رياض سعد
تعرفتُ على ظلّي قبل أن أعرف اسمه.. , كنّا جسداً برأسين، وقلباً يضخّ دماً واحداً في حلمين متجاورين.. , ثم افترقنا كما تفترق القارات، بصمتٍ بطيء، لا يُسمع له صوت ولا يُرى له غبار.
وبعد خمسة عشر عاماً، لمحتُه في بهو الفندق، تحت ثريّا تفيض ضوءً مسفوحاً كالعسل.. , كان وجهه هو، لكنّه ليس وجهه.. , كانت عيناه هما، لكنّ بهاءهما قد نُزع واستُبدل بزجاجتين ملساوين تعكسان العالم دون أن تبتلّتا بشيء منه.
كان كمن أعار جثّته لشخص آخر، شخص لم ألتقِ به قطّ.
اقتربنا.. , مددتُ يدي فمدّ يده.. , تصافحنا كما يتصافح الغرباء في مؤتمر، والأصابعُ تلمس الأصابعَ دون أن تتعارف الخلايا، دون أن تستيقظ ذاكرةُ الجلد.
جلسنا.. , صبّ لنا النادل ماءً بارداً.. , نظرتُ إلى كأسي فرأيتُ وجهي فيه مشوّهاً بالتكثّف… ؛ ثم سمعتُ صوتاً يخرج من فمِ الجالس قبالتي، صوتاً محايداً كنشرة أخبار، يسأل عن عملي، عن زواجي، عن أولادي.. ؛ كنتُ أجيب وكأنني أملأ استمارة.. ؛ كان هو أيضاً ينتظر دوره ليملأ استمارته.
وفجأةً، وأنا أحدّق في الفراغ الواقع بين حاجبيه، رأيتُ الفتى القديم جالساً هناك، في تلك المسافة الضيّقة، متكوّراً كجنين ميت، يرتدي وجهه الأوّل، ويبتسم ابتسامته التي لا يشاركني فيها أحد.
كان هناك، لكنّه بلا نبض.. , كان محفوظاً في الذاكرة كما تُحفظ الفراشات المثبّتة بدبابيس في صناديق زجاجية، ألوانُها باقية، لكنّ طيرانها قد مات.
نهضنا..
قال: “سررت بلقائك”.
قلتُ: “وأنا أيضاً”.
كذبنا معاً، كذبةً واحدةً مشتركة، ربما كانت آخر ما تبقّى من صداقتنا.
مشيتُ في الردهة الطويلة نحو باب الفندق الدوّار، وكان ظلّي يسير خلفي مطيعاً، وفياً، صامتاً.. , فكّرتُ كم نحن وحيدون حتّى ظلالنا تخوننا حين نكبر، إذ تصير أطول مما ينبغي، كأكاذيب تُمدّ على الأرض لتغطّي شيئاً لم يعد موجوداً.