النقود المتداولة في بغداد خلال العهد العثماني

عمر العبيدي

لم تكن النقود في بغداد خلال العهد العثماني مجرد وسيلة للتبادل التجاري

بل مثلت انعكاسا مباشرا للأوضاع الاقتصادية والسياسية التي شهدتها المدينة

إذ ارتبطت قيمتها وقوتها باستقرار الدولة كما تأثرت بالحروب والإصلاحات المالية وحركة التجارة مع البلدان المجاورة.

وبفضل الموقع التجاري الذي احتلته بغداد أصبحت أسواقها ملتقى لعملات متعددة الأمر الذي يعكس مكانتها بوصفها إحدى أهم المدن التجارية في المنطقة.

شهدت الدولة العثمانية إصلاحا نقديا مهما سنة 1844 في عهد السلطان عبد المجيد الأول إذ اعتمد نظاما نقديا جديدا جعل الليرة الذهبية أساس العملة الرسمية وحددت قيمتها بمئة قرش وجاء هذا الإصلاح ضمن سياسة تحديث الإدارة والمالية العثمانية واستمر العمل به حتى السنوات الأخيرة من عمر الدولة.

وأصبحت الليرة الذهبية العملة الأعلى قيمة وتداول الناس إلى جانبها أنصاف الليرات وأرباعها والليرتين والنصف والخمس ليرات واعتمدها التجار في المعاملات الكبيرة لما تمتعت به من استقرار وثقة.

أما النقود الفضية فكان أشهرها المجيدي الذي حمل اسم السلطان عبد المجيد الأول وانتشر بصورة واسعة في بغداد إلى جانب القروش العثمانية المختلفة.

وكان القرش الصحيح يساوي أربعين بارة كما استعملت القروش المصنوعة من النيكل في التعاملات اليومية ولا سيما في الأسواق الشعبية.

ولم تقتصر الحركة التجارية في بغداد على العملة العثمانية بل شهدت أسواقها تداولا لعدد من العملات الأجنبية نتيجة العلاقات التجارية مع إيران والهند والخليج العربي.

ومن أبرزها القران الإيراني الذي عرف عند البغداديين باسم المسكنة

كما استعملت أجزاءه المختلفة ومنها نصف القران وربعه المعروف باسم أم قمري إلى جانب البيجوة والشاهية النحاسية فضلا عن الروبية الهندية التي دخلت العراق عن طريق التجارة مع الهند وموانئ الخليج.

ورغم السماح بتداول العملات الأجنبية احتفظت الدولة العثمانية بحقها في استيفاء أثمان بعض المواد الاحتكارية بعملتها الرسمية فقط وفي مقدمتها الملح الذي كان خاضعا لاحتكار الدولة إذ لم يكن يسمح بشرائه إلا بالنقد العثماني واستمر هذا النظام حتى انتهاء الحكم العثماني في بغداد سنة 1917.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 واجهت الدولة العثمانية أزمة مالية خانقة فأصدرت لأول مرة أوراقا نقدية عرفت باسم القائمة أو القائمات وكان أول إصدار واسع لها سنة 1915 .

وشملت هذه الأوراق فئات الليرة ونصف الليرة وربع الليرة والعشرين قرشا والعشرة قروش والخمسة قروش والقرشين والقرش الواحد.

إلا أن هذه الأوراق لم تحظ بثقة السكان بسبب ضعف الغطاء الذهبي وكثرة إصدارها لتمويل نفقات الحرب فانخفضت قيمتها وارتفعت الأسعار بصورة ملحوظة وفضل كثير من الأهالي الاحتفاظ بالذهب والفضة بدلا من تداول الأوراق النقدية.

كما لجأت الحكومة إلى جمع الذهب من الأسواق وألزمت التجار بقبول الأوراق النقدية الأمر الذي أدى إلى تراجع القوة الشرائية وازدياد الصعوبات المعيشية.

وبعد دخول القوات البريطانية بغداد في 11 آذار 1917 انتهى الحكم العثماني في المدينة واستمرت الليرة العثمانية في التداول لفترة انتقالية قصيرة قبل أن تعتمد الإدارة البريطانية الروبية الهندية عملة رسمية في العراق ابتداء من سنة 1918.

ويختلط هذا التاريخ أحيانا مع سنة 1920م إلا أن بين الحدثين فرقا تاريخيا واضحا فاعتماد الروبية الهندية سبق الانتداب البريطاني على العراق بعامين إذ إن سنة 1920 تمثل بداية الانتداب البريطاني الذي أقره مؤتمر سان ريموو بينما كان تداول الروبية قد بدأ رسميا منذ سنة 1918 في ظل الإدارة العسكرية البريطانية.

واستمرت الروبية الهندية العملة الرئيسة في العراق طوال مدة الاحتلال والانتداب إلى أن صدر قانون مجلس العملة العراقي سنة 1931 ليكون الجهة المسؤولة عن إصدار عملة وطنية مستقلة.

وفي الأول من نيسان سنة 1932 صدر الدينار العراقي ليحل محل الروبية الهندية وربط بالجنيه الإسترليني لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في التاريخ النقدي والاقتصادي للعراق.

وتعد دراسة النقود المتداولة في بغداد خلال العهد العثماني من أهم مفاتيح فهم التاريخ الاقتصادي للمدينة فهي توثق تطور الحياة التجارية وتعكس تأثير الإصلاحات المالية والأزمات السياسية والحروب في حياة السكان كما تكشف حجم الروابط التجارية التي ربطت بغداد بإيران والهند والخليج العربي وصولا إلى نشوء النظام النقدي العراقي الحديث مع إصدار الدينار العراقي سنة 1932.

📚المصادر

📕سكة النقود في العراق عبد الرزاق الحسني.

📕تاريخ الوزارات العراقية، عبد الرزاق الحسني.

📕المفصل في تاريخ العراق المعاصر، علي الوردي.