هل كان الطاغية صدام حسين على صواب عندما هاجم ايران وهي ضعيفة قبل ان يستفحل خطرها!؟

مكسيم العراقي

1. التقييم الاسترجاعي للمواقف التاريخية وكيف تُعيد النتائج والحقائق المستجدة كتابة قضايا الحرب والسلم؟
2. درس ميونخ التاريخي ووهم الاسترضاء وسقوط رهان السلام الشكلي
3. معضلة الخيار الصعب وسيناريو التريث العراقي عام 1980 وتبعات تأجيل المواجهة
4. أوهام الرهان على الاحتواء والتاريخ السياسي والاستراتيجيات المفقودة في مواجهة المشروع الإيراني
5. التحالف المستتر وتفكيك البراغماتية الجيوسياسية بين إيران وإسرائيل ودور ايران المستتر لصالح اسرائيل!
6. بين استشراف صدام وصراحة ترامب في مواجهة الخطر الإيراني وحقيقة الصراع الممتد
7. صراحة ترامب وتوصيف السرطان الذي أهمله السلف
8. هندسة التدمير وسقوط السد العراقي وتغول الامبراطورية الثيوقراطية الفارسية

(1)
التقييم الاسترجاعي للمواقف التاريخية وكيف تُعيد النتائج والحقائق المستجدة كتابة قضايا الحرب والسلم؟

تُعد مسألة تقييم صوابية الأفعال والقرارات التاريخية المفصلية — وفي مقدمتها قرار خوض الحروب — من أكثر القضايا تعقيداً في فلسفة التاريخ والتطبيقات الاستراتيجية. فالقرار السياسي والعسكري لا يُقاس لحظة اتخاذه بالدوافع والأوصاف النظرية المرافقة له فحسب، بل يخضع لعملية نقد واختبار استرجاعي ممتدة تُعاد قراءتها وتعديل الأحكام بشأنها بناءً على ما تتكشف عنه الأيام من نتائج لاحقة وما يظهر من وثائق وحقائق جديدة.
1. مفهوم التحليل الاسترجاعي ونقد محاكاة الواقع
يواجه المؤرخون والساسة عند الحكم على قرار عسكري أو استراتيجي قديم مسألة التفريق بين ظروف اتخاذ القرار وبين مخرجاته على المدى الطويل:
• منطق السياق المباشر مقابل منطق المآلات: لحظة اتخاذ القرار، يكون صناع السياسة محكومين ببيانات محدودة وتقديرات موقف لحظية. لكن التقييم التاريخي المنصف لا يتوقف عند هذه الحدود، بل يمتد لقياس ما إذا كان هذا القرار قد حقق الردع وقاد إلى حماية الأمن القومي على المدى البعيد، أم أنه تسبب في كوارث غير محسوبة.
• ظاهرة الانحياز التأكيدي المؤجل: تتغير النظرة السياسية للموقف التاريخي باختلاف النتائج؛ فالقرار الذي قد يظهر في حينه أنه مغامرة مكلفة، قد يُصنف لاحقاً على أنه ضرورة استراتيجية استباقية إذا أثبتت التطورات أن بديل السكوت والتأجيل كان سيفضي إلى نتائج أشد كوارثية وتدميراً.
2. معايير تقييم صوابية القرارات العسكرية بناءً على النتائج الممتدة
يُمكن تلخيص الأطر التي يتم من خلالها تقييم إعادة الحكم على صوابية حرب تاريخية ما في المحاور التالية:
• معيار البديل المفقود (Scenario Analysis):
عند النظر إلى حرب ما، يطرح المؤرخ الاستراتيجي سؤالاً محورياً: ماذا كان سيحدث لو لم تُخض هذه الحرب في تلك اللحظة؟ إذا أثبتت الوقائع اللاحقة أن الخصم كان يبني قوة استئصالية متصاعدة، وأن تأجيل المواجهة كان سيعني السقوط الكامل مستقبلاً تحت شروط أشد قسوة، فإن القرار الصادر بالهجوم أو المواجهة الاستباقية يكتسب مشروعية وصوابية أكبر في الميزان الجيوسياسي.
• تكلفة المواجهة المباشرة مقابل تكلفة التردد:
تقاس صوابية الحروب بحجم الفاتورة المدفوعة مقارنة بالفاتورة المترتبة على الامتناع. فالخسائر الجسيمة التي تُدفع في حرب مبكرة قد تُصنف تاريخياً على أنها أقل الضررين إذا تبين أن الاستسلام أو النأي بالنفس أدى لاحقاً إلى تفكيك الدولة، وضياع السيادة، وفتح المجال أمام حروب الميليشيات والصراعات الفوضوية الممتدة عقوداً.
• كشف الوثائق والحقائق المستورة:
غالباً ما تتغير الأحكام التاريخية عند الإفراج عن الوثائق السرية للخصوم أو خططهم الاستخباراتية الشمولية. إن انكشاف النوايا الحقيقية للخصم — كوجود مخططات جاهزة للاختراق، أو الاغتيال، أو نشر الفوضى — يُحول القراءة من ادعاء حذر غير مبرر إلى استشراف واقعي وتقدير دقيق للإنذار المبكر.
3. إعادة قراءة النظرة الاستراتيجية للمنطقة العربية كنموذج تطبيقي
تجسد هذه القواعد النظرية بوضوح عند تطبيقها على قراءة التحولات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في العقود الأخيرة:
• إعادة التقييم في ضوء انهيار توازن القوى: عندما تُقرأ معارك وحروب الثمانينات من القرن الماضي في ضوء ما حدث بعد عام 2003، يتبين للعديد من المراقبين والساسة أن كسر السد العراقي ومحاصرته أدى إلى ملء الفراغ الجيوسياسي من قبل قوى التوسع الأيديولوجي. إن هذه النتيجة اللاحقة (تفتيت العواصم، وانتشار السلاح الميليشياوي، وتهديد الملاحة والأمن القومي) والفساد والارهاب والتخريب أعادت صياغة التقييم التاريخي لتلك الحروب، بحيث أصبحت تُرى كـ خط دفاع استراتيجي كان يضمن الحد الأدنى من التوازن والسيادة للدول الوطنية.
• ثمن التفرج والحياد السلبي: تُثبت الحقائق المعاصرة أن سياسات التردد أو الرهان على استرضاء المنظومات التوسعية لم تحمِ الدول التي اختارت النأي بالنفس؛ إذ تحول الخطر لاحقاً ليطال خنق اقتصاداتها، واستهداف خطوط ملاحتها، واختراق أمنها الداخلي عبر الشبكات والمسيرات، مما يؤكد أن السلام الشكلي القائم على المداراة غالباً ما يكون مجرد استراحة مؤقتة لتمكين الخصم.

(2)
درس ميونخ التاريخي ووهم الاسترضاء وسقوط رهان السلام الشكلي

يعتبر مؤتمر ميونخ عام 1938 العلامة الفارقة والأبرز في التاريخ الحديث لبيان خطورة استرضاء الأنظمة التوسعية الاجرامية الفاشية. لقد توهمت الدول الكبرى حينها (بريطانيا وفرنسا) أن تقديم تنازلات جغرافية للنازية — عبر اقتطاع إقليم السوديت من تشيكوسلوفاكيا وتسليمه لأدولف هتلر — سيطوي صفحة الحرب ويضمن السلام العالمي. غير أن النتيجة كانت عكسية تماماً؛ إذ قرأ هتلر التردد والتراجع كدليل ضعف وهوان، مما دفعه للإسراع في ابتلاب كامل تشيكوسلوفاكيا ثم غزو بولندا، لتبدأ الحرب العالمية الثانية ولكن وفق الزمان والمكان والشروط التي فرضها الغول النازي نفسه.
تثبت هذه الواقعة قانوناً استراتيجياً حاسماً: التردد أمام الخصم الأيديولوجي التوسعي لا يمنع الحرب، بل يؤجلها ليديرها الخصم وهو في أوج قوته وضمن شروطه الخاصة.
1. نماذج تاريخية جسدت وهم الاسترضاء والتراجع
إلى جانب تجربة مواجهة المشروع الإيراني في الثمانينات، يحفل التاريخ الإنساني بأمثلة ناصعة أثبتت أن تقديم التنازلات للأنظمة الشمولية أدى إلى نتائج كوارثية:
• حروب المهرطقات ودول الإغريق (استرضاء المكدونيين)
تردد أثينا والدول الإغريقية المستقلة في مواجهة طموحات فيليب الثاني المكدوني (والد الإسكندر الأكبر)؛ حيث اعتمدت أثينا على الخطابات الدبلوماسية المترددة والتأجيل.
استغل فيليب التردد وتفكك القوى اليونانية لبناء أعتى جيش منظم في عصره، وانتهى الأمر بسحق الاستقلال الإغريقي في معركة خيرونية (338 ق.م) وفرض السيطرة المكدونية بالكامل بشروط الملك المكدوني.
• روما والإمبراطورية الكارثاجية (معاهدات التنازل القاتلة)
بعد الحرب البونية الأولى، حاولت كارثاج استرضاء روما والتنازل عن النفوذ البحري والتجارية لتجنب الصدام المباشر.
لم تتوقف روما عن المطالب التعجيزية، بل استغلت التراجع الكارثاجي لتضييق الخناق عليها تدريجياً، حتى جردتها من أسلحتها ودمرت المدينة بالكامل في الحرب البونية الثالثة (146 ق.م)، مما أثبت أن تنازل المغلوب لا يرضي الشهوة التوسعية للغالب.
• الغزو الياباني لمنشوريا (1931) وتهاون عصبة الأمم
عندما احتلت الإمبراطورية اليابانية إقليم منشوريا الصيني، اكتفت عصبة الأمم ولجانها بتشكيل لجان تقصي حقائق وإصدار بيانات شجب دون اتخاذ عقوبات حاسمة أو توجيه ردع عسكري.
أغرى هذا التردد المؤسسي اليابان بشن غزو شامل للصين عام 1937 وارتكاب مجازر هائلة (مثل مجزرة نانجينغ)، مما فتح جبهة الصراع في الآسيوية والتي اندمجت لاحقاً بالحرب العالمية الثانية.
• سياسة أوباما والخطوط الحمراء في سوريا (2013)
في التاريخ المعاصر، أعلن النظام الأمريكي خطاً أحمر بشأن استخدام السلاح الكيميائي في سوريا، ولكن عند تجاوزه تم التراجع والقبول بتسويات تفاوضية برعاية روسية.
فُسّر التراجع الأمريكي كضوء أخضر للتمدد المباشر؛ فدخلت روسيا عسكرياً بشكل كامل، واستفحل النفوذ الإيراني والميليشياوي في المنطقة، مما غير معادلة الصراع في الشرق الأوسط وفرض واقعاً ميدانياً شائكاً على حساب الاستقرار الدولي.
2. المعادلة الاستراتيجية الثابتة
[تقديم التنازلات / التردد] ◄ [تفسير الخصم للتنازل كضعف] ◄ [تطوير قدرات الخصم وزيادة شهوته] ◄ [اندلاع المواجهة الحتمية بشروط الخصم]
تُظهر كافة هذه النماذج أن التعامل مع المنظومات العقائدية والتوسعية يستلزم الردع المبكر والحاسم. فالمراهنة على المداراة أو تقاسم النفوذ الشكلي ليست سوى شراء وقت مجاني يخدم الطرف الأكثر شراسة، لتكون النتيجة النهائية هي خوض معركة أجبرت الجميع على دفع أضعاف فاتورتها الأصلية.

(3)
معضلة الخيار الصعب وسيناريو التريث العراقي عام 1980 وتبعات تأجيل المواجهة
على الاقل اخر صدام والعراق المشروع الايراني عقدا من الزمان!
تثير فرضية امتناع العراق عن شن الحرب في أيلول/سبتمبر 1980 تساؤلاً استراتيجياً مركزياً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث: هل كان السلم حقيقة قابلة للاستمرار، أم أن المواجهة كانت مجرد معركة مؤجلة إلى زمن تكون فيه طهران أكثر قوة وتماسكاً؟
إن التقييم السياسي والعسكري لتلك المرحلة يشير إلى أن العراق كان يقف أمام خيارات أحلاها مرّ، وأن تأجيل الحرب عقدا كاملا مثلا كان سيغير خارطة القوة في الإقليم بشكل دراماتيكي، ولكن ليس لصالح الاستقرار العربي.
1. واقع عام 1980.. اختلال مؤقت في القوة الإيرانية
في عام 1980، كانت إيران تمر بلحظة ضعف استثنائية ونادرة في تاريخها الحديث:
• تفكيك الجيش الشاهنشاهي: تصفيات واسعة لضباط الصف الأول والقيادات الدورية، وإلغاء عقود التسليح الغربية.
• العزلة الدولية: قطع العلاقات مع واشنطن عقب أزمة الرهائن، والتوجس السوفيتي من طبيعة النظام العقائدي الجديد.
• الصراعات الداخلية: قتال متبادل بين الفصائل الثورية (مجاهدي خلق، الفدائيين، القوميات الكردية والعربية).
بالنسبة للقيادة العراقية حينها، كانت هذه اللحظة تُقرأ كـ نافذة فرصة استراتيجية لحياد خطر التمدد، قبل أن يرمم النظام الجديد صفوفه ويكتمل بناء مؤسساته العقائدية والعسكرية.
ناهيك عن تاريخ ايران الطويل في العدوان على العراق واخره دعم التمرد البرزاني الذي كلف ايقافه التضحية بنصف شط العرب! ودماء غزيرة واموال طائلة!
2. سيناريو عام 1990.. كيف كانت ستكون إيران لو لم تُخض حرب 1980؟
لو افترضنا أن العراق تبنى استراتيجية ضبط النفس والاحتواء ولم يدخل الحرب عام 1980، فإن المعطيات تشير إلى الصورة التالية بحلول عام 1990:
• الترسانة العسكرية المتطورة:
كان النظام الجديد سيتعلم كيفية التعايش أو التكيف مع العقوبات، أو إعادة فتح شبكات التزويد، مكملاً القوة الجوية والدراعية الهائلة التي تركها الشاه (أف-14، دبابات تشيفتن، منظومات دفاع جوي متطورة)، والتي استنزفتها حرب الثمانينات بالكامل.
• تصدير الثورة بلا استنزاف بشري أو مالي:
بدلاً من استنزاف أموالها وبنيتها التحتية وخسارة مئات الآلاف من الشباب في حرب استنزاف طاحنة على مدى 8 سنوات، كانت طهران ستوجه هذه الموارد المالية والديموغرافية مباشرة لتأسيس وزرع الأذرع الميليشياوية في العراق، ولبنان، وسوريا، والخليج العربي بشكل أسرع وأعمق بكثير وبلا رادع.
• الداخل العراقي المجهد تحت الاستهداف المبكر:
شهد العراق بين 1979 و1980 سلسلة عمليات إرهابية واغتيالات (مثل محاولة اغتيال طارق عزيز، وتفجيرات المستنصرية، واغتيال علماء وضباط) بتمويل وتحريض مباشر من طهران لإسقاط النظام من الداخل. لو لم تُردع تلك المحاولات بمواجهة عسكرية حاسمة، لكان الخراب الداخلي العراقي قد اتسع بحلول التسعينات، مما يسهل اختراقه دون الحاجة لحرب جبهوية.
3. المواجهة المؤجلة في التسعينات.. سيناريو الكارثة المطلقة
لو اندلعت الحرب في عام 1990 مثلا تحت هذه الظروف، لكانت النتائج كالتالي:
• ميزان قوى مختل بالكامل: كانت إيران ستدخل الحرب وهي دولة متماسكة المؤسسات، بجيش عقائدي مجهز بالكامل، واقتصاد لم ينهك في الثمانينات، مقابل عراق كان سيعاني من القلاقل الداخلية المحفزة إيرانياً.
• غياب الدعم العربي والدولي: في الثمانينات حظي العراق بدعم مالي ولوجستي عربي وغربي لدرء خطر تصدير الثورة. في التسعينات، ومع تغير المشهد الدولي وانتهاء الحرب الباردة، كان سيناريو العزلة سيكون أقسى على بغداد.
• صعوبة الردع: كان إيقاف التمدد الإيراني عام 1990 سيناريو شبه مستحيل، ولربما أدى ذلك إلى اجتياح مباشر للعراق والعواصم المجاورة قبل عقود من التاريخ الذي رأيناه في الواقع.

(4)
أوهام الرهان على الاحتواء والتاريخ السياسي والاستراتيجيات المفقودة في مواجهة المشروع الإيراني

1. هل يُمكن التعايش مع المشروع الإيراني أم أن الاستئصال هو الحل الوحيد؟
تُثبت تجارب التاريخ والعلوم السياسية أن المنظومات العقائدية الشمولية التي تؤسس شرعيتها وجودياً على التوسع وتصدير الثورة لا يمكن التعايش معها ولا ضبطها عبر الدبلوماسية التقليدية؛ إذ إن الاستئصال وتحييد النفوذ الميداني هما السبيل الوحيد لإجبارها على الانكفاء.
• طبيعة النظام الأيديولوجي: إن النظام الإيراني لا يتعامل كـ دولة مدنية ذات سيادة تنتهي أهدافها عند حدودها الجغرافية، بل كـ مركز إدارة لمشروع عابر للحدود. وبالتالي، فإن أي محاولة لتسكين الصراع معه تُقرأ في طهران على أنها ضعف مرحلي يجب استغلاله لإعادة بناء القوة والانتشار.
• استراتيجية القضم التدريجي: كما أثبتت التطورات الأخيرة والهجمات المباشرة وغير المباشرة — التي طالت الملاحة الحيوية والغاز في دمياط بمصر بأسلوب المسيرات الابتزازية لتوجيه رسائل تهديد للممر المائي والسيادة العربية — فإن المهادنة والتفرج لا يحميان أي طرف إقليمي من استهداف طهران وأذرعها عندما تقتضي الحاجة الإقليمية ذلك.
2. سيناريو الدعم لصدام حسين.. هل كان سيُنهي السرطان في مهد؟
تفتح العودة إلى سياق الحرب العراقية-الإيرانية (1980 – 1988) تساؤلاً جوهرياً حول نتائج الدعم العربي للعراق:
• الفرصة التاريخية لتفكيك المشروع: لو دخلت دول الخليج العربي ومصر وسورية وكل الدول العربية بكل ثقلها العسكري المباشر، ولم تختر العواصم العربية الكبرى موقف التفرج والتردد، لكان بالإمكان تعديل ميزان القوى حسمياً. إن إجهاد النظام الإيراني الحديث آنذاك تحت ضغط عسكري عربي موحد كان كفيلاً بإسقاط النظرية الخمينية في مهدها وتفكيك الحرس الثوري قبل أن يتحول إلى إمبراطورية أمنية عابرة للدول.
• خطأ التخلي بعد حرب الثمانينات: لم تقتصر المأساة على التردد أثناء الحرب، بل تجسدت في السياسات التي أعقبت انتهاء القتال عام 1988؛ إذ بدلاً من احتضان العراق وتوظيف انتصاره لبناء منظومة أمن قومي عربي متكاملة تُحصن المنطقة، جرى محاصرة العراق اقتصادياً وسياسياً وتجريده من عناصر قوته، مما انتهي الى اقدام صدام على الانتحار في غزو الكويت – كما تفعل ايران الان- وإسقاطه كلياً عام 2003 وتقديم خط دفاع الأمة الأول كهدية مجانية للحرس الثوري.
3. متلازمة الصغار والتفرج.. ثمن الغياب عن معادلة الردع
يُكشف الواقع الإقليمي الحالي عن خطورة الرهان على السلام المنفرد أو تحييد النفس في المواجهات الاستراتيجية:
[التفرج والتردد العربي] ◄ [تفكيك مراكز القوة الوطنية] ◄ [تجريد العواصم من الردع] ◄ [وصول التهديد الإيراني لعمق الجميع]
• الخليج وحقبة حرب الثمانينات: خاض الخليج مرحلة شاقة من القلق والابتزاز نتيجة عدم الدخول المباشر للحسم، واكتفائه بدعم جزئي لم يكن كافياً لإسقاط النظام في طهران كلياً، مما ترك الجمار تحت الرماد لتستعر مجدداً بعد إسقاط العراق.
• مصر والتهديد المتمدد: أثبتت الاعتداءات والتجاوزات الإيرانية المستحدثة ضد المصالح الاقتصادية والأمنية في البحر المتوسط والموانئ المصرية (كدخول المسيرات على خط استهداف السفارات وناقلات الغاز في دمياط)، أن سياسة النأي بالنفس لا تمنع خصماً أيديولوجياً من استعداء الجميع. إن تقويض الأمن القومي العربي في العراق، ثم اليمن، ثم سوريا ولبنان، أدى تلقائياً إلى عزل مصر وإطباق الحصار على أمنها القومي وقناة السويس.

(5)
التحالف المستتر وتفكيك البراغماتية الجيوسياسية بين إيران وإسرائيل ودور ايران المستتر لصالح اسرائيل!

تُشكل العلاقات التاريخية والسرية بين إسرائيل وإيران — ولا سيما في عقدي الثمانينات والتسعينات — واحدة من أكثر المفارقات الجيوسياسية تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. فخلف السجالات الإعلامية والشعارات الأيديولوجية الرنانة التي أطلقها نظام الولي الفقيه عقب عام 1979، أدار الطرفان تقاطع مصالح استراتيجياً حيوياً اعتمد على قواعد البراغماتية الصلبة، واستهدف بشكل مباشر تدمير مقدرات العالم العربي وتفكيك مكامن قوته الإقليمية.
1. إيران كونترا والدعم العسكري والاستخباري
تجلت أولى صور التعاون الميداني بين طهران وتل أبيب خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) عبر الفضيحة الشهيرة المعروفة بـ إيران – كونترا (Irangate):
• صفقات السلاح وقطع الغيار: رغم الحظر الدولي المفروض على طهران، لعبت إسرائيل دور الوسيط واللاعيب الأساسي في نقل شحنات أسلحة أمريكية وإسرائيلية حيوية إلى القوات الإيرانية. شملت هذه الشحنات صواريخ مضادة للدروع (تاو)، وصواريخ دفاع جوي (هوك)، وقطع غيار لطائرات (أف-4) و(أف-14) التي كان الجيش الإيراني بأشد الحاجة إليها لإدامة حربه ضد العراق.
• التنسيق الاستخباري: زوّدت إسرائيل طهران بمعلومات استخباراتية دقيقة واستطلاعية عبر الصور الفضائية حول تحركات الجيش العراقي، ومواقع انتشاره، وبنيته التحتية، مما ساعد القيادة الإيرانية في تعديل خططها العسكرية وإطالة أمد الحرب لاستنزاف الطرفين.
2. تدمير المفاعل النووي العراقي (أوبرا 1981)
مثّل البرنامج النووي العراقي (مفاعل تموز/أوزيراك) كابوساً مشتركاً لكل من إسرائيل وطهران، مما دفع الطرفين إلى تنسيق غير مباشر ولكنه محوري لتدميره:
• الضربة الإيرانية الممهدة: في سبتمبر 1980، نفذت القوة الجوية الإيرانية هجوماً على موقع المفاعل (عملية السحاب المظلم) ألحق أضراراً جزئية بالبنية التحتية للموقع.
• تبادل خرائط ومعلومات الخبراء: تشير المصادر التاريخية إلى أن إسرائيل حصلت على الخرائط الجوية والتقارير الاستخباراتية التي جمعتها الاستطلاع الإيراني حول موقع تموز، واستفادت منها في بناء خطة الهجوم الحاسمة (عملية أوبرا) في حزيران/يونيو 1981 والتي أدت إلى تدمير المفاعل بالكامل، مما أزاح المنجز العلمي والتقني العراقي من المعادلة.
3. الدور الوظيفي لإيران في إنهاك العرب والدفع نحو التطبيع
تُظهر القراءة الاستراتيجية أن وجود نظام أيديولوجي توسعي في طهران قدم خدمات استراتيجية غير مباشرة للرؤية الأمنية الإسرائيلية في المنطقة:
• تفكيك وتدمير الدول المركزية العربية: أدى التمدد الإيراني عبر الميليشيات إلى تدمير وتعطيل أربع عواصم عربية (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء)، وتفكيك جيوشها الوطنية وتدميرها ونهبها، مما أزاح الخطر العربي المباشر عن الحدود الإسرائيلية ونقل الثقل العسكري إلى اقتتال داخلي عربي – إيراني.
• إعادة تعريف مفهوم العدو المشترك: أسهم التهديد الإيراني المباشر لدول الخليج والمشرق العربي — عبر الصواريخ والمسيرات وتهديد الملاحة — في تغيير عقيدة الأمن الإقليمي لدى العديد من الدول العربية. تحول الخطر الإيراني من خطر ثانوي إلى تهديد وجودي عاجل، مما أضعف محورية القضية الفلسطينية وشجع على بناء تحالفات وشراكات أمنية واقتصادية جديدة توجت بموجات التطبيع والاتفاقيات الإبراهيمية كحائط صد ضد المشروع الإيراني.

(6)
بين استشراف صدام وصراحة ترامب في مواجهة الخطر الإيراني وحقيقة الصراع الممتد
بين عفوية ترامب وصراحة التاريخ في توصيف السرطان الايراني

خلال عامي 2025 و2026، شهدت الساحة الدولية تحولاً جذرياً في التعاطي مع النظام الإيراني، حيث ادلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات عفوية وصادقة كسرت أدبيات الدبلوماسية التقليدية. فقد وصف ترامب النظام في طهران بأنه طغمة أيديولوجية تُشكل سرطاناً يجب مواجهته واستئصاله نهائياً من الجسد الإقليمي قبل فوات الأوان. ولم يتردد ترامب في التأكيد على أن الإدارات الأمريكية السابقة ارتكبت خطأ استراتيجياً جسيماً عندما أفسحت المجال لطهران للتمدد والمناورة، مما سمح لها بامتلاك أسلحة خطيرة — وفي مقدمتها المسيرات والصواريخ البالستية — بالتنسيق والاستفادة من الصراعات الدولية والتحالفات الظرفية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين.
إن هذه الصراحة الأمريكية المحدثة وضعت العالم أمام الحقيقة التي حاول الكثيرون تجاهلها عقوداً طويلة: وهي أن المشروع الإيراني لم يكن يوماً مشروعاً سياسياً قابلاً للاحتواء أو المهادنة، بل هو عقيدة توسعية تحارب كل دولة تحاول النهوض والتطور علمياً، حضارياً، واقتصادياً في المنطقة العربية والشرق الأوسط.
1. البدايات المتجذرة للعدوان الإيراني واستشراف صدام حسين
تثبت شواهد التاريخ أن العدوان الإيراني على المحيط العربي لم يكن وليد الثورة الإسلامية عام 1979، بل كان امتداداً لأطماع جيوسياسية وثقافية تاريخية متجذرة. إلا أن التحول الذي أحدثه مجيء خميني تمثل في إلباس تلك الأطماع لبوساً عقائدياً عابراً للحدود، يُشرعن التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة وزرع الأذرع الميليشياوية.
في تلك المرحلة المبكرة، كان صدام حسين من القلائل الذين أدركوا طبيعة هذا الخطر وحجمه الحقيقي. فقد شخص مبكراً هول تلك الأفكار والتدخلات والعمليات الإرهابية التي بدأت تصيب الداخل العراقي عبر التفجيرات والاغتيالات ومحاولات إشعال الفتنة الطائفية. وكان يقينه راسخاً بأن اللحظة الحاضرة لمواجهة هذا التمدد هي الخيار الوحيد لتفادي كارثة أكبر؛ إذ إن التأجيل والتردد لا يعنيان سوى منح طهران الوقت لتقوية أذرعها واكتساب تقنيات عسكرية تصبح معها مواجهتها مستقبلاً عملية مكلفة جداً ومستحيلة.
وقد خاض العراق تلك الحرب الضارية لحماية العراق اولا والبوابة الشرقية للوطن العربي، واستمر في المواجهة رغم التكلفة الباهظة في الأرواح والموارد، متحملاً الثقل الأكبر لردع التمدد الخارجي، حتى انتهت الحرب بالقبول الإيراني بجرعة السم، والجيش العراقي متواجد داخل الأراضي الإيرانية.
2. مفارقة الصمود الإيراني والتفريط العربي بالعراق
تتجلى المفارقة التاريخية والسياسية المؤلمة في مقارنة تصرفات النظام الإيراني بسلوك البيئة العربية المحيطة:
• العقيدة الاستنزافية لطهران: يُظهر النظام الإيراني استهانة كاملة بشعبه ومستقبله ورفاهيته؛ حيث تستمر واشنطن والتحالف الدولي منذ أشهر في شن ضربات متتالية لترسانته ومواقع أذرعه، إلا أن طهران تمسكت بالحرب والعدوان بدافع من الحقد الأيديولوجي ضد العرب والمحيط المستقر. وهو ذات السلوك الذي انتهجته خلال حرب الثمانينات، حيث كانت تتجاهل الخسائر البشرية والاقتصادية المهولة في سبيل عدم التنازل عن مشروعها التوسعي حتى استسلم الخميني بعد ان بات وجود النظام في خطر!
• التفريط العربي بالدرع الشرقي: في المقابل، وبدلاً من الحفاظ على العراق كحائط صد استراتيجي ودعم استقراره بعد خروجه من الحرب، تعرض العراق للتفريط والعزل والمحاصرة الاقتصادية والسياسية من قبل أطراف عربية وإقليمية. هذا الفراغ والاستنزاف المتبادل utiized لاحقاً لفتح أبواب بغداد أمام التغلغل الإيراني المباشر عقب أحداث عام 2003، لتسقط العواصم العربية واحدة تلو الأخرى في حبائل الميليشيات.
ثم تحول العراق بيد فايروسات الولي الفقيه الى عائل ومنطلق للخراب والعدوان على العرب!
3. المواجهة الحتمية وساعات الحسم
تثبت المستجدات العسكرية والسياسية المتسارعة أن الرؤية التي حذرت من الخطر الإيراني كانت صائبة في جوهرها؛ فالمسألة لم تكن مجرد نزاع حدودي أو خلاف سياسي عابر، بل صراع بين مفهوم الدولة الوطنية المستقرة وبين منظومة أيديولوجية تعتاش على الفوضى والخراب.
إن ضربات اليوم والتحركات الدولية لمواجهة هذا المشروع، بالرغم من تأخرها العقود الطويلة، تأتي لتؤكد أن ترك السرطان يتمدد دون حسم يُضاعف فاتورة المواجهة. وتظل العبرة التاريخية قائمة: إن حماية الأمن القومي والاستقرار الإقليمي لا يُمكن أن تتأتى بالتمني أو الرهان على تغير سلوك النظام الإيراني، بل بالحسم والمواجهة التي تجرد هذا المشروع من أدوات التخريب وتستعيد الهيبة للسيادة الوطنية والدول العربية.

(7)
صراحة ترامب وتوصيف السرطان الذي أهمله السلف

تتأكد اليوم دقة القراءة التاريخية والسياسية التي افترق فيها الرؤساء والساسة الغربيون عبر العقود؛ إذ ادلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات عفوية صادقة حطمت الدبلوماسية المداهنة التي وسمت التعاطي الدولي مع طهران. ولم يتردد ترامب في إطلاق أوصاف حاسمة ومباشرة على المنظومة الحاكمة هناك، واصفاً إياها بـ السرطان الذي استشرى في المنطقة، والنظام الخبيث الدموي الذي يعتاش على الدماء والحروب بدلاً من بذور البناء والسلام.
لقد أشار ترامب بكل صراحة إلى الفشل الجسيم للإدارات الأمريكية والغربية السابقة التي مهّدت الطريق لهذا الاستفحال؛ إذ غضت النظر عن التغلغل الميليشياوي والبرامج العسكرية تحت لافتات الاحتواء والاتفاقات الهزيلة، مما سمح لـ الغول الثيوقراطي باكتساب التكنولوجيا الصاروخية المتطورة والطائرات المسيرة بالتعاون مع حلفاء إقليميين، وتحويل المنطقة بأسرها إلى ساحة رعب مفتوحة.
1. السياسة الشيطانية وتحريف الصراع وخنق شريان هرمز
إن السلوك السياسي والعسكري للنظام الإيراني داخل الإقليم يمثل النموذج الأوضح لـ السياسة الشيطانية التي تقوم على التزييف وإعادة توجيه الصراعات لصالح البقاء والتمكين:
• تحويل الصراع من فلسطين إلى مضيق هرمز: طالما رفعت طهران شعارات تحرير القدس وفلسطين لتخدير العواطف والأنصار، لكن الممارسة العملية على الأرض أثبتت أن الهدف الفعلي هو فرض السيطرة على العواصم العربية وحصار الملاحة البحرية عند مضيق هرمز وابتزاز الاقتصاد العالمي. لقد أودت الممارسات الإيرانية بسلامة البحار والنفط العربي، ووجهت خناجرها ونيران صواريخها نحو الدول العربية المسالمة، بينما ظلت الجبهات المباشرة مع إسرائيل محكومة بقواعد اشتباك منضبطة ومسرحيات متفق عليها.
• السعي الحثيث لنيل القنبلة الذرية: يُشكل السعي الإيراني لتطوير واستكمال السلاح النووي الركيزة الأكبر لعملية الابتزاز الإقليمي والدولي. فالقنبلة الذرية بالنسبة لنظام طهران ليست أداة ردع دفاعية، بل هي درع نووي يُراد منه تحصين الميليشيات والمشروع التوسعي من أي ردع خارجي مستقبلي.
• ضرب الدول المتقدمة المسالمة التنموية: حيثما وُجدت دولة عربية تسعى لبناء الاقتصاد الحديث والتكنولوجيا والازدهار المالي، بادرت طهران وأذرعها إلى محاولات زعزعة استقرارها عبر الطائرات المسيرة، وإطلاق الصواريخ، وتحريك الخلايا النائمة، لإدراكها أن نجاح النموذج المدني العربي يُعري الفشل الذريع لمنظومة الولي الفقيه.
• إعادة حكم التوريث والاستبداد: ورغم الادعاءات بالشعارات الثورية والديمقراطية، أعاد النظام الإيراني إنتاج أسوأ صور الحكم السلالي والتوريث العقائدي المقيت تحت لافتات غيبية، مسقطاً تطلعات شعبه في الحرية والرفاه، ومضحياً بحاضر الملايين ومستقبلهم في سبيل استمرار سلطة المعممين وحراس النظام.
2. رؤية صدام المبكرة ومأساة التفريط بالدرع الشرقي
عند المقارنة التاريخية، تظهر القراءة المبكرة للطاغية صدام حسين، الذي تشكّلت لديه قناعة كاملة بأن التعامل مع هذا النظام لا يمكن أن يكون بالحوار أو المراهنة على تغير سلوكه. لقد أدرك صدام منذ وقت مبكر – وتحديداً مع بدايات التعديات والعمليات الإرهابية الإيرانية داخل العراق عام 1979 وما بعدها – أن طهران تحمل مشروعاً استئصالياً للعرب، وأن اللحظة الحاضرة لمواجهته وخنقه في مهد هي الخيار الأقل تكلفة، مهما بلغت التضحيات، بدلاً من ترك هذا السرطان يتقوى حتى يستحيل إيقافه.
وخاض الجيش العراقي تلك المعركة الضارية نيابة عن الأمة، واستمر في الصمود والردع حتى انتهت الحرب بتجرع خميني للسم والجيش العراقي متواجد عميقاً في الأراضي الإيرانية. غير أن الفاجعة التاريخية تمثلت في التناقض العربي اللاحق؛ إذ بدلاً من احتضان هذا السد المنيع وتعزيز قوته، انزلقت أطراف عربية وإقليمية إلى حصاره واستهدافه سياسياً واقتصادياً، مما أدى إلى كسر الدرع الشرقي وتسليم العراق – على طبق من ذهب – للتحالف الأمريكي-الإيراني عقب عام 2003، لتنفتح البوابة الشرقية أمام السيول الميليشياوية التي اجتاحت العواصم العربية واحدة تلو الأخرى.
إن تشخيص ترامب لوجه طهران الحقيقي، وربطه بالوقائع الميدانية التاريخية والحاضرة، يؤكد صحة المحاذير التاريخية: إن النظام الأيديولوجي الذي يضحي بشعبه واقتصاده في سبيل نشر السلاح وعقيدة الكراهية لا يمكن تصحيح مساره بالتفاوض والمهادنة. وإن خنق مشروعه النووي وتجريده من أدوات الابتزاز في هرمز والمنطقة أصبحا شرطاً وجودياً لا غنى عنه لاستعادة استقرار الشرق الأوسط وحماية الدولة الوطنية العربية من الانهيار.

(8)
هندسة التدمير وسقوط السد العراقي وتغول الامبراطورية الثيوقراطية الفارسية
1. إسقاط العراق وتفكيك الدرع الشرقي
شكل العراق عبر عقود السد المنيع والدرع التاريخي أمام مشروع التمدد الثيوقراطي الإيراني نحو الوطن العربي. وحين انتهت حرب الثمانينات، خرج العراق بقوة عسكرية وعتاد ورصد استخباري كفيل بضبط التوازنات الإقليمية. غير أن السياسات الغربية المتخبطة بدأت بمحاصرة العراق وإنهاكه عبر حصار دامٍ لأكثر من عقد، لتكتمل المأساة الكبرى في عام 2003 بقرار الغزو الأمريكي.
بإسقاط الدولة العراقية وحل مؤسساتها العسكرية والأمنية، ارتكبت واشنطن الخطيئة الجيوسياسية الأعظم في التاريخ الحديث؛ إذ قدمت العراق على طبق من ذهب لطهران، مفرغةً المنطقة من أي توازن قوى. كان هذا الغزو بمثابة الضوء الأخضر للمشروع الإيراني للتمدد بلا رادع، ليتحول العراق من حارس للبوابة الشرقية إلى المنطلق والممر اللوجستي المفتوح لنشر الميليشيات ونفوذ الحرس الثوري.
2. الاستيلاء على المقدرات عبر التغطية الدينية والفساد المنظم
ولتمكين هذا السيطرة، اعتمد النظام الإيراني على استراتيجية مزدوجة ترتكز على التخريب الداخلي وشفط الثروات:
• التغطية الدينية والابتزاز الطائفي: تم استخدام الشعارات العقائدية والزيارات المليونية وتجيير المفاهيم الدينية لتخدير الوعي الوطني وشرعنة التبعية. وتحولت المراقد والمناسبة الدينية إلى واجهات لتمرير الميليشيات، ونشر السموم والمخدرات، وتجريف الهوية الوطنية العراقية لحساب مرجعيات الولاية العابرة للحدود.
• الفساد المنظم والشفط المالي: جرى تأسيس شبكات اقتصاديات الميليشيات التي سيطرت على المنافذ الحدودية، والموانئ، ومزاد العملة الصعبة في البنك المركزي العراقي. تم تهريب ترليونات الدنانير والدولارات سنوياً لدعم الخزينة الإيرانية المحاصرة، وشراء الطاقة والغاز الإيراني بأسعار مبالغ فيها، وتغذية موازنات الحشد الموازي، ليتحول المال العام العراقي إلى الشريان الأساسي الذي يمول المشروع التوسعي لطهران.
• التصفية الإرهابية: كل صوت وطني عراقي حاولت القيادات المدنية أو العسكرية رفع بوجه هذا التغول تعرض للتصفية، والاغتيال، والإزاحة بتهم جاهزة، مما فرّغ البلاد من الكفاءات الوطنية وترك المقدرات بيد بيادق تدار بالكامل عبر مستشاري الحرس الثوري.
3. كيف امتلكت إيران أسلحة تهدد السلم الدولي بعد 1988؟
بعد نهاية حرب الخليج الأولى، استغلت طهران حالة الاسترخاء الدولي والتركيز الغربي الكامل على تدمير العراق. وخلال عقود التسعينات وما بعدها، اتبعت طهران استراتيجية عسكرية أفقية متطورة:
• برنامج الصواريخ والمسيرات: في ظل عجزها عن بناء سلاح جوي تقليدي بسبب العقوبات، صبت إيران أبحاثها وثرواتها المسروقة من العراق والمنطقة على تطوير التكنولوجيا المزدوجة (الصواريخ البالستية والمسيرات الانتحارية).
• التعاون الاستراتيجي مع الشرق: استغلت طهران المنافسة الجيوسياسية الدولية لبناء شراكات عسكرية وتقنية متينة مع روسيا والصين؛ حيث حصلت على نقل للتكنولوجيا الدقيقة، وأنظمة التوجيه، والمكونات الإلكترونية التي مكّنتها من بناء ترسانة صاروخية وبرامج مسيرات أصبحت تشكل تهديداً كبيراً خطيراً للملاحة البحرية الدولية وأمن الطاقة العالمي.
• تصدير السلاح للأذرع: لم تكتفِ إيران بتطوير هذه الأسلحة داخل حدودها، بل حولت اليمن، وسوريا، ولبنان، والعراق إلى ورش ومستودعات صواريخ ومسيرات تدار عبر أذرعها، لتصبح قادرة على الابتزاز الدولي واستهداف عواصم المنطقة وخطوط الملاحة في باب المندب وهرمز بضغطة زر.
4. لماذا سمح المجتمع الدولي بهذا التغول الإرهابي؟
تتداخل عدة عوامل جيوسياسية وتكتيكية تفسر السكوت الدولي الغريب والتغاضي عن الأعمال الإرهابية للنظام الإيراني طوال عقود:
• وهم الاحتواء والدبلوماسية: سادت لدى الإدارات الغربية متعاقبة (ولا سيما في واشنطن وأوروبا) فكرة قاصرة مفادها إمكانية تدجين النظام الإيراني وإدماجه في النظام الدولي عبر الاتفاقيات الشكلية (مثل الاتفاق النووي). هذا الوهم منح طهران مليارات الدولارات المفرج عنها وغطاءً سياسياً لمواصلة التمدد الميليشياوي.
• استراتيجية توازنات الضعف: استخدمت القوى الكبرى وجود النظام الإيراني كشماعة لإبقاء المنطقة العربية في حالة قلق واحتياج دائم للحماية الأمنية والتسليحية، فضلاً عن استغلال البعبع الإيراني لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط.
• الهروب من كلفة المواجهة المباشرة: خشي المجتمع الدولي من تبعات صدام عسكري مباشر مع نظام أيديولوجي لا يتردد في إحراق المنطقة واستخدام الدرع البشري والعمليات الإرهابية العابرة للقارات، مما جعل العواصم الغربية تؤجل المواجهة وتعتمد سياسة التهدئة المجانية.
• الانشغال بالصراعات الكبرى: شتت التنافس الأمريكي-الصيني، والحرب في أوكرانيا، والأزمات الاقتصادية العالمية، التركيز الدولي عن كبح أنشطة الحرس الثوري الإيراني، حتى استفحل الخطر وأصبح مهدداً أمن الطاقة والاقتصاد العالمي بشكل مباشر.