وليست شاملة والسؤال المصيري الذي ينتظره الرأي العام: هل ستؤدي هذه الحملة إلى وضع قيادات الدولة العميقة خلف القضبان فعلاً، أم أنها لا تعدو كونها إعادة ترتيب داخلي للبيت العميق، وتصفية حسابات مع من شقوا عصا الطاعة داخل المنظومة ذاتها؟ والإجابة التي ينتظرها الراي العام لن تأتي من التصريحات، بل من نتائج التحقيقات ومدى شموليتها في الأيام والأسابيع المقبلة. فإما أن تكون بداية حقيقية لاجتثاث الفساد، أو حلقة جديدة في مسلسل الإحباط السياسي المتكرر لدى الرأي العام .واخيرا وليس اخرآ وفي ظل هذا الواقع، نحن نرى بأن على رئيس الوزراء السيد “الزيدي”، ومعه القضاء وقيادات الأجهزة الأمنية، استغلال الزخم الشعبي الذي حظيت به الحملة خلال الساعات الماضية، والتأييد الذي أبداه بعض المرجعيات الدينية وعلى رأسها السيد “مقتدى الصدر” ونطالب بتحويل هذا التأييد إلى فرصة حقيقية للشروع في ملاحقة شاملة لكل الملفات الكبرى، دون استثناءات أو خطوط حمراء، سواء كانت داخل الأحزاب السياسية أو قيادات الفصائل أو رجال الأعمال المرتبطين بالمنظومة.فالفرصة التاريخية أصبحت سانحة اليوم — بحسب هذا الرأي — تكمن في قدرة الحكومة على استخدام الدعم الشعبي والديني لكسر الجمود الذي طالما حمى ” اساطين قيادات الدولة العميقة”، وتحقيق عدالة شاملة لا تتوقف عند تصفية حسابات سياسية محدودة. ومع ذلك، يبقى لنا التحدي الأكبر في ترجمة هذا التأييد إلى إجراءات عملية مستدامة، بعيداً عن الاستغلال السياسي المؤقت، لأن أي تراجع أو انتقائية قد يحول الزخم الحالي إلى إحباط شعبي أكبر في المستقبل لا تستطيع بعدها أي حكومة عراقية تلافيه .

(1) https://www.alquds.co.uk/%D8%B3%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D9%81%D8%A7%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D8%AC%D9%8A-%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88-%D9%86/
(2) https://www.youtube.com/watch?v=XM-FGsCPSOM
(3) https://www.hrw.org/ar/news/2012/05/15/246274