الصديق الذي لا يتذكرك إلا في فراغه : تأملات في هشاشة العلاقة وازدواجية الحضور

رياض سعد

قد يعترض أحدهم مستغربا قائلا: من الطبيعي أن يتصل الصديق بصديقه عندما يكون فارغا من عمله أو مشاغله ومسؤولياته ، فهذه سنة الحياة وإيقاعها اليومي، فما وجه الإشكال في ذلك , و علام اعتراضك ؟!

هذا التوضيح وجيه ولا غبار عليه، غير أن المقصود هنا ليس الفراغ الزمني المرتبط بساعات اليوم وتعاقب الأعمال والواجبات، والمعتاد أن يزورك في أيام العطل حينما يتحرر من التزاماته الوظيفية أو المهنية.. ,  إنني حتما لا أقصد هذا الفراغ الزمني، بل إنني أتحدث عن نوع آخر من الفراغ، أشد خفاء وأعمق أثرا: الفراغ العاطفي والوجداني.

ولا يحق لأحد أن يرد سريعا بالقول إن الإنسان بطبيعته يقدم أسرته وزوجته وأولاده على صديقه، فهذه بديهة اجتماعية لا تحتاج إلى جدال، إذ تقوم الحياة أصلا على سلم الأولويات وتدرج الواجبات من الأهم إلى المهم.. ,  غير أن المسألة هنا ليست في ترتيب العلاقات والاولويات ، بل في جودة الحضور داخل العلاقة نفسها، وفي معنى الصداقة لا في شكلها الظاهري.

ليس هذا ما أقصده، ولم يكن هذا قط مدار تأملي وموضع حيرتي.

نعم ,  إن مقصدي يتجاوز طبقات العلاقات الرأسية ليغوص في جوهر الصداقة نفسها؛ أي أنني أتحدث عن عمق هذه العلاقة لا عن عرضها، إذ ما يهمني هو “ماهية” هذا الرابط النقي.

إنني أغوص هنا في ماهية الرابطة التي تجمع صديقين، لا في موقعها من خريطة الأولويات…

إنما أعني فراغا آخر.. ,  فراغا يسكن الروح لا اللقاء ذاته ,  ويملأ الجوانح لا الجوارح… ؛ أعني ذلك الفراغ العاطفي الموحش، تلك الصحراء الوجدانية التي تتكون في النفس بعد أن تكون قد نثرت كل ما تملك من مشاعر، ومنحت كل ما تختزن من اهتمام، واستنفدت كل ما تقدر عليه من حب…؛ للآخرين.

*الصداقة بين الجوهر والعرض

إن الصداقة، في جوهرها، ليست علاقة طارئة تستدعى عند الحاجة، بل هي رابطة وجدانية تتجاوز الزمن والظروف .. ؛ تقوم على الامتلاء المتبادل لا على الاستهلاك المؤقت.. , وقد أشار بعض الفلاسفة، ومنهم باسكال، إلى أن الصداقة من أسمى العلاقات الإنسانية، لأنها تتيح للإنسان أن يكون على حقيقته، بلا أقنعة ولا تمثيل، وأن يبوح بما لا يستطيع قوله في دوائر أخرى من حياته.

فقد يبكي الإنسان أمام صديقه ولا يستطيع أن يبكي أمام أبنائه، وقد يعترف له بما يعجز عن البوح به لزوجته أو لأهله، لأن الصداقة – حين تكون صادقة – تتحول إلى فضاء آمن للضعف الإنساني، لا إلى مساحة مجاملة اجتماعية أو علاقة اضطرارية .

لذا قد يفضلها البعض على العلاقات الزوجية والأسرية في أبعادها العاطفية والثقافية والروحية … ؛ فقد يشكو المرء لصديقه همومه الأسرية الأكثر حساسية.. ,  لذلك، كانت الصداقة -سيكولوجيا- الملاذ الآمن الذي تتجرد فيه الذات من أقنعتها الاجتماعية.

ففي الصداقة مساحة من التجرد والصدق لا تتوفر في أي رابطة أخرى، لأنها غير مشروطة بواجب، ولا مهددة بحساب، ولا مربوطة بتابو.

* متى يتصل الصديق حقا؟

من هنا، يكون المألوف أن يتصل بك صديقك أو يزورك عندما يشعر بضرورة روحية وعاطفية أو جاذبية داخلية تشده إليك، شوقا لجلسة تعيد للنفس توازنها.

نعم , من الطبيعي أن يتصل بك صديقك، أو يزورك، حين يشعر بحنين حقيقي يشده إليك.. ,  أن يرسل رسائل اليك لأنه يريدك أنت، لا لأنه لم يجد أحدا سواك.. ,  أن يزورك لأن حضورك يشعره بالامتلاء، لا لأن غياب الآخرين أوحشه فجاء يملأ خرابه بك.

*عندما تتحول الصداقة إلى الورقة الاخيرة – “أداة استهلاك وقضاء وقت”-

لكن المعول الذي يهدم هذا المعنى السامي ، وما يدمي القلب حقا، هو ألا يتصل بك صديقك، ولا يذكرك، ولا يزورك إلا بعد أن تجف مشاعره وتتحول إلى صحراء قاحلة!

يأتيك فقط بعد أن يهجره الجميع -وأقصد هنا دائرة معارفه التي يفضلها عليك- أو بعد أن يستنفدهم هو ويستهلكهم طاقويا وعاطفيا وماديا ومعنويا .

إنه يتوجه إليك لا لأهميتك الوجودية في حياته، بل لأنك أصبحت “الورقة الأخيرة” في كتاب خياراته؛ تلك الورقة التي لا يلتجئ إليها إلا بعد أن يعيش فراغا زمنيا، وعاطفيا، ووجوديا خانقا..

يقع هذا الصديق في مطب “تشيئ الإنسان”  حيث لا يراك كذات مستقلة لها قيمتها الـمطلقة، بل كـ “أداة” أو مكب لتفريغ الأزمات واوقات الفراغ .

نعم هو لا يقصدك الا حين ينهكه القلق، أو ينهك من الآخرين، أو يفقد مصادره العاطفية الأخرى، فيتجه إليك لا لأنك حاضر في حياته، بل لأنك الخيار المتبقي في آخر القائمة…

من منظور علم النفس الاجتماعي، هذا النمط يكشف عن علاقة غير متوازنة، قائمة على “الاستهلاك العاطفي”، حيث يستدعى الآخر عند الحاجة فقط، دون بناء تواصل مستمر يرسخ المعنى المشترك للعلاقة… ؛ فهو يعكس أزمة في إدراك قيمة الآخر ككائن مستقل، لا كوسيلة لملء الفراغات الداخلية… ؛ و يكشف هذا السلوك عن نمط من التعلق غير الناضج، حيث يختزل الآخر في وظيفة تصريفية، أداة لتفريغ المشاعر السلبية لا شريكا في بناء العاطفة… ؛  وفي التحليل الاجتماعي، تعكس هذه الظاهرة تراجعا في مفهوم “الرأسمال العاطفي”، حيث باتت العلاقات تستنزف كموارد، لا تغذى ككائنات حية.

وفي البعد الروحي، تبدو العلاقة حينئذ فارغة من المعنى العميق الذي يجعل من الصداقة مرآة للرحمة الإنسانية، لا مجرد أداة لامتصاص الوحدة… ؛ فالعلاقات التي لا تبنى على الامتلاء العاطفي والروحي والشحن الايجابي المتبادل تتحول مع الزمن إلى أشباح اجتماعية: موجودة في الشكل، غائبة في الجوهر.

* طاقة الأنانية والجفاف العاطفي

إنه لا يتذكرك إلا في حالات القلق، والفراغ الروحي، والجفاف العاطفي؛ فيأتيك محملا بالطاقات السلبية والانكسارات، ليمتص صفاءك ويمنحك كدره… ؛  أما في لحظات الخير، والفرح، والنجاح، والامتلاء بالطاقة الإيجابية، فهو لا يذكرك قط، بل يهرب من استحضارك كما يهرب الـمرء من الأسد، ليشارك أفراحه مع من يراهم أعلى مرتبة أو أكثر أهمية …

هذه العلاقة تعكس فقرا روحيا مدقعا؛ فالصداقة في جوهرها الروحي هي تبادل للفيض والنور، وليست عقدا نفعيا لإقصاء الـملل.

نعم ,  الصورة المؤلمة حقا، هي أن يذكرك صديقك بعد أن يكون قد جف وجدانيا، وتحول قلبه إلى أرض بور لا تنبت إلا الأشواك… ؛  بعد أن يكون قد نثر زهوره  على كل المارة، وأعطى طاقته لكل عابر، وفتح أبواب روحه لكل طارق… ؛  ثم أغلقوا جميعا أبوابهم في وجهه، أو أغلق هو الأبواب بعد أن استهلكوه.. ,  حينئذ فقط، يتذكر أن لك بابا لم يطرقه منذ زمن، فيتوجه إليك لا لأنك غاية الرحلة، بل لأنك المحطة الوحيدة التي لم تحترق بعد.. ؛  آخر الأوراق في دفتر عناوينه.. ,  آخر المخزون الاستراتيجي في بنك مشاعره.. ,  أنت الملاذ الأخير لا عن حب وتقدير، بل عن فراغ واضطرار.

وهنا تكمن المأساة النفسية: أن تتحول العلاقة إلى وظيفة إسعافية، لا إلى شراكة وجدانية.. ؛  فبدل أن يكون الصديق حضورا دائما في الوعي، يصبح مجرد محطة طوارئ، تفتح أبوابها عند الألم وتغلق عند التعافي.

* الهاربون من شهود الفرح وعقدة مشاركة النجاح

إنه لا يتذكرك حين يكون ممتلئا بالفرح، ولا حين يكون مزدهرا بالطاقة الإيجابية..

لا يذكرك وهو في قمة نشوته وانطلاقه … ؛  يلهو ويضحك ويمرح ويبدع وينجح ؛ لكي لا يفيض عليك من فيض سعادته.

 بل يذكرك في حالة القلق الوجودي والجفاف العاطفي والفراغ الروحي… ؛  يأتيك محملا بالشكوى والسخط والطاقات السلبية المتراكمة، يفرغ في حضنك همومه، ثم ينهض خفيفا ليعاود الكرة مع آخرين، تاركا إياك تحمل وحده ثقل ما ألقاه… ؛  أما في أفراحه وانتصاراته وانطلاقاته، فهو يتجنبك تجنب الغزال للصياد، وكأن نجاحه لا يحتمل وجود شاهد عليه.

ووراء هذه الظاهرة إشارة نفسية عميقة: أنت لست صديقا في وعيه، بل أنت “موضوع نفسي” يؤدي وظيفة تعويضية.. ؛  أنت المساحة الاحتياطية التي تؤثث فراغه، لا الحضور الأصيل الذي يثري وجوده.

إنه لا يراك وجودا قائما بذاته، له احتياجاته وتطلعاته وطاقته المحدودة، بل يراك امتدادا نرجسيا له، أداة تستعمل عند الحاجة وتهمل عند الاكتفاء.. , وهذه علاقة استنزافية من طرف واحد، قوامها الأخذ دون العطاء، والشكوى دون المشاركة، والفراغ دون الامتلاء.

ومن منظور فلسفي وجودي، فإن هذا الصديق يعيش ما يمكن تسميته بـ”الاغتراب العاطفي”، حيث تتحول العلاقات الإنسانية من كونها غايات في ذاتها إلى كونها وسائل وأدوات… ؛  إنه لا يختبر الصداقة كقيمة حرة متعالية، بل كخدمة وجودية مؤقتة.. ,  ومن هنا تحديدا ينشأ الإحساس العميق بالخواء في هذه العلاقة؛ فما بني على المنفعة المؤقتة انهار بسقوط المنفعة، وما تأسس على الفراغ أنتج فراغا أشد وأعمق.

وعلى المستوى الروحي، فإن الصداقة الحقة هي تلاق بين روحين على مستوى من الصدق والحضور، تلاق لا تشوبه مصلحة ولا تلوثه نرجسية.. ؛ و في التصورات الروحية العميقة، الصديق مرآة ترى فيها نفسك، وشريك في الرحلة لا مجرد عكاز فيها.. ,  وعندما تختزل الصداقة إلى علبة إسعافات نفسية لا تفتح إلا في حالات الطوارئ العاطفية، تكون الروح قد خسرت أحد أعمق تجلياتها وأجمل نوافذها على الوجود.

*وجود كالعدم

إن صديقا كهذا، لا يذكرك إلا في فراغه العاطفي والروحي والوجداني  بعد امتلائه من غيرك، ولا يطرق بابك إلا حين تغلق الأبواب في وجهه، ولا يستدعي حضورك إلا ليبلسم جراحه ثم يمضي… ؛  صديق بلا طعم ولا لون ولا رائحة… ؛  صديق حضوره كغيابه، وكلامه كصمته.. ,  والأدهى من ذلك أنه يحيلك شيئا فشيئا إلى خربة عاطفية، ويمتص من روحك حتى لا يبقى فيها ما تنير به أيامك وأيام من يستحقون وجودك حقا.

مثل هذا الصديق، من الـمؤسف والمحزن أن تقضي عمرك معه، أو أن تمنحه مساحة من خارطة وجدانك؛ لأنه حضور بلا طعم، وعلاقة بلا نكهة… ؛  إن نفقات المشاعر معه خاسرة، وفي ميزان العلاقات الحقيقية: وجوده وعدمه سيان.

*خاتمة

الصداقة مشاركة في الوجود، لا مخزن للطوارئ… ؛  فمن لم يزرك في فرحه، فلا حاجة لك به في حزنه… ؛  ومن لم يسأل عنك في انطلاقته، فليس أهلا أن تجيبه في انكساره.. ؛  تلك معادلة وجودية بسيطة، ولكنها تحفظ للإنسان كرامته، وتصون للروح نقاءها، وتجعل من الصداقة ما يفترض أن تكونه: لقاء بين كائنين حرين، لا استغاثة غريق بطوق نجاة… ؛ فالصداقة الحقيقية ليست مذيبة للهموم  فحسب ؛ بل هي حياة أخرى، وريح تهب على الروح في كل الفصول.

إن أخطر ما في هذا النوع من العلاقات أنه لا ينهار فجأة، بل يتآكل بصمت، حتى يصل الإنسان إلى لحظة يدرك فيها أن وجود الصديق أو غيابه لم يعد يحدث فرقا، لأن العلاقة نفسها فقدت طاقتها الحية منذ زمن.

وحينها يصبح السؤال موجعا وبسيطا في آن:

هل كان صديقا حقا… أم مجرد استراحة مؤقتة في جدول فراغه الداخلي؟