بقلم: سعيد عابد
حين يعلن رئيس السلطة القضائية في طهران أن قيمة الالتزامات النقدية الأجنبية المتأخرة وغير المسددة بلغت نحو 94.4 مليار يورو، فإن الأمر لا يمكن التعامل معه كرقم مالي عابر أو كخلل إداري محدود. نحن أمام واحدة من أوضح علامات الانكشاف داخل الاقتصاد الإيراني؛ انكشاف لا يتعلق فقط بديون أفراد وشركات، بل بمنظومة كاملة سمحت بتراكم هذا الحجم من الأموال خارج الرقابة والمحاسبة، في بلد يعاني نقصًا حادًا في الموارد، وتراجعًا في الإنتاج، وانهيارًا مستمرًا في القدرة الشرائية للمواطنين.
بحسب ما نقلته صحيفة “سياست روز” الإيرانية عن القاصي، رئيس السلطة القضائية في طهران، فإن تقارير البنك المركزي والأجهزة الرقابية أظهرت أن حجم الالتزامات النقدية الأجنبية المتأخرة حتى نهاية يناير 2026 بلغ 94.4 مليار يورو، وأن عدد المدينين بالعملة الأجنبية وصل إلى 20 ألفًا و676 شخصًا. هذا الرقم، في اقتصاد يعاني أزمة عملة وتضخمًا متصاعدًا، يطرح سؤالًا أكبر من مجرد تحصيل الديون: كيف سمح النظام المالي والرقابي بوصول الأزمة إلى هذا المستوى؟
إن 94.4 مليار يورو ليست مجرد أموال لم تعد إلى الشبكة المصرفية. إنها مرآة لضعف الرقابة، وغياب الشفافية، وتراكم الفساد، وفشل البنك المركزي والأجهزة المعنية في متابعة مسار الموارد النقدية الأجنبية. ففي أي اقتصاد طبيعي، يفترض أن تكون هناك آليات واضحة لمراقبة الالتزامات، والتحقق من المستفيدين، ومتابعة عمليات الاستيراد والتصدير، ومنع تراكم الديون قبل تحولها إلى أزمة بهذا الحجم. أما في الحالة الإيرانية، فقد تحولت الرقابة إلى أداة متأخرة لا تكتشف الكارثة إلا بعد وقوعها.
“أين كانت الرقابة؟”
السؤال المركزي هنا لا يتعلق فقط بمن هم المدينون، بل بمن سمح لهم بتكوين هذه الالتزامات أصلًا. إذا كان أكثر من 20 ألف شخص أو جهة قد راكموا هذا الحجم من الديون النقدية الأجنبية، فأين كان البنك المركزي؟ وأين كانت الأجهزة الرقابية؟ وهل جرى التحذير في الوقت المناسب ولم يتخذ أحد إجراءً؟ أم أن بنية النظام نفسها تسمح بتداخل المصالح بين المال والسلطة، بحيث يصبح الإفلات من المحاسبة جزءًا من قواعد اللعبة الاقتصادية؟
المشكلة أن النظام الإيراني لا يواجه أزمة مالية فحسب، بل أزمة ثقة. فحين يسمع المواطن الإيراني عن عشرات المليارات من اليوروهات غير المعادة إلى الاقتصاد، في وقت يعجز فيه عن شراء المواد الأساسية، ويدفع ثمن التضخم وانهيار العملة، فإن الفجوة بينه وبين السلطة تتسع أكثر. فكل يورو لم يعد إلى الدورة الاقتصادية يعني ضغطًا إضافيًا على سوق الصرف، وتراجعًا في قدرة الدولة على تمويل الإنتاج، وزيادة في كلفة المعيشة التي يدفعها المواطن العادي.
يعيش الاقتصاد الإيراني اليوم تحت ضغط مركب: العقوبات من جهة، وسوء الإدارة والفساد البنيوي من جهة أخرى. غير أن النظام يحاول غالبًا إلقاء المسؤولية كاملة على الخارج، بينما تكشف هذه الأرقام أن جزءًا كبيرًا من الأزمة داخلي المنشأ. فحين تتراكم التزامات نقدية أجنبية بهذا الحجم، لا يمكن الحديث فقط عن آثار العقوبات، بل عن غياب منظومة محاسبة حقيقية داخلية.
“الفساد كجزء من بنية الحكم”
ليست هذه الأزمة منفصلة عن طبيعة الاقتصاد السياسي في إيران. فسيطرة المؤسسات التابعة للسلطة، والحرس الثوري، والشبكات المرتبطة بمراكز النفوذ، خلقت اقتصادًا مغلقًا أمام الشفافية ومفتوحًا أمام الامتيازات. وفي مثل هذا النظام، لا يحصل الجميع على الفرص نفسها، ولا تُطبق القواعد نفسها على الجميع. هناك من يستطيع الوصول إلى العملة الأجنبية والتسهيلات المصرفية والاستثناءات، ثم لا يعيد ما عليه، بينما تُحمّل الكلفة في النهاية للمجتمع.
وهنا يصبح الحديث عن “مدينين” غير كافٍ. فالأمر لا يتعلق بمجموعة أشخاص فشلوا في الوفاء بالتزاماتهم، بل بمنظومة سمحت لهم بالحصول على هذه الموارد، وغضّت الطرف عن تراكم المخالفات، ثم اكتفت في النهاية بإعلان الرقم بعد أن وصل إلى عشرات المليارات. الرقابة التي تأتي بعد الكارثة لا تمنع الفساد، بل تتحول إلى أرشيف له.
الأخطر أن هذه الأزمة تأتي في وقت يعاني فيه الإيرانيون من تراجع شديد في مستويات المعيشة. فالعمال والمتقاعدون والموظفون وأصحاب الدخل المحدود يواجهون ارتفاعًا مستمرًا في الأسعار، وانخفاضًا في قيمة العملة، وتراجعًا في الخدمات الأساسية. وفي مثل هذا الوضع، لا يمكن لرقم 94.4 مليار يورو أن يمر بلا أثر سياسي واجتماعي. إنه رقم يختصر سؤال العدالة: لماذا يدفع الشعب ثمن فساد شبكات النفوذ؟
إن الإعلان عن هذه الالتزامات المتأخرة يضع النظام أمام مأزق جديد. فهو يريد أن يظهر بمظهر المحاسب والمراقب، لكنه في الحقيقة يكشف فشل أجهزته في منع الأزمة. كما أن الحديث عن إعادة الأموال سيبقى ناقصًا ما لم تُكشف أسماء الجهات المستفيدة، وطبيعة ارتباطاتها، وكيف حصلت على هذه التسهيلات، ولماذا لم تُحاسب في الوقت المناسب.
في النهاية، ليست قضية 94.4 مليار يورو مجرد ملف اقتصادي، بل مؤشر سياسي على أزمة أعمق في بنية الحكم. فالدولة التي لا تستطيع حماية مواردها، ولا محاسبة شبكات الفساد، ولا منع هروب الأموال من الدورة الاقتصادية، لا تستطيع إقناع شعبها بأنها قادرة على إدارة أزمة معيشية خانقة.
هذه الأرقام تقول للإيرانيين إن المشكلة ليست في نقص الموارد فقط، بل في نظام يبددها، ثم يطلب من الناس الصبر. وهي تذكّر بأن الأزمة الاقتصادية في إيران ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة طبيعية لمنظومة حكم جعلت الثروة أداة للنفوذ، والرقابة إجراءً متأخرًا، والمواطن آخر من يعلم وأول من يدفع الثمن.
94مليار يورو عالقة… اقتصاد إيران بين الفساد وانهيار الرقابة