الفيلية ؛ قصة شعب سُلبت منه الهوية .
بقلم ( كامل سلمان )
شعب يسكن أراض تمتد من شرق دجلة إلى عمق الأراضي الإيرانية ، آلاف الكيلومترات من جبال وهضاب وسهول وخضار وجمال وصفاء ومياه ، شعب له خصوصياته وعاداته ولغته وثقافته وتأريخه تكالبت عليه إيادي الشر بطعنات غادرات لعلهم يمحون عنه الهوية . جاءته الطعنة الأولى حينما قرر الإستعمار البريطاني ترسيم الحدود العراقية الإيرانية ليقتطع هذا الشعب إلى نصفين ، نصف سمي إيراني ونصف سمي عراقي ، ثم جاءته الطعنة الثانية حينما أعتبرتهم حكومات كل من إيران والعراق مواطنين من الدرجة العاشرة وليحرموا أعداداً كبيرة منهم شرف الإنتماء للوطن كسكان أصلاء للأرض ويضيقوّن عليهم نيل جنسية الوطن مع العلم حسب المعاهدات الدولية فأن سكان الحدود المشتركة للدول لهم امتيازات خاصة ويستحقون حمل الجنسيتين ولهم حرية الاختيار والتنعم بما يستحقه سكان الأرض الأصلاء ، ثم جاءت الطعنة الثالثة من الفيلية أنفسهم حين قرروا الاحتماء تحت مظلة العشائر العربية والانتماءات المذهبية والحزبية والأيديولوجيات التي لا تمت صلة بحالتهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم ليصبحوا شعباً فاقداً للهوية ، واليوم الشعب الفيلي ليس له وجود مؤثر يتناسب وتعدادهم السكاني الكبير وإمكانياتهم العقلية والفكرية والسياسية والاقتصادية وليست لهم قوة يُطاع بها بعد أن أنهكتهم الضربات والطعنات ونزف الجراح التي تفننت بها خناجر الحكومات المارقة لدول المنطقة ، ففقدوا خصوصيتهم بسبب هذه الطعنات التي مزقت كيانهم وأفقدتهم فلذات أكبادهم . قوانين الدولتين لم تذكرهم بشيء ولم تعير لهم الإهتمام كأنهم دخلاء غرباء عابري سبيل . هذا الحالة لم ولن تحدث لأي شعب عاش على وجه الأرض ، فأصبح الفيلي يتوسل البقاء في أرضه أو اللواذ نحو ديار المهجر والأغتراب . هذه هي قصة الشعب الفيلي الذي كان في يوم من الأيام سيد الأرض الواسعة التي يسكنها وكانت دياره لآلاف السنين ديار عز وإباء وكان يشار إليه بالبنان فبات يحلم بأمتار معدودة يتخذها سكناً آمناً . هذا الشعب الذي يزيد تعداده عن أربعة ملايين نسمة بالرغم من كل الظلم والحيف الذي وقع عليه فقد أنجب قادة عظام ورياضيون بارعون وفنانون كبار ومثقفون تشهد لهم الساحات الثقافية والسياسية ومفكرون وعلماء وأكاديميون ومقاتلون أشداء كان لهم الدور الريادي في أحياء وجود الدولتين ( إيران والعراق ) . لم يطالب الفيلية يوماً أن تكون لهم دولة مستقلة أو كيان مستقل وإنما حقوق المواطنة هو أقصى ما يسعى إليه هذا الشعب لكي يسترد هويته التي سُلبت منه بغير حق . الأمن والأمان وإعادة الأعتبار واسترداد الحقوق هو كل ما يريده الشعب الفيلي وهذا جزء يسير جداً مما ينبغي أن يكون لأنهم أهل الأرض وعنوانها . في بلدان مثل بلداننا التي لا تراعى فيها حقوق الإنسان ولا تراعى فيها قيمة الإنسان والكلمة دائماً للأقوى تبقى الأحلام طي النسيان وفي رفوف الظلام ، فمتى ما نالت الشعوب المجاورة للفيلية حريتها وكرامتها سيكون ذلك مفتاحاً لحقوق وحرية الفيليين ، وهذا الشيء يبدو مستحيلاً على المدى المنظور نظراً للصراعات الأيديولوجية والمذهبية العميقة التي تشغل شعوب المنطقة منذ مئات السنين مما جعل شعوب المنطقة وقوداً للنار . نعم شعوب مبتلية بمخلفات تأريخية وغير قادرة على التخلص من تبعاتها فملئت نفوس أبناءها بالكراهية والأحقاد ضد بعضها الأخر وكان الفيلية أول الضحايا لهذه المخلفات لذلك فأن البناء الجديد لعقلية الإنسان في هذه المنطقة هي البوابة التي ستفتح ذراعيها للجميع ليكونوا سواسية بالحقوق والواجبات أسوة بباقي شعوب الأرض ، لكن متى وكيف ؟ سؤال يبقى رهن تقلب الأيام وربما السنين وربما القرون لأن العقول التي تحجرت بالأفكار البالية تأبى أن تغادر الماضي الملوث وتصر على المكوث في قعر الحفر .
الفيلية ؛ قصة شعب سُلبت منه الهوية