ومن الاحتراق دلالة

رياض سعد

كان يحترق من الداخل…

لا لهب يُرى، ولا دخان يتصاعد، لكن النار كانت تعرف طريقها إلى أضلاعه، وتلتهم ما تبقى من يقينه، حتى غدا قلبه موقدًا يتغذى على صمته.

وفجأة…

دوّى رنين الهاتف.

انتفض مذعورًا، كأنما هوى من شاهقٍ إلى قاع اليقظة، وهو يردد بصوتٍ متقطع:

احترقت… احترقت… احترقت…

ثم خيّم صمتٌ كثيف.

تحسّس صدره، فلم يجد سوى قلبٍ يواصل الخفقان… كأن النار لم تكن سوى اسمه الآخر، وكأن الإنسان لا ينجو من حرائقه، بل يتعلّم أن يحملها في داخله دون أن يراها أحد...

وعندما استعاد أنفاسه، أدرك أن الحريق الذي أفزعه لم يكن سوى أثرٍ لحريقٍ أقدم، وأن أكثر النيران فتكًا هي تلك التي لا تترك رمادًا.

وفي تلك اللحظة الرمادية الانصهارية ، انكشفت له المفارقةُ العظمى: أنَّ الاحتراقَ الأعظمَ هو الذي يمحو دليلَ نفسِه.. ,  النارُ التي تلتهمُ كلَّ شيءٍ تبتلعُ حتى شهادتَها، حتى ذاكرةَ حرارتِها… ؛  من فرطِ الاكتمال، عفى الحريقُ دليلَه ؛ نعم  : ومن فرط ما احترق… ؛ عفا الحريقُ دليلَ الاحتراق.

 هكذا، ظلَّ جالسًا على حافَّةِ السرير، أبديًّا، بين هشيمِ روحٍ لم تُرَ، ويقينِ جسدٍ لم يحترق.