نظام مير محمدي*
إيران، بحكم موقعها الجيواستراتيجي وثرواتها الهائلة، تمثل ثقلاً إقليمياً لا يمكن تجاهل تأثيره على خارطة التوازنات الدولية. غير أن القراءة التحليلية للعقود الماضية تكشف أن هذا الدور، ولاسيما تحت وطأة حكمين دكتاتوريين متتاليين؛ الأول ملكي والثاني تحت غطاء الدين، قد انعكس بصورة بالغة السلبية على الساحتين الإقليمية والدولية، محولاً البلاد من ركيزة للاستقرار إلى مصدر دائم للأزمات.
لقد كان نظام الشاه، الذي أسقطته الثورة الإيرانية عام 1979، نظاماً شمولياً يحكم البلاد بيد من حديد. ومع سقوط ذلك النظام، تطلع الشعب الإيراني إلى فجر جديد من الحرية، إلا أن نظام “ولاية الفقيه” صادر تلك التطلعات ليقيم دكتاتورية دينية مبنية على أساس نظرية إقصائية صارمة، جعلت من يخالفها عرضة للموت. وفي كلا العهدين، ظل الشعب هو الحاضر الغائب ومصادََر الإرادة. واللافت أن النظام الكهنوتي الحالي سارع منذ أيامه الأولى إلى شن حملة إبادة وإقصاء وحشية ضد التنظيمات الوطنية التي فجرت الثورة ضد الشاه، وفي مقدمتها “منظمة مجاهدي خلق الإيرانية”، والتي كان لها التضحيات الجسام في مقارعة الاستبداد الملكي.
مخاض العقود وسقوط أوهام “تغيير السلوك”
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، راهن المجتمع الدولي على إمكانية إعادة تأهيل هذا النظام الديني، والوصول معه إلى صيغة تعايش تضمن تخليه عن نهج التطرف والاندماج في المنظومة الدولية. غير أن المحصلة التاريخية لهذا الرهان جاءت مخيبة للآمال؛ إذ لم يحصد العالم من سياسة المماشاة سوى مزيد من الأزمات والصراعات التي تمخضت مؤخراً عن حروب طاحنة هددت الأمن الإقليمي والدولي في الصميم.
إن الحقيقة السياسية اليوم هي أن كل جولات الحوار والتفاوض لم تفضِ إلى أي تغيير حقيقي في سلوك طهران. فحتى بعد سلسلة النكسات والهزائم العسكرية والسياسية الأخيرة، والتراجع الواضح في نفوذه الإقليمي، ما زال النظام متمسكاً بالاستراتيجيات العدوانية ذاتها، وكأن شيئاً لم يكن. لقد استنفد المجتمع الدولي جل وسائل الدبلوماسية، لكنه اصطدم بنظام برع في “سياسة كسب الوقت”، مصافحاً بيد، بينما تعمل يده الأخرى على تقويض التفاهمات ودعم الميليشيات ونشر الفوضى.
واليوم، يواصل النظام تحديه بإصراره على التمسك بنسب التخصيب العالية، وتطوير برنامجه الصاروخي، وتعميق تدخلاته الإقليمية، بينما يسعى إلى التفاوض على جزئيات تقنية تمس التفاصيل دون المساس بجوهر سياسته الاستراتيجية. وبذلك، تتحول المفاوضات في منظوره إلى تكتيك لإطالة عمر أزماته البنيوية، في وقت تعمد فيه بعض الأوساط الدولية إلى إعادة إحياء الرهان الميت على ما يسمى بـ”الاعتدال” و”الإصلاح” داخل أروقة النظام. وهو رهان أثبت التاريخ فشله الذريع؛ إذ أكدت التجربة أن ما يُصطلح عليهم بالمعتدلين والمتشددين ليسوا سوى وجهين لعملة استبدادية واحدة، هدفها المشترك الوحيد هو ضمان بقاء النظام وحفظ سلطته.
الداخل المنتفض واستحقاق التغيير الشامل
في هذا السياق المتأزم، جاءت الكلمات الاستراتيجية للسيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من جانب المقاومة الإيرانية، خلال الجلسة الافتتاحية لأعمال اجتماع المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بتاريخ 26 حزيران/يونيو، لتقدم تشخيصاً دقيقاً للمرحلة؛ حيث أكدت سيادتها: “… خلال العام المنصرم، وُضعت الخطوط والمواقف الأساسية للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في أتون أكبر الاختبارات، وأُثبتت صحتها وحقانيتها الواحدة تلو الأخرى. لقد ثبُت أن هذا النظام لا يستحيل ولا يغير سلوكه؛ فلا هو يسقط بالحروب والقصف الخارجي، ولا هو يتخلى عن مساعيه للحصول على القنبلة الذرية والتدخل في المنطقة عبر سياسة المماشاة والاسترضاء. لقد بات واضحاً أكثر من أي وقت مضى أن الطريق الوحيد هو تغيير هذا النظام، وأن هذا الأمر إنما يتحقق ويُتاح على أيدي الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. ولو لم يكن المجلس مستنداً إلى مواقفه المبدئية طوال الـ 45 عاماً الماضية، لما كان بمقدور هذه الحركة وهذه المقاومة أن تبوأ الموقع الفعلي الحالي في خضم الأزمات، والمنعطفات الصعبة، والمجريات المتسارعة للأحداث…”.
إن اندلاع خمس انتفاضات شعبية عارمة، وآخرها انتفاضة يناير 2026، بالتوازي مع النشاطات المستمرة لـ”وحدات المقاومة” التابعة لمجاهدي خلق في سائر أرجاء إيران، يثبت بالدليل القاطع أن هذا النظام ساقط شرعياً وشعبياً. وما فرض النظام لحالة أمنية طارئة حالياً إلا تعبير عن الرعب من الانفجار الشعبي الوشيك. ولم تفلح حتى المؤامرات الفجة التي قادها النظام بالتساوق مع أيتام الشاه في باريس للحيلولة دون إقامة تظاهرة تضم أكثر من 100 ألف إيراني، في كسر إرادة التغيير، بل فضحت مدى الرعب المشترك من البديل الديمقراطي. ومع إعلان الحكومة المؤقتة من جانب المجلس الوطني لنقل السلطة إلى الشعب، باتت خريطة طريق المستقبل واضحة.
إن بقاء هذا النظام يعني استمرار دوامة الحروب. والسبيل الوحيد والضامن لإيران مسالمة ومستقرة، يكمن حصراً في دعم وتأييد النضال المشروع للشعب الإيراني لإحداث تغيير سياسي جذري وشامل تؤول فيه السيادة للشعب. هذا هو جوهر ومبدأ “الخيار الثالث” الذي طرحته المقاومة الإيرانية، والذي بات المخرج التاريخي الوحيد للمنطقة والعالم.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني