رياض سعد
لم تكن الحرب في العراق حدثًا عابرًا في صفحات التاريخ، بل كانت واقعًا يوميًا عاشه العراقيون جيلاً بعد جيل… ؛ حتى بدا وكأن هذا البلد لم يُمنح فرصة كافية ليتنفس خارج رائحة البارود، ولم يُتح لأبنائه أن يعرفوا معنى الاستقرار إلا بوصفه حلماً مؤجلاً.
تبدلت الأنظمة، وتغيرت الخرائط السياسية، وتعاقبت التحالفات والخصومات، لكن الإنسان العراقي ظل هو الذي يدفع الفاتورة في كل مرة… ؛ فالحروب لا تميز بين جندي ومدني، ولا بين طفل وشيخ، ولا بين مدينة وأخرى… ؛ إنها حين تبدأ، تبتلع الجميع.
لقد عرف العراقيون الحرب مع إيران، ثم حرب الخليج، ثم سنوات الحصار القاسية التي أنهكت المجتمع وأفقرت الدولة، ثم الاحتلال الأمريكي وما أعقبه من انهيار مؤسسات الدولة، ثم الإرهاب، ثم الحرب على تنظيم داعش، فضلاً عن موجات العنف الطائفي والنزوح والهجرة… ؛ وما بين حرب وأخرى، كانت تتراكم خسائر لا يمكن حصرها بالأرقام.
خسر العراق مئات الآلاف من أبنائه بين قتيل ومفقود وجريح، لكنه خسر أيضاً ما هو أبعد من ذلك. خسر طفولة أجيال كاملة، وخسر آلاف العلماء والأطباء والمهندسين الذين دفعتهم الحروب إلى الهجرة، وخسر مدارس أغلقت، وجامعات تراجعت، ومصانع توقفت، وأراضي زراعية أُهملت، ومدناً تحولت إلى أنقاض، وذاكرةً مثقلة بصور الموت أكثر من صور الحياة.
ولم يكن الفقر الذي أصاب ملايين العراقيين حدثاً منفصلاً عن الحرب، بل كان أحد أبنائها الشرعيين… ؛ فحين تنهار الدولة، ينهار معها الاقتصاد، وتتراجع الخدمات، وتتسع البطالة، ويصبح النزوح واللجوء والهجرة خيارات قسرية لا رغبات شخصية.. , وهكذا وجد ملايين العراقيين أنفسهم غرباء داخل وطنهم أو خارجه، يحملون ذكريات البيوت التي تركوها أكثر مما يحملون أمتعتهم.
والحقيقة التي كثيراً ما تغيب وسط الضجيج السياسي هي أن الحروب لا تنتهي بتوقيع اتفاقية أو إعلان نصر… ؛ إنها تستمر في ذاكرة الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وفي الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، وفي الرجال الذين أخفت التجاعيد ما تركته سنوات الخوف، وفي المدن التي تحتاج إلى عقود كي تستعيد نبضها.
لهذا، فإن أكبر خسائر العراق لم تكن خسارة أرض أو معركة، بل استنزاف الإنسان العراقي نفسه… ؛ فالإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن، وحين يُستنزف بالخوف والفقر والنزوح والانقسام، تصبح إعادة بناء الحجر أسهل بكثير من إعادة بناء الروح.
لقد علمتنا التجربة العراقية أن الحروب قد يصنعها الساسة، لكنها تُخاض في بيوت الفقراء، وأن قرارات تُتخذ في غرف مغلقة قد تغيّر مصير ملايين البشر لعقود طويلة.. , لذلك فإن حماية الأوطان لا تبدأ من سباق التسلح، بل من حماية الإنسان، وصون كرامته، وترسيخ العدالة، وبناء دولة تجعل الحياة أكثر قوة من الموت.
إن العراق لا يحتاج إلى ذاكرة تنتقم، بل إلى ذاكرة تتعلم.. , فالشعوب التي لا تواجه مآسيها بصدق، ولا تستخلص منها الدروس، تبقى أسيرة دورة لا تنتهي من العنف والخسارة.. , ولعل أعظم انتصار يمكن أن يحققه العراقيون بعد كل ما مروا به هو أن تصبح الحرب صفحة من الماضي، لا قدراً يتوارثه الأبناء عن الآباء.