رياض سعد
ما سرُّ هذه السيجارة التي لم تُفارِقني منذ بلغتُ الخامسةَ عشرة؟
أكنتُ أنا من يُشعلها، أم كانت هي التي تُشعل ما تبقَّى من عُمري؟
كبرنا معًا؛ أنا أُحصي السنوات، وهي تُحصي أنفاسي… ؛ حتى غدونا كائنًا واحدًا؛ كلَّما انطفأت بين أصابعي، اشتعلت في داخلي.
وفي مساءٍ مُثقَلٍ بالأسئلة، دخلتُ في حوارٍ سفسطائيٍّ مع طبيب.. , كان يُحدِّثني عن الرئتَين، وكنتُ أحدِّثه عن الفراغ.. , كان يرى في الدخان مرضًا، وكنتُ أراه لغةً يتكلَّم بها صمتي…
سألني: “أتحبّها أم تحتاجها؟”
فأجبتُ: “الحبّ والحاجة وجهان لرئةٍ واحدةٍ”
خرجتُ من العيادة وأنا أبتسم؛ لا لأنني ربحتُ الجدل، بل لأنني أدركتُ متأخرًا أن الإنسان لا يُدمن الأشياء… بل يُدمن النسخةَ التي يختبئ فيها من نفسه.. , أما السيجارة، فلم تكن يومًا سوى مرآةٍ يتصاعد منها وجهي على هيئة دخان.
أدركتُ أنني لم أكن أدافع عن سيجارة، بل عن عادةٍ ظننتُ طويلًا أنها تحمل وحدتي، بينما كانت تحملني، بهدوءٍ، نحو مزيدٍ من الرماد.