جديد

تراتيل الطين والحرير

رياض سعد

في تلك السنوات العجاف من ثمانينيات القرن الماضي، كان العراق أشبه بمطحنة كبرى تلتهم أجساد الشباب بلا هوادة… كانت بغداد ترتدي ثوباً رمادياً قسرياً؛ طوابير الأمهات المتشحات بالسواد أمام أبواب دوائر التجنيد، وباصات مصلحة نقل الركاب الحمراء التي تحولت إلى ناقلات بشرية تقذف بأصحاب الخاكي والتبغ الرخيص إلى جحيم الجبهات الأمامية.

كان عادل شاباً من أبناء الأغلبية العراقية الكادحة، يحمل في عينيه طيبة الجنوب وعنفوان الفرات وفي قلبه انكسار جيل بأكمله… ,  جيشٌ يُساق إليه الشباب عنوة وسخرة وجبراً، ليخوضوا حروباً بالنيابة عن الآخرين، معارك خاسرة يُراد منها حماية عروش وهمية وشعارات قومية مستوردة لا تطعم جائعاً ولا ترد غائباً.. في ذلك المناخ الطائفي والطبقي المقيت، كان ابن الجنوب والفرات الأوسط هو الوقود الدائم لآلة الحرب، بينما ينعم أبناء الحظوة  والفئة الهجينة والاقلية بالوظائف المريحة خلف المكاتب المكيفة.

هدية الخلاص الوهمي

في صيف عام 1985، لم يكن صوت الهاتف في بيوت العراقيين يحمل أخبارًا كثيرة، لكنه كان يحمل دائمًا احتمالًا واحدًا: خبرًا قد يقلب حياة عائلة كاملة.

حين وصل الأمر إلى عادل:

“الالتحاق الفوري إلى الوحدة… والتحرك إلى القاطع الأمامي.”

شعر للحظة أن الورقة التي بين يديه أثقل من بندقية.

لم يكن يخاف الموت وحده، فقد رأى الموت قريبًا منذ سنوات الحرب الأولى، لكنه كان يخاف ذلك النوع من الموت الذي لا يعرف صاحبه لماذا اختير له، ولا لماذا ذهب هو إلى المكان الذي يحاول الآخرون الهروب منه.

كان يعرف أن الجبهة الأمامية ليست مجرد موقع عسكري، بل مساحة تفصل بين الإنسان واسمه؛ هناك يصبح الجندي رقمًا في قائمة، وصورة معلقة على جدار، وخبرًا قصيرًا في نهاية نشرة الأخبار.

في تلك الليلة ذهب إلى صديقه القديم أبو سيف.

كان أبو سيف يعرف عادل منذ الطفولة، يعرف ضحكته قبل الحرب، ويعرف وجهه بعد أن أخذت الحرب منه الكثير.

جلسا في دكان صغير قرب الزقاق، والليل يهبط ببطء.

قال عادل وهو ينظر إلى الأرض:

ـ انتهى الأمر يا أبو سيف… غدًا أذهب.

أشعل أبو سيف سيجارته وبقي صامتًا للحظات.

ثم قال:

ـ لا يوجد شيء اسمه انتهى الأمر ما دام هناك رجال يعرفون رجالًا.

رفع عادل رأسه.

ـ ماذا تقصد؟

ابتسم أبو سيف ابتسامة حزينة.

ـ أقصد أن هذه الحرب لم تكن تدار بالبنادق فقط… أحيانًا كانت تُدار بالأسماء.

في اليوم التالي طلب أبو سيف من عادل أن يرافقه إلى بيت رجل يُدعى أبو المجد.

كان أبو المجد من أولئك الرجال الذين لا تحمل مناصبهم الرسمية شيئًا واضحًا، لكن الجميع يعرف أن هاتفه يصل إلى أماكن لا تصل إليها هواتف الآخرين.

قبل أن يذهبا، أوقف أبو سيف سيارة أجرة، وكان يحمل صندوقًا مغلفًا بعناية.

نظر إليه عادل باستغراب.

ـ ما هذا؟

تردد أبو سيف قليلًا.

ـ هدية.

قطب عادل حاجبيه.

ـ هدية لمن؟

نظر أبو سيف من النافذة وقال:

ـ أحيانًا يا عادل، في زمن الخوف، تصبح الهدية لغة لا يفهمها إلا أصحاب القرار.

شعر عادل بضيق في صدره.

لم يكن مرتاحًا للفكرة، لكنه كان يرى أمامه شبح الجبهة.

كان الإنسان عندما يقترب الموت منه لا يعود يفكر بالأخلاق كما يفكر بها وهو آمن.

دخلوا بيت أبي المجد.

كان البيت واسعًا، تفوح منه رائحة القهوة الفاخرة والعطور الماركة العالمية ..  جلس أبو المجد في صدر المجلس، رجل في أواخر الخمسينيات، له نظرات هادئة لكنها تحمل ثقة شخص اعتاد أن تُفتح له الأبواب.

وضع أبو سيف الصندوق جانبًا.

قال:

ـ أبو المجد… هذا شيء بسيط لا يوازي مقامك، لكننا نعرف أنك صاحب نخوة.

نظر أبو المجد إلى الصندوق، ثم إلى عادل.

فهم المعنى دون أن يسأل.

قال:

ـ يبدو أن وراء هذه الزيارة أمرًا أكبر من المجاملة.

تدخل أبو سيف بسرعة:

ـ أخونا عادل صدر له أمر بالذهاب إلى الجبهة الأمامية.. أنت تعرف ماذا يعني ذلك هذه الأيام. نريد تدبر أمره، نقله إلى مكان آخر، أي شيء يبعده عن الخط الأول.

نظر أبو المجد إلى عادل طويلًا.

ـ وأنت؟ ماذا تريد؟

ابتلع عادل خوفه وقال:

ـ أريد فقط أن أعود إلى بيتي حيًا.. لا أطلب رتبة، ولا منصبًا، ولا امتيازًا.. أريد مكانًا أؤدي فيه خدمتي دون أن أُرمى إلى الموت لأن اسمي لم يجد من يحميه.

ساد صمت ثقيل.

أخذ أبو المجد نفسًا عميقًا.

ـ يا عادل… أنت ما زلت تفكر أن الأمور تسير فقط بالأوامر والتعليمات.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

ـ الحرب علمتنا أن هناك أوامر مكتوبة على الورق، وأوامر أخرى تُكتب خلف الأبواب المغلقة.

قال عادل:

ـ لكن الجيش له نظام.

ضحك أبو المجد بهدوء.

ـ نعم، له نظام… لكن البشر هم الذين يحركون النظام.

ثم أشار إلى الصندوق.

ـ هذه الهدية ليست المشكلة… المشكلة أن آلاف الشباب مثلك يبحثون عن باب صغير يخرجون منه، بينما تبقى أبواب الجبهة مفتوحة لمن لا يملك مفتاحًا.

خفض عادل رأسه.

كانت الجملة تؤلمه أكثر مما تطمئنه.

لأنه أدرك أن مشكلته لم تكن في الحرب فقط، بل في الطريقة التي جعلت النجاة امتيازًا يحتاج إلى واسطة ومحسوبيات .

بعد لحظات قال أبو المجد:

ـ هناك شخص يمكن أن يساعد.

رفع أبو سيف عينيه بسرعة.

ـ من؟

قال أبو المجد:

ـ ليس بالضرورة صاحب رتبة أعلى… أحيانًا تكون القوة في المكان الذي لا تتوقعه.

سأل عادل:

ـ هل تقصد مسؤولًا عسكريًا؟

ابتسم أبو المجد.

– أقصد شخصًا يستطيع أن يجعل ورقة واحدة تغير طريق جندي كامل.

سكت قليلًا ثم قال:

ـ في هذا الزمن يا عادل، لم تكن الرتب وحدها تصنع النفوذ… أحيانًا كان القرب من أصحاب القرار أقوى من النجوم التي على الكتف.

في هذا الزمن، يوجد من هو أقوى من المدافع والاوامر العسكرية .. إنها (زوجة رئيس الأركان)!

نظر عادل إلى الصندوق الموضوع على الطاولة.

لأول مرة شعر أن الهدية لم تكن خلاصًا، بل شهادة على زمن أصبح فيه الإنسان يحتاج إلى التوسل كي يحصل على حقه في الحياة.

خرج من بيت أبي المجد وهو لا يعرف هل اقترب من النجاة أم اقترب من شيء أكثر قسوة.

كان يحمل أملاً صغيرًا…

لكن في داخله كان يعرف أن الأمل الذي يُشترى بالخوف لا يكون خلاصًا كاملًا.

لقد كان مجرد خلاص وهمي مؤجل.

# صالونات زيونة: الحرب في غرف الحرير

انتهى اللقاء … لكن الدرب الذي فُتح أمام عادل كان أشد خطورة من حقول الألغام… ؛ اذ  تحولت البوصلة من خنادق شرق البصرة المحترقة إلى بيوت حي “زيونة” الراقي؛ حيث الفيلات الفخمة والحدائق الغناء التي تفوح منها رائحة الياسمين، وحيث يعيش قادة الحروب وعائلاتهم في معزل تام عن بؤس المعسكرات وظروف الحياة القاسية .

دخل عادل ذلك العالم المخملي بوساطة أبو المجد… ؛  التقى بـ “السيدة”، زوجة المسؤول العسكري الكبير..  كانت امرأة في أربعينياتها، يكسوها الترف، وتعيش عزلة عاطفية خلف جدران قصرها، بينما زوجها غارق في خرائط الموت العبثية.

تحول الجندي العراقي، الهارب من الموت، إلى لعبة في يد هذا المجتمع المخملي… ؛ بدأت العلاقة بطلب المساعدة والشفاعة، وتطورت إلى لقاءات غرامية عاصفة خلف الستائر الحريرية لبيوت زيونة …

 كان عادل يشعر بازدواجية قاتلة وسقوط نفسي مريع: في النهار، يُذل في المعسكرات والوحدات والمقرات العسكرية لكونه من “الأغلبية” التي لا سند لها، وفي الليل، يصبح الملاذ العاطفي لزوجة الرجل الذي يرسل الآلاف من أقرانه إلى الموت بجرّة قلم.

كانت تراه يرتجف، فتقول له وهي تداعب خصلات شعره المتعب:

 * زوجة المسؤول: “لا تخف يا عادل.. ورقة إلحاقك بحامية بغداد أصبحت على مكتبي.. لن تذهب إلى الفاو، ولن ترى شرق البصرة.”

 * عادل (ودموع القهر تكاد تطفر من عينيه): “سيدتي.. أنقذتِ جسدي، لكن ماذا عن روحي؟ أصدقائي يموتون هناك في الطين، وأنا هنا…”

# سريالية المأساة العراقية

عاش عادل تلك الحقبة ممزقاً بين غريزة البقاء التي دفعته لركوب هذا المركب الوعر، وبين كرامته الإنسانية التي داسها الواقع الطائفي والعسكري المرير… ؛  كان يرى بأم عينيه كيف تُدار الدولة والحروب؛ ليس بالخطط العسكرية، بل بالمحسوبيات، والواسطات، ونزوات القصور والبيوت الفاخرة .

بقي عادل حياً بجسده، لكنه مات نفسياً..  لقد أدرك أن الحرب لم تكن دفاعاً عن وطن، بل كانت مسرحية دموية يدفع ثمنها البسطاء من دماء قلوبهم واحيانا من ماء اصلابهم ، بينما تُكتب فصولها وتُعدّل مصائر رجالاتها في صالونات الحرير والنعيم.

ولم يرغب عادل يوماً في إكمال بقية الأحداث؛ لأن بقيتها مغموسة بالخزي، والوجع، ومرارة الحقيقة التي تُعري مجتمعاً كاملاً كان يصفق للموت ويهرب منه في آن واحد.