المال السائب يعلم السرقة… ولكن البيروقراطية لا تحمي المال العام

 احمد موفق العراقي

المال السائب يعلم السرقة، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. والدولة التي تترك المال العام بلا رقابة ولا ضوابط، تفتح الباب أمام الفساد والتجاوز واستغلال السلطة.

لكن في المقابل، فإن كثرة القوانين والتعليمات والإجراءات لا تعني بالضرورة أننا نحمي المال العام. أحيانًا تتحول البيروقراطية والتعقيد الإداري إلى مشكلة أخرى؛ فتتعطل المشاريع، وتتأخر العقود، وتتوقف مصالح الناس، ويصبح الموظف خائفًا من اتخاذ القرار، بينما يجد الفاسد طريقًا آخر للالتفاف على القواعد.

نحن لا نحتاج إلى تشديد القوانين بقدر ما نحتاج إلى تحديثها.

نحتاج إلى تحديث آليات العمل والتعاقدات والشراء الحكومي، بحيث تكون واضحة وسريعة وشفافة، وتمنح المسؤول والموظف مساحة لاتخاذ القرار عندما تكون المصلحة العامة واضحة، مع تحميله المسؤولية الكاملة عن قراره.

القانون الناجح ليس الذي يضع ألف قيد أمام الموظف، وإنما الذي يمنع التلاعب، ويكشف التجاوز، ويحدد المسؤولية، ويعاقب من يستغل السلطة.

نحن بحاجة إلى قوانين فيها روح، لا مجرد نصوص جامدة يمكن تعطيلها أو الالتفاف عليها.

فلا يصح أن تكون الإجراءات معقدة إلى درجة تجعل إنجاز المشروع أصعب من سرقته، ولا أن تكون الضوابط كثيرة إلى درجة يتحول معها الموظف النزيه إلى شخص يخشى التوقيع، بينما يستطيع الفاسد أن يجد ثغرة في كل نظام.

الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من ثقافة:

“كيف نمنع الموظف من الخطأ؟”

إلى ثقافة:

“كيف نبني نظامًا يجعل الخطأ والتلاعب مكشوفين، ويحاسب المسؤول عنهما؟”

نريد دولة تحفظ المال العام، ولكنها في الوقت نفسه تنجز.

نريد رقابة، ولكن رقابة ذكية.

نريد قوانين، ولكن قوانين تواكب الواقع.

نريد ضوابط، ولكن ضوابط تمنع الفساد ولا تقتل المبادرة.

العراق لا يحتاج إلى المزيد من التعقيد؛ العراق يحتاج إلى دولة حديثة، واضحة، سريعة، حازمة مع الفاسد، وعادلة مع الموظف النزيه.

فالمال العام أمانة، وحمايته واجب، لكن حماية المال لا تكون بتعطيل الدولة، وإنما ببناء نظام مؤسسي يجعل السرقة صعبة، والتلاعب مكشوفًا، والعمل ممكنًا.

نحن لا نريد دولة بلا ضوابط، ولا دولة غارقة في البيروقراطية؛ نريد دولة لها قانون، وللقانون روح، وللعمل مساحة، وللفاسد حساب.

#العراق

#الإصلاح

#مكافحة_الفساد

#دولة_الأحرار

د.احمد موفق عبد الستار العراقي