الربيعُ المحمديُّ في البلدةِ الطيبة
جِهاد هرّاش
ها هو الربيعُ المحمديُّ يطلُّ علينا من جديد، ليبعثَ الحياة فيما أماتهُ الدهرُ فينا، ويُعيدَ الأمل بعد أن اضمحلَّ في قلوبنا، ويغرسَ السكينةَ في نفوسنا كأننا لم نرَ نزقًا قط. فتمتدُّ جذورُ البهجة مُعانقةً أوراقَ السلام، لتخضرَّ أغصانُها في كل دارٍ ومقام، حُبًا واحتفاءً بميلادِ الهدى، وشوقًا وعشقًا لمصباحِ الدُّجى، عليه أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليم.
امتثالًا لأمرِ اللهِ تعالى في محكمِ تنزيله: “قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ”
يُهلِّل اليمنيون في كل عامٍ من ربيعِ الأول بكلِّ أبجدياتِ المحبةِ والولاء، بقدومِ ذكرى ميلادِ خيرِ الورى، وأزكى الطهرِ، وأتقَى الأتقياء، من شهدت البشريةُ بمولدهِ فجرًا جديدًا، أبادَ ظلامَ الجاهلية، وتقصَّى آثارَ الظلمِ والعنجهية. فأنارت رسالتهُ الدروب، وأحيت سيرتهُ القلوب، فكان سراجًا منيرًا، هُدِيَت به أممٌ وضلَّت عنهُ أخرى.
فتتعددُ أشكالُ الاحتفالِ بالمولدِ النبويِّ الشريف في البلدةِ الطيبة “اليمن”، بين أمسياتٍ وندواتٍ تُحيا فيها سيرةُ النبيِّ الأكرم، وفعالياتٍ ومهرجاناتٍ تُروي ظمأَ القلوب، وتنيرُ طمسَ العقول. فتُقامُ المسابقاتُ في كلِّ المجالات، ويغدو كلُّ محبٍ لرسولِ الله يُنافسُ ويتنافسُ طمعًا وشغفًا بالحبيبِ المصطفى، بحيثُ يسري نورهُ في الوجدان، وتُقدَّسُ أخلاقهُ في سويداءِ المُهَج، وتلهجُ الألسنُ بالصلاةِ والتسليمِ عليه وعلى آلهِ الأطهار، فيتألقُ المعشوقُ طه نجمًا ساطعًا في سماءِ الأفئدة.
ولا يكتفي العاشقون عند ذلك فقط، بل يُسارعون في استقبالِ اليومِ المهيبِ المنتظر بأبهى الصورِ وأجلِّ الطرق؛ فلا يخلو منزلٌ ولا شارعٌ إلا وتلألأت منهُ الأضواءُ الخضراءُ ليلًا، وتزينت بالأوشحةِ والأعلامِ الزاهيةِ نهارًا. فتترونقُ المدائنُ، وتزدانُ الأرضُ بثوبٍ سُندسيٍّ لهفةً لمحبوبِها البدرِ التمام.
ومن منطلقِ قولِ اللهِ عز وجل: “لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا”، يُحي اليمنيون ميلادَ الرحمةِ المُهداةِ محمدٍ، صلواتُ اللهِ عليه وآلهِ وسلم، ليُجددوا العهدَ والولاءَ بانتمائهم الوثيقِ به، وبارتباطهم العميقِ بمنهاجهِ العظيمِ وسنتهِ الغرَّاء. فلا خيرَ في أمةٍ تؤمنُ بنبيِّها ولا تُعظمُ ميلادهُ، وتتغنى بحبهِ ولا تعرفُ عنهُ سوى اسمِه.
ختامًا فليحتفِ الوجودُ بمولدهِ ولنجددِ البيعةَ الأولى هاتفين:
لبيك يا سيدَ الأرواحِ ، لبيك يا بلسمَ الجراح
فها نحنُ هاهنا نُباهي بكَ الأممَ وتزهو بكَ الدنيا
“صلی عليكَ الله يا بدرَ الدُّجی ، ما أشرقت شمسٌ وما ليلٌ سجی”
#كاتبات_وإعلاميات_المسيرة