جديد

سيكولوجية الزيف : في هشاشة العِشرة حين تُختبر بالمودة

رياض سعد

من هانت عليه عشرتك، لم يكن يسكنك… بل كان يستأجرك… ؛ من استخفّ بعشرتك، لم يعرفك قط .

لم يكن حبك حقيقة في قلبه، بل كان “فكرة” مريحة يحتمي بها من صقيع وحدته… ؛  فالبعض لا يدخل حياتك ليزرع معك أرضاً، بل ليقطف ثمارك ويمضي… ؛ و هناك فارق شاسع بين من يرى في صداقتك “وطناً” يستحق الدفاع عنه، وبين من يراك “فندقاً” يغادره فور انتهاء صلاحية إقامته أو انقضاء مصلحته.

نعم ؛ ليس كل من مشى إلى جوارك، سار معك… ؛ وليس كل من اقترب منك أراد أن يعرفك، ولا كل من أكثر من الضحك معك أحبك… ؛  فالعلاقات لا تُقاس بطول الأيام، بل بصدق القلوب… ؛  وقد يجلس معك إنسان سنوات، ثم تكتشف أنه كان قريبًا من مكانك، لا من روحك… ؛ فالبعض يمشي بجوارك ليُري العالم أنه ليس وحيداً، لا ليشاركك خطاك… ؛  فإذا انتهى الممر، انتهى هو، كأن لم يكن بينكما شيء.

لم تكن في عينيه كياناً قائماً بذاته، بل انعكاساً لحاجته هو… ؛  أنت مرآةٌ كان يتأمل فيها تفاصيل وحدته، لا نافذةً يطل منها على عالمك… ؛  يمد يده إليك لا ليصافح روحك، بل ليتكئ على كتفك حتى تزول عثرته المؤقتة، فإذا استقام وقف، نفض غبار المسافة عن كتفيه، ومضى كأن لم تكن إلا ظلاً عابراً في طريق عودته إلى نفسه.

بعض العلاقات ليست بيوتاً، بل غرف انتظار باردة… ؛  يجلس فيها المرء حتى يحين موعد قطاره، لا ليقيم… ؛  يصغي إليك لأنه يحتاج أذناً تصغي إليه، يضحك معك لأنه يخشى صوت صمته، يشاركك الوقت لأنه لم يجد بعد من يملأ به فراغه الأعمق… ؛  وحين تنتهي وظيفتك المؤقتة – مستمعاً، مسلياً، مرآةً، كتفاً – ينتهي معها وجودك في خريطته… ؛  لا يغادرك غضباً، بل يغادرك لأنك ببساطة لم تعد تصلح لأداء الدور الذي كتبه لك بصمت.

نعم , من يستهين بعشرتك وصداقتك، لم يكن في الأصل يحبك كما ظننت… ؛  لقد أحب ما وجد عندك، لا أنت… ؛  أحب اهتمامك، وإنصاتك، مركزك , وظيفتك , عشيرتك , نفوذك , ووجودك حين يحتاج إليك، لكنه لم يحمل لك في قلبه ذلك الوفاء الذي يجعل العِشرة عهدًا لا يُنقض عند أول خلاف أو أول مصلحة.

النرجسي لا يرى الآخرين إلا مرايا تعكس رغباته… ؛ فإذا لم تعُد تعكسه كما يشتهي، كسرك بلا وجل، ومضى يبحث عن مرآة جديدة.

وهو حين يستهين بعشرتك، لا يستهين بك أنت وحدك، بل يستهين بمعنى العلاقة كلها… ؛  يراك وظيفة مؤقتة ؛  فإذا انتهت الحاجة، انتهى الحضور.

# النفاق الاجتماعي وسدّ الثغرات

ليست كل يد امتدت إليك كانت تبحث عن دفء روحك.

في سوق العلاقات المعاصرة، يتقن الكثيرون فن “المجاملة الوظيفية”… ؛  يجالسونك لملء فراغ، أو لتبديد وحشة، أو ربما لأنك تمنحهم شعوراً بالأمان لا يملكونه… ؛  يبتسمون في وجهك، ليس حباً في ملامحك، بل لأنك تعكس لهم صورة “الطيبين” الذين يسهل استهلاكهم.

النفاق الاجتماعي اليوم لم يعد مجرد كذبة عابرة، بل أصبح “نظام تشغيل” كامل، يرتدي قناع المودة ليقضي حاجته، فإذا ارتوى… جفّ بئر الودّ في عينيه فجأة.

ليست كل المودة صادقة، فهناك من يتقن ارتداء قناع الود أكثر مما يتقن الود نفسه… ؛  يجاملك بابتسامة، ويغدق عليك كلمات الثناء، ويشاركك المجالس، بينما قلبه يقف بعيدًا يراقب المشهد بلا انتماء… ؛  فإذا تبدلت الظروف، أو انقطعت المنفعة، انكشف القناع، وغادرك وكأن بينكما لم تكن سنوات ولا ذكريات.

أصبح عصر السرعة يصنع علاقات هشة، يسهل تكوينها كما يسهل هدمها… ؛ و صار كثيرون يستبدلون العتاب بالحذف، والحوار بالقطيعة، والإصلاح بالهروب… ؛  وأصبحت المصلحة عند البعض أقوى من الوفاء، حتى غدت العِشرة في نظرهم صفحة يمكن طيها بلا تردد.

نعم , اصبحنا نعيش في زمن “العلاقات السائلة” والروابط الهشة والعلاقات الوظيفية … ؛ صرنا نتعامل مع البشر كما نتعامل مع التطبيقات: نفتحها وقت الحاجة، نستفيد من خدماتها، ثم نغلقها دون أن يبقى لها أثر في ذاكرة الجهاز… ؛  صار الهجر سهلاً كحذف تطبيق، والقطيعة خفيفة كضغطة زر، لأن ثقافة الاستهلاك امتدت من الأشياء إلى الأرواح… ؛ في مجتمع السرعة، لم نعد نبني جسوراً، بل نصنع عبارات مؤقتة تعبر بنا إلى الضفة الأخرى، ثم نتركها للصدأ… ؛  العِشرة الحقيقية تحتاج زمناً، والزمن ترف لا نملكه في جدول علاقاتنا المزدحم… ؛ اذ تحولت المشاعر إلى سلع قابلة للاستبدال، وصار التخلي أسرع بكثير من محاولة الإصلاح… ؛  العتاب، الذي كان قديماً دليل محبة، أصبح اليوم ثقلاً يهرب منه أدعياء الود، مفضلين القطيعة الباردة والهروب الصامت لأن المواجهة تعري زيفهم.

# التشريح النفسي: الانسحاب من دور “الوظيفة”

نفسياً: الاستهانة بالصداقة والعِشرة هي أقصى درجات “الأنانية الأداتية”… ؛ و هذا النوع من البشر لا يرى في الآخر “ذاتاً مستقلة” لها مشاعر وكرامة، بل يراه “أداة” أو “وظيفة”. أنت بالنسبة له:

   * المستمع الصبور الذي يفرغ فيه همومه.

   * الكتف الذي يستند عليه في عثراته.

   * المسلّي الذي يقتل به ضجر الأيام.

ومن يستهين بالعِشرة غالبًا لا يبني علاقاته على المشاركة الوجدانية، بل على المنفعة أو إشباع حاجاته النفسية… ؛ اذ يرى الآخرين وسائل مؤقتة، فإذا انتهى دورهم، انتهت علاقته بهم… ؛  إنه لا يرحل لأنك أصبحت سيئًا، بل لأنه لم يكن متعلقًا بك من الأساس، وإنما بما كنت تقدمه له.

نحن هنا أمام عجز عن رؤية الآخر كـ”أنت” مستقل… ؛  الآخر ليس ذاتاً كاملة، بل “موضوع” يؤدي غرضاً… ؛  هذا هو الجوهر النرجسي للعلاقة: أن تُحب لا لذاتك، بل لما تقدمه… ؛  وحين يتوقف العطاء، أو حين يجد النرجسي مرآة أكثر لمعاناً، يُرمى الأول في صمت… ؛ و الاستهانة بالعشرة هنا ليست خيانة مفاجئة، بل نتيجة طبيعية لعلاقة لم تكن يوماً مبنية على المودة، بل على الاستعمال… ؛ و الجرح لا يأتي من الهجر، بل من إدراك متأخر أن قلبك كان بيتاً سكنه مستأجر عابر، لم يدفع إيجار المحبة يوماً.

# العِشرة دين.. والاستهانة بها إفلاس أخلاقي

الذي يحبك حقاً، يرتعش قلبه قبل أن يؤذيك، ويرى في الخلاف فرصة لتقوية البنيان لا لهدم السقف… ؛  أما من تهون عليه السنون والمواقف، والضحكات والدموع، فهو شخص لم يذق قطرة واحدة من صدق العِشرة… ؛  كان يشرب من نهر عطائك دون أن يشعر بامتنان، وينام في ظل أمانك دون أن يقدّر قيمة السكينة.

فلا تسكب دموع عتبك على جدار أصم.

من باعك برخيص، لم يعرف قيمتك أصلاً… ؛  احزن على قيمٍ تتآكل، وعلى وفاءٍ بات يُعامل كأنه سذاجة… ؛ و تذكّر دائماً: العِشرة الصادقة كالمعدن النفيس، لا تزيدها نيران الأزمات إلا بريقاً، بينما المودة المزيفة تذوب عند أول قطرة مطر، لتكشف عن وجهٍ باهت.. لم يكن يشبهك يوماً.

ولا تجعل استهانة أحد بعشرتك سببًا لاتهام نفسك أو التقليل من قيمتك… ؛ فالوفاء خُلُق قبل أن يكون شعورًا، ومن فقد هذا الخلق لن يحافظ على أي علاقة، مهما كانت جميلة.

وتذكّر أن الإنسان الوفي لا ينسى خبزًا اقتسمه مع صديق، ولا موقفًا صادقًا، ولا كلمة طيبة، ولا سنواتٍ تقاسم فيها الأفراح والأحزان… ؛  أما الذي يبيع العِشرة عند أول منعطف، فإنه يكشف عن حقيقة نفسه أكثر مما يكشف عن حقيقة الآخرين… ؛ فالعِشرة الصادقة لا يصنعها طول اللقاءات، بل يصنعها ثبات القلوب… ؛  ومن أحبك حقًا، سيبقى وفيًا لك حتى وإن فرقت بينكما المسافات، أما من كانت مودته مجرد مجاملة، فسوف يرحل عند أول اختبار، تاركًا وراءه درسًا لا يُنسى: إن الحب الحقيقي يُثبت نفسه بالوفاء، أما النفاق فلا يصمد طويلًا أمام امتحان العِشرة.

وحدها العواصف تفضح البيوت المبنية على الرمل… ؛  وعند أول اختبار، حين تسقط الأقنعة، ستدرك أن كثيراً من العلاقات لم تكن سوى تبادل أدوار على خشبة مسرح كبير… وحين أُسدل الستار، لم يبق في القاعة إلا قلبك، جالساً وحده، يصفق لذكرى لم تكن حقيقية أبداً.