جديد

العراق… من استيراد الأفكار إلى صناعة المعرفة

رياض سعد

لم يكن العراق، في تاريخه الطويل ، فقيرًا بالأيديولوجيات، بل ربما كان من أكثر البلدان العربية التي تعاقبت عليها المشاريع الفكرية والسياسية… ؛  فمنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، دخلت إلى البلاد موجات متلاحقة من القومية العربية، والشيوعية، والليبرالية، والعلمانية، والإسلام السياسي، والاشتراكية، والديمقراطية الليبرالية، ثم لحقتها المناهج الثقافية والنقدية كالحداثة، والبنيوية، والتفكيكية، وما بعد الحداثة… ؛  ومع ذلك، بقي سؤال النهضة العراقية معلقًا، وبقي المشروع الوطني هشًا، وكأن كثرة الأفكار لم تُنتج وضوحًا، بل مزيدًا من الالتباس.

وهنا تكمن المفارقة.

فالعراق لم يكن يعاني من نقص في النظريات، وإنما من ندرة الاجتهاد… ؛  لم يكن يفتقر إلى الكتب، بل إلى القدرة على تحويل المعرفة المستوردة إلى معرفة محلية تنبع من خصوصية المجتمع العراقي… ؛  ولذلك ظل العقل السياسي العراقي، في كثير من الأحيان، يستهلك الأفكار أكثر مما ينتجها، ويترجم النظريات أكثر مما يبتكرها.

ليس المقصود بهذا الكلام الدعوة إلى الانغلاق أو رفض الفكر الإنساني، فالحضارات لا تنمو في العزلة، وإنما بالتفاعل والأخذ والعطاء… ؛  ولولا أن المسلمين ترجموا الفلسفة اليونانية، ثم أعادوا نقدها وتطويرها، لما ازدهرت الحضارة الإسلامية، ولولا أن أوروبا ترجمت علوم المسلمين وأضافت إليها، لما قامت نهضتها الحديثة… ؛  ولم تصبح اليابان قوة صناعية لأنها رفضت الغرب، بل لأنها استوعبته ثم أعادت إنتاجه وفق ثقافتها ومصالحها، وكذلك فعلت كوريا الجنوبية والصين وسنغافورة وغيرها.

إذن، ليست المشكلة في الاقتباس، وإنما في التقليد الاعمى .

فالقومية العربية الحديثة لم تولد في العراق، بل تشكلت في سياقات فكرية مختلفة، وارتبطت بأسماء اجنبية وغريبة مثل ساطع الحصري وميشيل عفلق… ؛  والشيوعية جاءت امتدادًا للفكر الماركسي الذي صاغه كارل ماركس وفريدريك إنجلز وطوره فلاديمير لينين… ؛  والليبرالية تشكلت في أوروبا مع جون لوك وجون ستيوارت ميل، والعلمانية كانت ثمرة الصراع التاريخي بين الكنيسة والدولة في الغرب، بينما تأثرت الحركات الإسلامية السياسية الحديثة بأفكار جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وحسن البنا، وأبي الأعلى المودودي، وسيد قطب وغيرهم.

ولم يكن المشهد الثقافي مختلفًا؛ فالبنيوية جاءت مع فرديناند دي سوسير وكلود ليفي شتراوس، والتفكيكية ارتبطت بجاك دريدا، والحداثة وما بعدها نشأتا في بيئات غربية لها شروطها الفلسفية والاجتماعية والتاريخية الخاصة.

ولا عيب في كل ذلك.

فالعلوم والأفكار لا تعرف الحدود السياسية، لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول هذه النظريات إلى نصوص مقدسة، وعندما يتعامل معها المثقف أو السياسي بوصفها وصفات جاهزة تصلح لكل زمان ومكان، فيحاول إخضاع المجتمع للنظرية، بدل أن يعيد صياغة النظرية لتفهم المجتمع.

ومن هنا بدأ الخلل.

لقد دخلت الأحزاب العراقية، على اختلاف مرجعياتها، وهي تحمل إجابات جاهزة عن أسئلة لم يطرحها المجتمع أصلًا… ؛  كانت تتحدث بلغة الكتب المؤسسة أكثر مما تتحدث بلغة الناس، وتستشهد بمرجعيات أجنبية أكثر مما تستشهد بتاريخ العراق وتجربته وهويته الوطنية … ؛  فأصبح الحزب يعيش داخل أدبياته، بينما كان المجتمع يعيش داخل واقعه المختلف.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتعثر معظم المشاريع السياسية، لأن المشكلة لم تكن دائمًا في صدق النيات أو سلامة المبادئ، بل في غياب التكيف مع البيئة العراقية.

فالأفكار، شأنها شأن النباتات، لا يكفي نقلها من أرض إلى أخرى لكي تنمو… ؛  لكل فكرة تربتها التاريخية، ومناخها الثقافي، وشروطها الاجتماعية… ؛  وإذا نُقلت بلا تهيئة، فإنها قد تبقى حية في الكتب، لكنها تموت في الواقع.

وقد أدرك عالم الاجتماع العراقي علي الوردي هذه الحقيقة مبكرًا… ؛  فهو لم يرفض المناهج الغربية، ولم يدعُ إلى الانغلاق، لكنه رفض إسقاطها حرفيًا على المجتمع العراقي… ؛ اذ انطلق من دراسة الواقع العراقي نفسه، وتحدث عن ازدواجية الشخصية العراقية، وصراع البداوة والحضارة، محاولًا بناء تفسير يستند إلى خصوصية المجتمع لا إلى النقل الآلي عن الآخرين.

وينطبق الأمر، بدرجات مختلفة، على اجتهادات محمد باقر الصدر في الاقتصاد الإسلامي وفلسفة المعرفة، وعلى محاولات عدد من المفكرين العراقيين الذين سعوا إلى قراءة الواقع المحلي بأدوات جديدة… ؛  غير أن هذه الجهود بقيت، في معظمها، مبادرات فردية، ولم تتحول إلى مدارس علمية متواصلة قادرة على إنتاج تقليد فكري عراقي راسخ.

وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.

فالجامعات العراقية تدرّس نظريات الآخرين أكثر مما تنتج نظرياتها الخاصة، ومراكز البحوث تشرح ما كتبه الغرب أكثر مما تقدم إضافات جديدة، والأحزاب تستعير برامجها، والمثقفون يكررون مصطلحات صُنعت في بيئات تختلف جذريًا عن البيئة العراقية.

ولهذا بقي العراق، رغم عمقه الحضاري، مستهلكًا للمعرفة أكثر من كونه شريكًا في إنتاجها.

ولا يمكن لأي أمة أن تصنع مستقبلها وهي تستورد حتى طريقة التفكير… ؛  فالاستقلال السياسي لا يكتمل من دون استقلال معرفي، والسيادة لا تكون على الأرض وحدها، بل على العقل أيضًا.

إن ما يحتاجه العراق اليوم ليس أيديولوجية جديدة، ولا نسخة أخرى من المشاريع المستوردة، بل عقلًا نقديًا قادرًا على استيعاب التراث الإنساني كله، ثم إعادة إنتاجه في ضوء الواقع العراقي… ؛  يحتاج إلى فلسفة للدولة تنطلق من تاريخ بلاد الرافدين، ومن تنوعها الاجتماعي والقومي والديني، ومن خبرتها الطويلة مع السلطة والمجتمع، لا من نصوص كُتبت لمعالجة مشكلات شعوب أخرى.

فالعالم لا يحترم الأمم التي تكتفي باستهلاك المعرفة، وإنما يحترم الأمم التي تضيف إليها.

لقد كانت بلاد الرافدين يومًا منبعًا لأول القوانين المكتوبة، وأولى المدن الكبرى، وأقدم المدارس الحضارية، ولم تكن مجرد مستهلك لما ينتجه الآخرون… ؛  وما لم يستعد العراق هذه الروح الخلاقة، فسيظل يبدل أيديولوجية بأخرى، وشعارًا بشعار، بينما تبقى أزماته الأساسية على حالها.

إن نهضة العراق لن تبدأ عندما يختار بين الشرق والغرب، أو بين اليمين واليسار، أو بين هذه الأيديولوجية وتلك، بل عندما يؤمن بأن الأفكار العظيمة لا تُستورد كاملة، وإنما تُولد من احتكاك العقل بواقعه، ومن قدرة المجتمع على قراءة نفسه بنفسه.

فالأمم لا تصنع مستقبلها بما تترجمه من كتب الآخرين، بل بما تضيفه هي إلى كتاب الإنسانية.