جديد

حين يصبح الفساد خياراً مجتمعياً ((قراءة نقدية في مآلات الوعي الديمقراطي))

​بقلم: حسين شكران العقيلي
. ماجستير فقه مقارن
التاريخ: الثلاثاء 21 تموز (يوليو) 2026

​تشكل العلاقة بين السلطة الحاكمة والمجتمع في التجارب السياسية المضطربة واحدةً من أكثر المعضلات تعقيداً واستفزازاً للتفكير النقدي.
ففي الوقت الذي استقر فيه الوعي الإنساني الحديث على أن الديمقراطية وآليات الاقتراع هي الطريق الأمثل لتحرير الإرادة الشعبية وتصحيح مسار الحكم، نشهد في المقابل مفارقة موجعة تتجسد في إعادة إبراء ذمة الفساد وتكريسه عبر صناديق الاقتراع ذاتها وحين يُمنح الفاسد شرعية القانون وأصوات الأغلبية، فإننا لا نكون أمام مجرد عثرة عابرة في العملية السياسية، بل أمام أزمة عميقة تمس بنية الوعي الجمعي، وتستدعي تفكيكاً جذرياً لآليات اتخاذ القرار المجتمعي وأسباب هذا التواطؤ غير المباشر بين الجلاد والضحية.
​إن الإشكالية الكبرى لا تكمن فقط في وجود شخصيات فاسدة تتسنم مقاليد السلطة وتدير مقدرات البلاد بمنطق الغنيمة لا بمنطق الدولة، بل تكمن في قدرة هذه المنظومات على تجديد نفسها وشرعيتها باستمرار عبر أدوات ديمقراطية بحتة. وهنا تتشكل المفارقة المؤلمة؛ فالصندوق الانتخابي الذي وُجد ليكون مقصلة للطغيان والفساد، يتحول في كثير من البيئات الهشة إلى أداة لحمايته وإطالة أمره. هذا التناقض يدفعنا إلى التساؤل الملحّ: كيف يقبل المجتمع، عن وعي أو دُون وعي، أن يمنح صوته لمن يمعن في إفقاره وتهميشه وسلب مستقبله؟
​لتحليل هذه الظاهرة بعيداً عن التعميمات السطحية، لا بد من الغوص في البنى الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تصنع خيارات الناخب. فأولى هذه البنى تتمثل في انهيار الثقة العامة وتراجع رأس المال الاجتماعي. عندما يفقد الإنسان ثقته بجدوى التغيير وبنزاهة أي بديل محتمل، يتحول السلوك الانتخابي من فعل وطني استراتيجي إلى رد فعل غريزي قصير المدى. وهنا يبرز منطق المصالح الضيقة والزبائنية السياسية؛ حيث يفضل الناخب, في ظل غياب دولة المؤسسات وضبابية الأفق، أن يرتبط بشبكة زبائنية تضمن له مكسباً آنياً طارئاً -حتى وإن كان على حساب مستقبل وطنه بأكمله- على أن يغامر بمنح صوته لمشروع إصلاحي وهمي أو غير مضمون. في هذه البيئة، يصبح الفاسد أقرب و أكثر منفعة بالمعنى النفعي المباشر من النزيه الذي لا يملك القدرة على توزيع العطايا أو توفير الحماية.
​إضافة إلى ذلك، يلعب التجهيل الممنهج وتراجع مستويات التعليم والوعي النقدي دوراً حاسماً في ترويض الإرادة الشعبية. إن استمرار سياسات الإفقار المادي والمعنوي لا يُنتج فقط مواطناً عاجزاً عن تأمين قوته اليومي، بل ينتج أيضاً عقلاً جمعياً قابلاً للتوجيه، وسهل الاستقطاب عبر العصبيات الفرعية، كالعشائرية والطائفية والمذهبية والمناطقية. في ظل هيمنة هذه العصبيات، تتراجع المعايير الكفاءات والأخلاقية لصالح معيار الانتماء الضيق. وحين تتحول الانتخابات إلى معركة وجودية بين هويات صغرى، يصبح الفاسد المنتمي للجماعة خطاً أحمر، ويغدو نقده أو إسقاطه خيانة لا تُغتفر في نظر قاعدته، بغض النظر عن حجم الخراب الذي يلحقه بالصالح العام. وهنا تكمن المأساة الكبرى: سقوط الوطن في سبيل انتصار الوهم الهوياتي.
​ولا يمكن إغفال دور الخطاب الشعبوي والتضليل الإعلامي الذي تتقنه المنظومات الفاسدة ببراعة فائقة. تُدار الحملات الانتخابية غالباً بآليات تسويقية تستغل عاطفة البساطة الدينية، أو المظلومية التاريخية، أو الوعود الخلابة بالتغيير الوهمي، بينما تُمارس في الكواليس أبشع صور شراء الذمم وتجيير الأصوات. هذا التخدير الممنهج للوعي يُفقد المجتمع قدرته على الربط السببي البسيط بين جودة الخيار الانتخابي وجودة الحياة اليومية. فينسى الناخب، أو يُنسى قسراً، أن الغلاء، وانعدام الخدمات، وانهيار الصحة والتعليم، ليست سوى انعكاس مباشر للورقة التي وضعها بنفسه في صندوق الاقتراع.
​إن مآلات هذا الوعي الديمقراطي العليل تقود حتماً إلى ما يمكن تسميته بـ (الاستبداد المستدام) حيث لا يعود الطاغية بحاجة إلى دبابات وقمع عسكري مباشر لفرض سيطرته، بل يكتفي بوجود مجتمع يمنحه التفويض تلو التفويض بإرادته الحرة، أو بما يظنها حرة. هذا الوضع يخلق حالة من البلادة المجتمعية واليأس المقيم، حيث يتآكل شعور المواطنة لصالح شعور الرعية، وتتحول السياسة في نظر الأجيال الجديدة إلى مهنة قذرة حكراً على المنتفعين والفاسدين، مما ينتهي غالباً بهجرة العقول والكفاءات، أو بانفجارات غضب عشوائية لا تلبث أن تُجهض أو تُحتوى لتعيد إنتاج النسق ذاته بصيغ جديدة.
​إن كسر هذه الحلقة الشريرة لا يبدأ بالضرورة من تغيير الأشخاص في أعلى الهرم، بل يبدأ من إعادة بناء الإنسان من القاعدة. إنها معركة وعي شاقة وطويلة الأمد، تتطلب تفكيك الخطابات الشعبوية، وتحرير العقل المجتمعي من قيود الولاءات الضيقة، وإعادة الاعتبار لقيم الكفاءة والنزاهة والمواطنة الحقة. ما لم يتحول الصوت الانتخابي من سلعة تُباع وتُشترى في سوق النخاسة السياسي إلى قرار سيادي واعٍ يدرك أبعاده الوطنية، ستظل المجتمعات تدور في فلك أزماتها، تشتكي من سوء من تحكم، بينما هي التي وضعتهم، بأصواتها، على عرش خرابها.