القراءة التي لا تترك الإنسان كما كان

رياض سعد

ليست قراءة الفلاسفة والكتّاب الكبار مجرد انتقالٍ من صفحة إلى أخرى، ولا هي عملية تراكمٍ للمعلومات في الذاكرة؛ فالكتب العظيمة تفعل في القارئ أكثر مما تعطيه من أفكار… ؛ إنها تعيد ترتيب الأسئلة في داخله، وتغيّر زاوية نظره إلى نفسه وإلى الآخرين وإلى العالم… ؛  وقد يخرج الإنسان من كتابٍ لمؤلف كبير وهو الشخص نفسه في الظاهر، لكنه لم يعد ينظر إلى الأشياء بالطريقة ذاتها.

عند قراءة **سيغموند فرويد**، قد تشعر بأنك أصبحت أكثر قدرة على فهم النفس البشرية؛ إذ تبدأ في النظر إلى الإنسان بوصفه كائناً أكثر تعقيداً مما يبدو عليه في سلوكه اليومي… ,  ستلتفت إلى الرغبات المكبوتة، والصراعات الداخلية، والذكريات، والدوافع الخفية التي قد تقف خلف بعض الأفعال والمواقف… ,  وقد يدفعك ذلك إلى إعادة قراءة نفسك والآخرين بقدر أكبر من التأمل وأقل من الأحكام السريعة.

ومع **ديفيد هيوم**، يتغير موقفك من اليقين نفسه… ؛ اذ يدفعك شكّه الفلسفي إلى مساءلة ما تظنه بديهياً، وإلى التمييز بين ما نعرفه بالفعل وما اعتدنا أن نعتقد أننا نعرفه… ؛  أما **شوبنهاور**، فيدفعك إلى النظر في الإرادة والرغبة باعتبارهما من القوى العميقة التي تحرك الإنسان، وربما يجعلك أكثر وعياً بأن كثيراً من قلق الإنسان ينشأ من مطاردة ما لا يملك، أو من عدم قدرته على التصالح مع حدود وجوده.

ثم يأتي **نيتشه** ليزعزع كثيراً من المسلمات التي اعتدنا الوقوف عليها… ؛  فهو لا يمنح القارئ راحة الإجابات الجاهزة بقدر ما يدفعه إلى إعادة فحص القيم والأفكار والأخلاق التي ورثها… ؛  ولذلك قد تخرج من قراءته أكثر استقلالاً في التفكير، وأكثر حذراً من القطيع الفكري، وأكثر استعداداً لأن تسأل: لماذا أؤمن بما أؤمن به؟

وهل هو اختياري حقاً، أم مجرد شيء ورثته عن المجتمع والثقافة والبيئة؟

ومع **سبينوزا**، يتخذ التفكير منحى آخر؛ إذ يصبح العقل أداة لفهم الإنسان والطبيعة والانفعالات، لا مجرد وسيلة للجدل… ؛  وقد يتعلم القارئ، من خلاله، أن التحرر لا يعني التخلص من الانفعالات بقدر ما يعني فهمها ومعرفة أسبابها.

أما **فولتير**، فيوقظ في القارئ حسّ النقد والسخرية من التعصب والدوغمائية، ويذكّره بأن العقل لا يكتمل من دون حرية التفكير، وأن المجتمع الذي يخاف السؤال يتحول بسهولة إلى مجتمع يخاف الحقيقة.

ثم تأتي عوالم **ألبير كامو** و**فرانز كافكا**، حيث تتغير العلاقة بين الإنسان والعالم بصورة أكثر قلقاً ووجودية… ؛  مع كامو، يواجه القارئ سؤال العبث: ماذا يفعل الإنسان عندما لا يجد في العالم إجابة واضحة عن معنى وجوده؟

ومع كافكا، يشعر بأن الفرد قد يجد نفسه عالقاً داخل منظومات غامضة وبيروقراطية وقوى لا يفهم منطقها، وأن الإنسان الحديث قد يتحول أحياناً إلى غريب حتى وهو يعيش بين الآخرين... ؛ لهذا السبب، قد تجعل هذه القراءات الإنسان **أكثر ميلاً إلى العزلة، ولكن ليس بالضرورة أكثر وحدة**… ؛  فهناك فرق بين العزلة التي يفرضها الانكسار، والعزلة التي يختارها العقل بعدما يكتشف أن الضجيج الاجتماعي لا يعني بالضرورة عمقاً، وأن كثرة الكلام ليست دليلاً على كثرة الأفكار.

كلما اتسعت معرفة الإنسان، قد تتغير علاقته بالضجيج من حوله… ؛ اذ يصبح أقل اهتماماً بالصيحات الرائجة، وأقل انشغالاً بما يشغل الجمهور لمجرد أنه يشغل الجمهور… ؛ و لا يعود يبحث دائماً عن التصفيق أو الإجماع، بل يبدأ في البحث عن المعنى… ؛  وربما يصبح أكثر انتقائية في علاقاته، لأنه لم يعد يبحث فقط عمن يتحدث اللغة نفسها، وإنما عمن **يرى العالم من نافذة قريبة من نافذته**.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الجميلة للقراءة العميقة: كلما ازداد الإنسان معرفة، أدرك اتساع جهله؛ وكلما كثرت الإجابات التي قرأها، ازدادت أسئلته… ؛  ولذلك فإن القارئ الحقيقي لا يصبح بالضرورة أكثر يقيناً، بل قد يصبح أكثر قدرة على **احتمال الشك**، وأكثر هدوءاً أمام تعقيد الحياة، وأقل استعجالاً في إصدار الأحكام.

غير أن تأثير الفلاسفة والكتّاب ليس واحداً عند جميع القراء… ؛  فالكتاب لا يدخل إلى عقلٍ فارغ، وإنما يدخل إلى شخصية لها تاريخها وتجاربها ومخاوفها وقيمها… ؛  لذلك قد يقرأ شخص فرويد فيرى تفسيراً للنفس، ويقرأه آخر فيرى اختزالاً للإنسان؛ وقد يجد قارئ في نيتشه تحريضاً على تجاوز المألوف، بينما يجد آخر فيه خطراً إذا فُهم خارج سياقه الفلسفي… ؛  وهكذا فإن القراءة ليست انتقالاً آلياً للأفكار من المؤلف إلى القارئ، بل هي **تفاعل بين نصٍّ وعقلٍ وتجربةٍ إنسانية**.

ولعل أعظم ما تفعله الفلسفة والأدب بالإنسان أنهما ينقلانه من مرحلة **استهلاك الأفكار إلى إنتاج الأسئلة**… ؛  فالإنسان قبل القراءة قد يسأل: ما الجواب؟

أما بعد رحلة طويلة مع الفكر فقد يبدأ بالسؤال: ما السؤال الصحيح أصلاً؟

وهنا يصبح الكتاب أكثر من كتاب، والفيلسوف أكثر من صاحب نظرية، والروائي أكثر من حكّاء… ؛  إنهم جميعاً شركاء في إعادة تشكيل الوعي… ؛  وقد لا يغيّرون حياتنا بأن يخبرونا كيف نعيش، بل بأن يجعلونا عاجزين عن الاستمرار في العيش بالطريقة القديمة من دون أن نسأل أنفسنا: لماذا نعيش هكذا؟

لذلك، فإن القراءة العميقة لا تجعل الإنسان بالضرورة أكثر كلاماً؛ ربما تجعله أقل كلاماً وأكثر تأملاً… ؛  ولا تجعله بالضرورة أكثر اجتماعية؛ ربما تجعله أكثر انتقائية فيمن يصاحب… ؛  ولا تمنحه دائماً الطمأنينة؛ فقد تمنحه، بدلاً منها، وعياً أكثر حدة بتعقيد النفس والعالم.

لكنها، في أفضل حالاتها، تمنحه شيئاً أثمن من اليقين: **منحه القدرة على النظر**.

أن ينظر إلى نفسه دون أوهام كثيرة، وإلى الآخرين دون أحكام عجولة، وإلى المجتمع دون خضوع أعمى، وإلى الأفكار دون تقديس، وإلى الحياة دون أن يطلب منها دائماً إجابات سهلة.

وهكذا قد يكون الأثر الأعمق لفرويد وهيوم وشوبنهاور ونيتشه وسبينوزا وفولتير وكامو وكافكا، وغيرهم من كبار المفكرين والكتّاب، أنهم لا يملؤون عقولنا بالأفكار بقدر ما **يغيّرون الطريقة التي تعمل بها عقولنا**.

وحين تتغير طريقة النظر، يتغير الإنسان نفسه؛ ليس بالضرورة إلى إنسان أكثر سعادة، وإنما إلى إنسان أكثر وعياً، وأكثر تمييزاً، وأكثر هدوءاً أمام صخب العالم، وفي الوقت نفسه أكثر إصراراً على مواصلة السؤال.