[ب]
نزار حيدر
ج/ عاشوراءُ كالشَّمسِ التي تشرقُ يوميّاً على كُلِّ شيءٍ، فبدلاً مِن أَن تراقبَ كيفَ يستفيدُ مِنها الآخرون أَو تنشغِلَ بتنظيمِ وتحديدِ خياراتهِم إِسعَ للإِستفادةِ منها وبالطَّريقةِ التي تراها مُناسبةً وتنسجِمُ مع عقليَّتكَ وفهمكَ للأُمورِ وبالمنطقِ الذي ينسجِمُ معَ شخصيَّتكَ وتربيتِكَ وثقافتِكَ واترُك الآخرينَ يختارُوا الطَّريقة والأُسلوب الذي ينسجِم معَ منطقهِم.
أَنتَ لستَ وصيّاً على عاشُوراء، ولستَ وكيلاً عن الحُسين السِّبط (ع) ولستَ تملُكَ شيئاً من إِرثِها لتفرضَ على النَّاسِ كيفَ يفهمُونها وكيفَ يتصرَّفونَ عندَما يُمارسُونَ أَو يشتركونَ في إِحيائِها، لا عليكَ بأَحدٍ إِنَّما أَنتَ مسؤُولٌ عن نفسِكَ يُمكنكَ أَن تختارَ لها الطَّريقةَ التي تُحبُّ والله تعالى يقولُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
لماذا يدسُّ البعضُ أُنوفهُم في كُلِّ شيءٍ فيحلِّلونَ ويُحرِّمونَ ويستحسِنونَ ولا يستحسِنونَ ويختارُونَ وكأَنَّهم وُكلاءَ الله على الأَرضِ!.
في نفسِ الوقتِ لا يجوزُ لأَحدٍ أَن يطعنَ بعاشُوراء إِذا تقزَّزت نفسهُ من شعيرةٍ من الشَّعائرِ الحُسينيَّةِ، فعاشُوراءَ قيمةٌ والشَّعائرُ مُحاولةً لإِحياءِ هذهِ القيمةِ قَد تُصيبُ وقَد تخطأ لكنَّها لَيست هي القيمة، والفرقُ كبيرٌ في المعنَيَينِ، كالفرقِ بينَ الإِسلامِ كدينٍ وبينَ صلاةِ أَو صَومِ أَو حجِّ المُكلَّف! فلَو أَنَّ أَحداً صنعَ من العنبِ خمراً فهل ستشتمُ العِنبَ أَو تمتنِعَ عن أَكلهِ أَو تحتجَّ على الله لأَنَّهُ خلقَ العِنبَ؟!.
هذا هُراءٌ وجنونٌ.
فكلُّ واحدٍ لهُ الحقَّ والحُريَّةَ في اختيارِ الطَّريقةِ التي يستفيدُ منها من العنبِ وبما تنفعهُ شريطةَ أَن لا يُؤذي أَحداً وأَن لا يتجاوزَ على حقوقِ أَحدٍ، فإِذا كانَ مُتديِّناً لا يصنع مِنهُ المُسكِر ولكن ليسَ عليهِ أَن يمنعَ غيرهُ إِذا صنعَ مِنها شيئاً لا يصنعهُ هوَ.
وفي الحجِّ مثلاً تُلاحظُ حالاتٍ وعاداتٍ ما أَنزلَ الله تعالى بِها من سُلطانٍ برأي زيدٍ أَمَّا برأي عمرُو فهيَ جزءٌ من الشَّعائر التي فرضَها الله تعالى في الحجِّ! فهل يحِقُّ لأَيٍّ منهُما الإِستهزاء بالآخر أَو التدخُّل في شؤُونهِ أَو منعهِ مِن أَن يُمارسَ طقوسهُ الخاصَّة؟! أَم هل لأَحدهِما أَن يكفُرَ
بالحجِّ لأَنَّ في المَوسمِ مَن يُمارسُ شعائرَ يراها هوَ بدعةٌ مثلاً؟!.
الاسلامُ نفسهُ أَلم ينتمي إِليهِ [طغاةٌ وفسقةٌ وفُجَّارٌ وقتلةٌ] فهل نرتدَّ عنهُ مثلاً أَو نحتجَّ على مُرسِلهُ ورسولِهُ؟!.
هذا هراءٌ وجنونٌ!.
إِنَّ لكُلِّ شعبٍ ولكُلِّ ملَّةٍ ولكُلِّ أَتباعِ دينٍ ومذهبٍ وطائفةٍ وعقيدةٍ طقوسهُم وشعائرهُم ما لا يقبلهُ أَحدهُم من الآخر، فإِذا جازَ لأَيِّ واحدٍ منهُم أَن يدُسَّ أَنفهُ في طقوسِ الآخرين فستتحوَّل الحَياة إِلى غابةٍ من الوحوشِ يتقاتلُونَ معَ بعضهِم ويذبح بعضهُم البَعض الآخر لأَنَّ أَحدهُم لا يستسيغُ طقوسَ الآخرِ!.
أُنظرُوا إِلى الهندِ العظيمةِ ففيها [١٨٠] دينٍ ومُعتقد [٦] منها الأَساسيَّة، ومعَ ذلكَ فإِنَّهُم مُتعايشُونَ وهيَ تنمُو وتتطوَّر بشكلٍ مُلفتٍ.
والملفتُ أَنَّ ما تتعرَّضَ لهُ الشَّعائر الحُسينيَّة من حربٍ وازدِراءٍ وعلى يدِ كُلِّ مَن هبَّ ودبَّ وعلى مرِّ التَّاريخ لم تتعرَّض لهُ أَيَّة شعائِر أُخرى! وهذا يكفي لمعرفةِ السَّببِ والعلَّةِ!.
د/ لو افترضنا أَنَّ مِن حقِّ زيدٍ أَن يُدلي بدَلوهِ [لتهذيبِ وتشذيبِ] الشَّعائر الحُسينيَّة على حدِّ وصفهِم فهل سيتمُّ لهُ ذلكَ بالسبِّ والشَّتمِ والإِنتقاصِ والإِستهزاءِ والإِزدراءِ؟! أَم بالعقلِ والحكمةِ والمنطقِِ؟!.
يقولُ تعالى {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.
حتَّى معَ الطَّاغيةِ فِرعَون فعندما أَرسلَ الله تعالى نبيَّهُ موسى (ع) وأَخيهِ هارون (ع) لهُ ليُبلِّغاهُ الرِّسالةَ أَمرهُما بلينِ الكلامِ {اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ* فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}.
هل رأَيتُم أَحداً نجحَ في إِصلاحِ سلوكِ أَحدٍ بالقوَّةِ والعُنفِ؟! إِنَّ الأَبَ سيفشلُ في ذلكَ معَ إِبنهِ الصَّغير فكيفَ يريدُ [مُصلِحٌ] أَن يحقِّقَ هدفهُ فيهذِّبَ ويشذِّبَ الشَّعائر بالشَّتائمِ والتُّهمِ والإِزدراءِ والإِستهزاءِ؟!.
على العكسِ من ذلكَ فإِنَّ الإِكراهَ في مثلِ هذهِ الحالاتٍ عامِلٌ مُساعدٌ على تكثيرِ سوادِها وسعةِ انتشارِها.
أُنظرُوا مثلاً كم بذلَت النُّظم الشموليَّة المُستبدَّة من جهودٍ مارست فيها العُنف والقَهرِ والقوَّةِ لدرجةِ القتلِ والتَّدميرِ والدَّمِ والهَدمِ للقضاءِ أَو التَّقليلِ على الأَقلِّ من حجمِ المُشاركاتِ الشَّعبيَّةِ في بعضِ هذهِ الشَّعائرِ إِلَّا أَنَّها كُلَّها فشلَت فشلاً ذريعاً فرحلُوا وبقيَت الشَّعيرة!.
إِنَّ لكَ مُطلقَ الحقِّ والحُريَِّة في قراءةِ الشَّعائرِ بما يتناسَبُ ومُتبنَّياتكَ الفكريَّةَ والثقافيَّةَ فتكتبُ وتخطبُ عنها وبشأنِها فذلكَ من حريَّة التَّعبير بشرطِ أَن تحترِمَ مَن يعتقدَ بها ويُمارسَها ويُشارك فيها ويحرِّض عليها فذلكَ كذلكَ من حريَّةِ التَّعبيرِ لا يجوزُ أَن تتمتَّع بها وتُحرِم غَيركَ مِن أَن يتمتَّعَ بها! وإِذا شتمتَ أَحدٌ منهِم فلا تزعَل إِذا شتمكَ {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
لا يجوزُ لأَحدٍ أَن يستخدِمَ اللُّغةَ السُّوقيَّةَ الهابِطةَ وهوَ ينتقِدُ شعيرةً ويعبِّرُ عن رأيهِ بأُخرى فذلكَ خلافُ العقلِ والمنطقِ فمردُودهُ عكسيٌّ بالتَّأكيدِ فلا أَحدَ يمتلكَ الحقِّ المُطلقِ عندما يُدلي برأيهِ {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
إِنَّ للأُسلوبِ والطَّريقةِ دَورٌ مُهمٌّ جدّاً في عمليَّةِ الإِقناعِ وتغييرِ القناعاتِ فكُلَّما كانت أَكثرُ منطقيَّةً وعقليَّةً وهادِئةً كانَ التَّأثيرُ أًكبر وأَعمق وأَشمل والعكسُ هوَ الصَّحيحُ.
٢٠٢٦/٧/٣