عْاشُورْاءُ / السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة  (١ ) [الشَّعائِرُ الحُسينيَّةُ…إِلَّا المَودَّةَ]

                                [أ]

نزار حيدر

   لَم يُفتِ أَحدٌ بحُرمةِ زَوجةِ أَحدٍ عليهِ إِذا لم يشترِك في الشَّعائرِ الحُسينيَّةِ، ولَم يُجبِر أَحدٌ أَحداً على البُكاءِ على الحُسين السِّبط (ع) أَو لَطمِ صدرهِ أَو شقِّ رأسهِ أَو غيرِها من الشَّعائرِ والطُّقوسِ العاشورائيَّة المُتعارَف علَيها منذُ قُرونٍ مُتماديَةٍ، فكُلُّ أَنواع المُشارَكات هيَ طوعيَّةٌ وإِراديَّةٌ واختياريَّةٌ مَن شاءَ أَن يشتركَ في واحدةٍ مِنها أَو أَكثر فذلكَ قرارهُ ومَن لم يشأ أَن يشتركَ في أَيَّةِ واحدةٍ منها فالأَمرُ إِليهِ، فلِماذا كُلُّ هذا الضَّجيجُ والجِدالُ والصُّراخُ والحَربُ التي تُشنُّ كُلَّ عامٍ ضِدَّها؟!.

   هل سمِعتُم أَو رأَيتُم أَحداً من الذين يشتركُونَ فيها مدفُوعُ الثَّمَن أَو مُكرَهٌ عليها أَو خائِفٌ؟! وبكُلِّ خلفيَّاتهِم الدِّينيَّة والمذهبيَّة والإِثنيَّة؟!.

   في العقائِدِ والمشاعرِ والحُبِّ والبُغضِ والتولِّي والتبرِّي لا مجالَ للإِكراهِ أَبداً {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ} فضلاً عن ذلكَ فإِنَّ عاشوراء لا تستَوعِب الإِستعراضييِّنَ والمجبُورينَ على الولاءِ لها وحُبِّها والتَّعاطُفِ معَها!.

   ولَو كانَ الأَمرُ يدورُ مدارَ الحلالِ والحرامِ كالصَّلاةِ والصِّيامِ والأَمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ والتولِّي والتبرِّي وغيرِ ذلكَ لخُضنا معكُم غمَرات الحرب سواءً إِنتصرنا فيها أَو انهزَمنا إِلَّا أَنَّ الأَمرَ ليسَ كذلكَ فكلُّ العُلماء والفُقهاء والمَراجع مُتَّفقونَ على أَنَّها مُستحبَّةٌ وإِن اختلفُوا بدرجاتِ الإِستحبابِ التي تتفاوَت مِن واحدٍ لآخر، إِلَّا أَنَّها تبقى في مدارِ الإِستحبابِ وليسَ في مدارِ الواجبِ، وإِذا شذَّ أَحدٌ وقالَ بوجوبِها فلَم يقُل بالوجُوبِ العَينيِّ وإِنَّما بالوجوبِ الكِفائيِّ، أَي إِذا مارسَتها مجمُوعةٌ سقطَت عن الآخرينَ، فكُن أَنت ممَّن تسقُطُ عنهُ المُشاركةَ إِذا كُنتَ مُتشرِّعاً جدّاً! هذا لَو افترضنا جدَلاً بقولِ أَحدٍ بالوجوبِ.

   كُلُّ هذا يعني أَنَّ الخَيارَ بيدِكَ وأَنَّ اختيارَ الشَّعيرة التي تريدُ أَن تشتركَ فيها أَو لا تشترِكَ فيها بيدِكَ أَنتَ لم يُفتِ لكَ أَحدٌ بأَمرٍ ولم يُجبركَ أَو يُهدِّدكَ أَو يرفع السِّلاح أَحدٌ بوجهِكَ لتشتركَ أَو لا تشتركَ، لتختارَ شعيرةً أَو لا تَختار، فما دخُلكَ بالآخرينَ إِشتركُوا أَم لم يشتركُوا؟! وبالطَّريقةِ التي يشاؤُونَ؟!.

   أ/ إِنَّ المُشاركةَ في الشَّعائرِ الحُسينيَّةِ تعبيرٌ عن مشاعِر وأَحاسيس وعواطِف من نوعٍ ما وهي من مصاديقِ التولِّي والتبرِّي بالإِضافةِ إِلى أَنَّها من مصاديقِ قولِ الله تعالى {ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} وهذا الأَجرُ الخاص والحَصري لم يطلبهُ نبٌّي ولا رسولٌ مِن أُمَّتهِ بإِزاءِ تبليغِها الرِّسالة إِلَّا نبيَّ الإِسلامِ خاتمِ الرُّسُلِ والأَنبياءِ الرَّسول الكَريم (ص).

   وفي المشاعرِ والأَحاسيسِ لا يجوزُ لكَ ان تستهزِئَ أَو تنتقِصَ أَو تشكِّكَ بالنَّوايا، خاصَّةً وأَنَّها في حالةِ الشَّعائر الحُسينيَّة لا تضرُّ أَحداً ولا تتجاوَز على حقوقِ أَحدٍ ولا تُضايقُ أَحداً ولا تعتدي على أَحدٍ فكُلُّها سِلميَّةٌ ومدنيَّةٌ وأَنَّ مَن يجِد في بعضِها عُنفاً فهوَ [عُنف الذَّات] إِن صحَّ التَّعبير وغَير مُوجَّه ضدَّ أَحدٍ.

   قد تُثيرُ حنقَ البَعض وغيضهُم لأَسبابٍ طائفيَّةٍ مثلاً فتلكَ ليسَت مُشكلة الذينَ يُمارسونَها وإِنَّما مُشكلتهُم هُم والله تعالى يقولُ {هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

   ما دخلكَ أَنتَ إِذا أَرادَ أَحدٌ أَن يبكي الحُسين السِّبط (ع) الدَّهرَ كُلَّهُ فتبيضَّ عيناهُ من البكاءِ حدَّ الهلاكِ كما فعلَ نبيَّ الله يعقوب (ع) على ولدهِ نبيَّ الله يوسُف (ع) كمَداً على فِراقهِ وهوَ يعلمُ أَنَّهُ بخَيرٍ لم يمسُّهُ سوءاً كما يحدِّثنا القرآن الكريم {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* وَتَوَلَّىٰ

[05/07/2026 01:57 م] صوت الأمة العراقية: عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ* قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}؟!.

   والملفتُ أَنَّ يعقوبَ (ع) حزنَ كُلَّ هذا الحُزنِ على ولدهِ [وهوَ ليسَ الوحيدُ وإِنَّما (١) من مجمُوعِ (١١) ولَد] وهو صابرٌ فما بالكَ إِذا جزعَ [والعياذُ بالله]؟!.

   كذلكَ كلَفتِ نظرٍ فإِنَّهم يفعلونَ كُلَّ هذا وهُم صابرونَ على مُصابِ سيِّدِ الشُّهداء (ع) فما بالكَ إِذا استحضرُوا قولَ الشَّهيد عابِس بن شَبيب [إِنَّ حُبَّ الحسينِ أَجنَّني]؟!.

   ب/ قد تقعُ بعضَ الصُّورِ التي لا يستسيغُها عقلٌ أَو منطقٌ برأي البَعض، فلمَاذا تُشاركُ نشرَها والتَّرويجَ لها إِذا كُنتَ تعتقِد أَنَّها مُضرَّةً لرسالةِ عاشُوراء؟!.

   رأيي، أَنَّ الذي يروِّج لمثلِ هذهِ الصُّور والمقاطِع أَحدُ إِثنَينِ؛

   *إِمَّا أَنَّهُ مُغرضٌ هدفهُ الطَّعن بشعائرِ عاشُوراء.

   *أَو أَنَّهُ جاهلٌ مُغفَّلٌ لا يعرِف كيفَ يُدافعُ عن رسالةِ عاشُوراء.

   إِنَّ الحريصَ هُنا لا يُروِّجُ لِما يُمكِنُ أَن يكُونَ مادَّةً [دَسمةً] للإِنتقاصِ والإِستهزاءِ والطَّعنِ برسالةِ عاشــــــــــوراء، بل يكُونُ فِلتراً في طريقِ النَّشرِ فيُروِّجُ منها ما ينفعُ ويحجبُ منها ما يضرُّ، فإِنَّ التَّرويجَ للسيِّئِ شراكةٌ مذمُومةٌ في إِشاعةِ [الحربِ الصَّفراءَ] على الحُسينِ السِّبطِ (ع) ومَن يتصوَّر العَكس فهوَ على خطأٍ كبيرٍ.

   ٢٠٢٦/٧/٢