جديد

المعادلة المنكوسة : كيف أصبح العراقي غريباً في وطنه ؟!

رياض سعد

ثمة سؤال عراقي قديم يتجدد كلما دخل البلد مرحلة من أزمات الهوية والسيادة والتمثيل السياسي: مَن يمثّل العراق؟

الدولة أم المجتمع؟

القانون أم التاريخ؟

المواطنة القانونية أم الذاكرة الجمعية والهوية الوطنية ؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى متناقضاً؛ فإذا كنا ندعو إلى دولة المواطنة، فكيف نتحدث في الوقت نفسه عن الأغلبية العراقية والهوية التاريخية والفئة الهجينة والوافدين والدخلاء والنخب المرتبطة بالخارج؟

والجواب يبدأ من التمييز بين مفهومين كثيراً ما اختلطا في الخطاب السياسي العراقي: **المواطنة القانونية، والهوية التاريخية والثقافية والحضارية للامة العراقية **.

فالمواطنة رابطة قانونية تنشأ من الجنسية والحقوق والواجبات التي يقررها القانون، أما الهوية فهي بناء تاريخي طويل تشترك في صنعه اللغة والذاكرة والثقافة والجغرافيا والتقاليد والمؤسسات والتجارب المشتركة… ؛  ولذلك فإن حصول إنسان على جنسية دولة ما لا يمحو تلقائياً تاريخه السابق وهويته العرقية والدينية وخلفيته الثقافية  ولا يحوّله في ليلة واحدة إلى وريث حصري لذاكرة وهوية تلك البلاد.

لكن هذا التمييز لا يعني أن الجنسية أقل قيمة، ولا أن الإنسان يظل «أجنبياً» إلى الأبد بسبب أصله… ؛  فالمجتمعات الحديثة لا تُبنى على نقاء الدم، وهذه فكرة لا يسندها التاريخ ولا علم الاجتماع ولا الأنثروبولوجيا… ؛ والعراق نفسه، مثل كل الحضارات الكبرى، نتاج تفاعلات وهجرات وزيجات وتبادلات سكانية متعاقبة.

المشكلة الحقيقية إذن ليست في وجود مهاجر أو عائلة ذات أصل أجنبي، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها **الهجرة إلى نفوذ سياسي مغلق، أو يتحول الأصل الخارجي إلى قناة للارتباط بقوة أجنبية، أو تستخدم الدولة لتهميش السكان المحليين، أو يصبح الولاء خارج الحدود أقوى من الولاء للمصلحة الوطنية … ؛ أوفي الوقت الذي تتنكر فيه الجماعات والفئات والشخصيات الأجنبية والغريبة لأصولها الوطنية وجذورها الحقيقية، وتدّعي أنسابًا ليست لها؛ فالكذب والمكر والنفاق أساسُ الخراب الاجتماعي .**

وهنا تبدأ الحكاية العراقية الأكثر تعقيداً.

# العراق: بلاد لم تعرف تاريخاً بسيطاً

العراق لم يكن مجتمعاً مغلقاً منذ فجر التاريخ… ؛  لقد كان، بحكم موقعه، أحد أكبر مسارح الحركة البشرية في العالم القديم والوسيط والحديث… ؛ اذ تعاقبت عليه إمبراطوريات وسلالات وجيوش وهجرات وقوافل، واختلط فيه العربي بالكردي والتركماني والفارسي والآشوري والكلداني والأرمني واليهودي والمسيحي والصابئي والإيزيدي وغيرهم.

ولهذا فإن البحث عن «العراقي النقي» بالمعنى العرقي الصارم بحث عن شيء لم يكن موجوداً أصلاً.

لكن ثمة شيء آخر كان موجوداً، وهو **المجتمع العراقي المتشكل تاريخياً**؛ أي السكان الذين عاشوا في هذه الجغرافيا، وتداخلت حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وشاركوا في إنتاج مدنها وريفها وأسواقها وطقوسها ومؤسساتها وحضارتها .

وهنا تكمن أهمية التمييز بين **الأصل العراقي العريق ** و**الانتماء الوطني**.

فليس كل عراقي منحدراً من أسرة قدمت إلى العراق قبل ألف عام، وليس كل وافد أو مهاجر عدواً للعراق… ؛  كما أن العراقي من أصل أجنبي قد يكون أكثر وطنية من عراقي يحمل نسباً قديماً لكنه يعمل لمصلحة دولة أجنبية.

التاريخ لا يمنح صكوك الوطنية بالدم النقي والعرق فحسب ، وإنما بالأفعال والانتماء والمشاركة والمسؤولية.

# حين تصبح الدولة أداة فوق المجتمع

مع ذلك، فإن التاريخ السياسي للعراق الحديث يقدم بالفعل نماذج واضحة على تدخل القوى الخارجية والفئة الهجينة في تشكيل مؤسسات الدولة والنخب الحاكمة.

بعد الحرب العالمية الأولى، انهارت الدولة العثمانية، واحتلت بريطانيا بلاد الرافدين العظيمة ، ثم جرى تأسيس دولة العراق الحديثة تحت الانتداب البريطاني… ؛  وقد غيّر هذا الانتقال بصورة جذرية طبيعة السلطة والهويات السياسية وشكل العلاقة بين الدولة والمجتمع , كما انه قضم وسلخ الكثير من الاراضي العراقية الشاسعة لصالح دول الجوار .

وفي عام 1920 اندلعت الثورة العراقية ضد الوجود البريطاني، وكانت ثورة واسعة شاركت فيها قوى اجتماعية ودينية وقبلية متعددة… ,  وقد شكّلت هذه الثورة نقطة فاصلة في علاقة العراقيين بالانتداب، وأجبرت بريطانيا على إعادة التفكير في طريقة حكم البلاد.

ثم جاء الغريب فيصل الأول إلى العراق عام 1921، وأقيم النظام الملكي في ظل رعاية بريطانية واضحة… ,  وهذه ليست مسألة هامشية في دراسة الدولة العراقية؛ إذ يرى عدد من الباحثين أن بنية الدولة التي تشكلت في تلك المرحلة كانت إلى حد كبير استجابة لمتطلبات القوة الاستعمارية وللتوازنات التي أرادتها بريطانيا، أكثر مما كانت تعبيراً مكتمل النضج عن عقد اجتماعي عراقي داخلي اصيل .

ومن هنا يمكن فهم إحدى العقد الأساسية في الشخصية السياسية العراقية: **نشوء دولة حديثة قبل اكتمال التوافق الاجتماعي حول شكلها وحدود سلطتها وهويتها السياسية.**

# الانتداب لم يكن مجرد وجود عسكري

ليس من الدقة اختزال الاحتلال البريطاني في وجود الجنود وحدهم… ,  فقد كان الاحتلال مشروعاً لإعادة تنظيم الدولة والمجتمع والاقتصاد والإدارة.

وتشير الدراسات إلى أن القوات البريطانية التي دخلت العراق اعتمدت بدرجة كبيرة على قوات هندية، وأن الإدارة البريطانية تعاملت مع العراق بوصفه جزءاً من منظومة إمبراطورية أوسع مرتبطة بالهند والخليج والمصالح النفطية والتجارية.

وهذا يفسر لماذا ظهر في العراق آنذاك موظفون وجنود وموظفون إداريون وعناصر مرتبطة بالإدارة البريطانية من خلفيات متعددة.

لكن يجب هنا تجنب تحويل هذه الحقيقة التاريخية إلى اتهام جماعي لكل هندي أو كل مهاجر أو كل موظف أجنبي؛ فالاستعمار هو المسؤول عن البنية الاستعمارية، وليس كل فرد ينتمي إلى قومية معينة.

المشكلة ليست في الهندي لأنه هندي، ولا في الإيراني لأنه إيراني، ولا في التركي لأنه تركي؛ المشكلة في استخدام الإنسان القادم من الخارج أداةً لمشروع سياسي أجنبي حاقد ومشبوه ... ؛ وهذا فرق جوهري.

# المدن المقدسة والهجرة: الحقيقة أكثر تعقيداً من الأسطورة

تقدم النجف وكربلاء نموذجاً شديد الأهمية.

فالمدينتان لم تكونا قط مجتمعات مغلقة قومياً… ؛ لقد استقبلتا على مدى قرون علماء وطلاباً وتجاراً وزائرين من إيران والهند ولبنان ومناطق أخرى.

وتؤكد الدراسات التاريخية أن النجف أصبحت، خصوصاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مركزاً علمياً شيعياً دولياً، واستقر فيها علماء وطلاب من جنسيات متعددة، بينما كانت كربلاء ذات حضور فارسي كبير، حتى إن المصادر تشير إلى أن عدد سكان كربلاء بلغ نحو 85 ألفاً عام 1911، وشكل الإيرانيون النسبة الأكبر من سكان المدينة في تلك الفترة… ؛ وفق تقديرات تاريخية محددة.

كما تشير المصادر إلى أن العلاقات بين المجتمعين الإيراني والعراقي لم تكن مجرد علاقة مهاجرين وسكان محليين، بل ارتبطت بالتجارة والحوزة والزيارة والأوقاف والدفن والعلاقات القنصلية والسياسية.

إذن فالهجرة موجودة، والتأثير الخارجي موجود، والامتيازات الاقتصادية لبعض الجماعات موجودة في مراحل تاريخية معينة؛ لكن تحويل هذه  الجماعات الى فئة هجينة عنصرية تعادي الاغلبية العراقية الاصيلة ؛ يمثل خطرا يهدد مستقبل العراق والاغلبية والامة العراقية والهوية الوطنية … ؛ والأخطر منه أن يتحول التاريخ إلى أداة بيد ابناء الفئة الهجينة .

# من «الفئة الهجينة» إلى مفهوم أدق

إذا أردنا أن نحتفظ بجوهر الأطروحة دون الوقوع في فخ العنصرية، فإن التعبير الأدق ليس «الفئة الهجينة» بمعناها العرقي، بل: النخب والجماعات والشخصيات والعوائل الهجينة المعادية للأغلبية والامة العراقية والهوية الوطنية والتي لا تربطها اية وشيجة بالعراق والامة العراقية  .

والمقصود بها تلك الفئات المشبوهة والمنكوسة التي تتشكل مصالحها بين الداخل والخارج، فتكون لها شبكات اقتصادية أو دينية أو سياسية أو عائلية أو أمنية تتجاوز حدود الدولة، وتصبح مستعدة للتعامل مع السلطة الأجنبية أو المحلية المعادية للأغلبية العراقية الاصيلة  بحسب ما يحقق لها النفوذ والمصلحة.

هذه الظاهرة ليست عراقية وحدها.

وقد يكون أفراد هذه النخب عرباً أو أكراداً أو تركماناً أو فرساً أو أتراكاً، وقد يكونون سنة أو شيعة أو مسيحيين أو غير ذلك… ؛ فالهوية الطائفية أو القومية لا تمنح أحداً شهادة وطنية، كما أن الأصل الأجنبي لا يمنح صاحبه شهادة خيانة ولكنه يبيّن عدم عراقيته فحسب … ؛ فالمعيار القانوني هو: لمن تنتمي مصالحه عندما تتعارض مصلحة العراق مع مصلحة الخارج؟

والمعيار الهوياتي الوطني هو: إلى مَن تعود جذوره؟ ومتى هاجر إلى العراق؟ ولماذا أخفى أصوله وادّعى أصولًا عراقية أو أنسابًا عربية زورًا وكذبًا؟

# اشكالية الجنسية العراقية

ومن المفيد هنا مراجعة التاريخ القانوني للجنسية العراقية.

فقانون الجنسية العراقي رقم 42 لسنة 1924 لم يبن الجنسية على مفهوم «نقاء الأصل»، بل وضع قواعد لاكتساب الجنسية، ومنها اعتبار العثمانيين المقيمين عادة في العراق عند تاريخ محدد عراقيين، إضافة إلى قواعد أخرى تتعلق بالأصل والإقامة والولادة والتجنس.

وهذا يعني أن الدولة العراقية الحديثة نفسها لم تُبنَ على قاعدة تقول إن كل من لم يكن من «سلالة عراقية خالصة» لا يمكن أن يكون عراقياً... ؛ بل على العكس: الدولة الحديثة تحتاج إلى قانون للجنسية لأنها تعترف بأن الهوية السياسية يمكن أن تتجاوز الأصل العائلي.

مما أدى إلى نتائج كارثية دمّرت النسيج الاجتماعي، وعرّضت العراق لكوارث ونكبات جمّة لا تزال نتائجها واضحة للعيان حتى هذه اللحظة؛ إذ جرى تجنيس شذّاذ الآفاق وشراذم المرتزقة من بقايا العثمانيين ورعايا العجم والإنكليز؛ وبما أن هؤلاء لا تربطهم وشيجةٌ بأبناء الأغلبية والأمة العراقية، بادلوهم مشاعر الحقد والكراهية والعنصرية، التي تجلّت في سلوكياتهم وسياساتهم الغاشمة، التي ألحقت أفدح الأضرار بالعراق والأغلبية والأمة العراقية.

ومن هنا يصبح مطلب «سحب الجنسية من كل من تجنس منذ عام 1921» مطلباً ضرورياً لتخليص العراق من النعرات القومية والعنصرية والطائفية ؛ لأنه يحول الجنسية من رابطة قانونية إلى امتياز عرقي وهوية وطنية خاصة بالعراقيين الاصلاء وسكان البلد القدامى ، ويسد الباب أمام هجرات وتسلل الاجانب والغرباء والعملاء واصحاب السوابق والدجالين والمتسولين والمنكوسين والمجرمين … .

# المشكلة الحقيقية: احتكار التمثيل

وراء هذه الظاهرة توجد مشكلة حقيقية ينبغي ألا نهرب منها.

قد يشعر مجتمع ما بأنه **لا يمثل نفسه في مؤسسات الدولة**، أو أن نخباً مرتبطة بالخارج تستولي على القرار السياسي والاقتصادي والديني، أو أن جماعات محلية اصيلة  تُدفع إلى الهامش فيما تتقدم شبكات ابناء الفئة الهجينة واصحاب النفوذ العابرة للحدود.

وهذا الشعور لا ينبغي السخرية منه.

فالدولة التي تجعل أبناء المجتمع يشعرون بأنهم غرباء داخل بلدهم تنتج تلقائياً الاحتقان والشك والعداء للسلطة.

ومن هنا يمكن تفسير جانب من ظواهر **بغض الحاكم، ومقاومة الحكومة، والشك في الدولة** في التاريخ العراقي؛ لا باعتبارها صفات فطرية في العراقيين، وإنما باعتبارها نتيجة متراكمة لتجارب طويلة من الحكم المركزي للفئة الهجينة والغريبة والاجنبية والقمع والحروب والتدخل الأجنبي والانقلابات والصراعات الطائفية والقومية.

# من الهجرة إلى التمييز

كان من الممكن أن يتحول التنوع العراقي إلى ثراء اجتماعي، لكنه كثيراً ما تحول إلى وسيلة للتصنيف والاحتقار... ؛ فظهرت عبر التاريخ ألفاظ تصنيفية متعددة: «نبط»، «موالي»، «علوج»، «عجم»، «عربان»، «معدان»، «شرجية» وغيرها، وتغيرت دلالات هذه الألفاظ بحسب العصر والسياق والجهة التي تستخدمها... ؛ وكلها استخدمت من قبل الاجانب والغرباء وابناء الفئة الهجينة ضد ابناء الاغلبية والامة العراقية الاصيلة .

لكن ينبغي الحذر من إعادة إنتاج هذه اللغة اليوم.

فإذا كانت إحدى مشكلات العراق التاريخية هي **احتقار الإنسان بسبب أصله أو لهجته أو منطقته أو طائفته**، فلا يمكن علاجها بإنتاج قاموس جديد من الإهانات المضادة.

لا يمكن محاربة العنصرية بعنصرية أخرى.

ولا يمكن الدفاع عن العراقيين الاصلاء  بتجريد  المواطنين المجنسين من حقوقهم القانونية بسبب جذورهم الاجنبية واصولهم غير العراقية .

# العراق ليس مختبراً لتجميع القوميات والفئات الاجنبية

من أخطر الأوهام أن نتخيّل أن المدن العراقية يجب أن تكون ذات صبغة عالمية، وأن تستقبل كلَّ من هبَّ ودبَّ بحجّة قوانين التجنيس الفاشلة؛ بل إن العراق وطنٌ يحتضن أبناءه ويحافظ على هويته ونسيجه الاجتماعي فحسب ؛ فالعراق ليس دولةً مفتوحةً بلا ضوابط، ولا منظمةَ إغاثة، ولا مخيماً للاجئين، ولا مكاناً لاستيطان المتدينين من شتّى أصقاع العالم.

# أخطر من الأصل: شبكة المصالح

قد يكون رجل من أسرة قدمت إلى العراق قبل قرون عميلاً لدولة أجنبية، وقد يكون رجل من أسرة مهاجرة قبل جيلين أكثر إخلاصاً للعراق من كثير من أصحاب الأنساب القديمة.

لذلك ينبغي أن نبحث عن:

* مصادر التمويل.

* شبكات المصالح.

* العلاقات الخارجية.

* ازدواج الولاء.

* النفوذ الاقتصادي.

* التدخل السياسي.

* السيطرة على المؤسسات.

* استغلال الدين أو القومية أو الطائفة.

* التلاعب بالهوية الوطنية.

* استخدام الدولة لخدمة جماعة أو دولة أخرى.

*معاداة الاغلبية العراقية الاصيلة.

*تصغير العراق والاستهانة به , بحجج شتى وذرائع واهية .

هذه هي **الهجنة السياسية الحقيقية**.

أما لون البشرة، واسم العائلة، واللهجة، ومكان ولادة الجد، فلا تكفي وحدها لإدانة أحد.

# لماذا فشلت الدولة في إنتاج هوية جامعة؟

لأن العراق الحديث مرّ بسلسلة من الانقطاعات الكبرى: الانتداب، الملكية، الانقلابات العسكرية، الجمهورية، صعود القومية، البعث، الحروب، العقوبات، الاحتلال الأميركي، المحاصصة، والتدخلات الإقليمية.

كل مرحلة أعادت تعريف «العراقي» وفق حاجتها السياسية.

ولهذا صار العراقي أحياناً يُعرَّف بوصفه عربياً، أو كردياً، أو سنياً، أو شيعياً، أو شيوعياً، أو قومياً، أو بعثياً، أو إسلامياً، أو مدنياً، أو عشائرياً.

وبدلاً من أن تكون الدولة مظلة لهذه الهويات، تحولت الدولة نفسها في مراحل كثيرة إلى ساحة للصراع بينها.

وهنا تكمن المأساة.

# التاريخ لا يبرئ أحداً

لا يمكن تحميل البريطانيين وحدهم مسؤولية كل ما حدث في العراق، كما لا يمكن تحميل العثمانيين وحدهم، ولا الإيرانيين، ولا الأتراك، ولا العرب.

لقد كانت هناك قوى خارجية، نعم؛ لكن كانت هناك أيضاً نخب وشخصيات وفئات هجينة تعاونت معها... ؛ وهذه حقيقة ينبغي أن تكون مؤلمة لكنها ضرورية... ؛ فالاستعمار لا يعمل وحده.

كل قوة أجنبية تحتاج إلى وكلاء محليين، وكل وكيل محلي يحتاج إلى قوة خارجية تحميه.

وقد شهد العراق بالفعل تعاوناً بين سلطات أجنبية ونخب وشخصيات هجينة في مراحل متعددة، كما استخدمت بريطانيا شبكة من الإداريين والسياسيين والوجهاء والعسكريين من ابناء الفئة الهجينة ؛ لإدارة الدولة الجديدة، في الوقت الذي كانت فيه المقاومة العراقية للاحتلال تتسع، ولا سيما خلال ثورة 1920.

لكن هذا لا يعني أن كل سياسي تعاون مع البريطانيين كان أجنبياً، ولا أن كل معارض بريطاني كان عراقياً «أصيلاً». فالتاريخ أكثر تعقيداً من هذه الثنائية.

# وهنا تظهر المعضلة العراقية الكبرى

العراقي الذي يرفع شعار «الأصالة» قد يتحول إلى عنصري.

والعراقي الذي يرفع شعار «المواطنة» قد يتحول إلى مبرر للتدخل الخارجي.

والذي يرفع راية الطائفة قد ينسى العراق.

والذي يرفع راية القومية قد يحتقر مكونات أخرى.

والذي يرفع راية الدين قد يحول المقدس إلى مؤسسة سياسية.

والذي يرفع راية الدولة قد يستخدمها لإقصاء المجتمع.

ولهذا فإن المطلوب ليس **عراق التجنيس والمواطنة القانونية **، وإنما **عراق الانتماء والهوية الوطنية الاصيلة والامة العراقية **.

فقد أثبتت التجارب التاريخية أن أغلب الذين هاجروا إلى العراق حديثًا، أو الذين حصلوا على الجنسية العراقية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، إنما أساؤوا إلى الأغلبية والأمة العراقية الأصيلة، وألحقوا أفدح الأضرار بالمصالح الوطنية، ولم يستفد العراق منهم شيئًا؛ وعليه، فإن المطلوب منا الآن هو تصحيح المسيرة العراقية، وتخليصها من مخرجات الدولة العراقية الحديثة التي أُسِّست برعاية بريطانية خبيثة، ومن آثار الفئة الهجينة المنكوسة؛ فالعراق للعراقيين، وليس للأجانب والغرباء المجنّسين.

# لا يجوز أن يصبح العراقي غريباً في وطنه

لا يجوز أن يشعر المواطن الذي عاش أجداده في العراق بأنه غريب في وطنه، ولا يجوز في الوقت نفسه أن يُعامل المواطن الذي جاء إلى العراق ثم أصبح عراقياً قانوناً وإنسانياً بوصفه مواطناً من الدرجة الاولى ... ؛ فالدولة العادلة هي التي تمنع الأمرين معاً.

اذ تمنع تهميش السكان التاريخيين... ؛ وكذلك تمنع أيضاً اضطهاد المواطنين المجنسين  بسبب أصولهم الاجنبية والغريبة .

## الهوية العراقية ليست مقبرة للهويات

ليس المطلوب أن يختفي الصابئي أو الإيزيدي أو المسيحي أو الكردي أو التركماني أو العربي أو الشيعي أو السني داخل هوية قسرية.

فالأمة العراقية، إذا أردنا لها أن تعيش، يجب أن تكون **هوية جامعة لا هوية استئصال**.

فالهوية الوطنية القوية لا تخاف من التعدد الوطني الاصيل ... ؛ الذي يخاف من التعدد هو الذي لا يثق بهويته الوطنية ... ؛ إلا أن الخطر يكمن في جعل أبواب العراق مشرَّعة أمام موجات الهجرة الأجنبية، وتجنيس الغرباء، وتسليط الدخلاء على العراقيين الأصلاء؛ فهذا الأمر يجعل المعادلة مقلوبة… ؛  فهل سمعتم بأن ألمانيًّا من ذوي الجذور الجرمانية يعمل خادمًا لدى مواطنٍ من أصول إفريقية حصل على الجنسية الألمانية قبل مئة عام أو قبل خمسين سنة؟!

نعم، قد يحصل المواطن المُجنَّس على كامل حقوق المواطنة القانونية، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى «ألماني أصيل» بالمعنى التاريخي والثقافي والاجتماعي للكلمة… ؛  كما أن تجنيس الأجانب لا يعني تقديمهم على أبناء البلد الأصليين أو منحهم امتيازات تتجاوز حقوق المواطنين الوطنيين .

وها هي أمامك دول العالم؛ قلّما تجد دولةً محترمةً تقدّم الغرباء على أبناء الوطن، أو تجعل المُجنَّس أسبق من المواطن المتجذر في حقوقه ومكانته… ؛  أما في العراق، فقد حدثت العجائب منذ عام 1921 وحتى هذه اللحظة.

# الخطر الحقيقي هو الدولة التي لا تنتمي إلى مجتمعها

قد يكون أخطر ما ورثه العراق من قرنه الأخير ليس وجود هذا العرق أو ذاك، ولا وجود هذه الطائفة أو تلك، وإنما **الفجوة بين الدولة والمجتمع**.

حين يشعر المواطن أن الدولة لا تمثله، يصبح القانون في نظره أداة قهر.

وحين يشعر أن السلطة تُدار من خارج المجتمع – أي من الفئة الهجينة المرتبطة بالخارج – ، يصبح السياسي مشبوهاً.

وحين يشعر أن الثروة لا تعود إلى الناس، يصبح الاقتصاد غنيمة.

وحين يشعر أن المؤسسات الدينية أو الثقافية أو السياسية تخدم شبكات هجينة ومنكوسة مغلقة، يتحول الدين والثقافة والسياسة إلى أدوات نفوذ غريب .

وهذه ليست مشكلة «الهجين» بمعناه البيولوجي، وإنما مشكلة **النخبة الهجينة المغلقة والعنصرية ، والزبائنية السياسية، والولاءات العابرة للحدود، واحتكار المؤسسات**.

# خاتمة: من «الأصالة» إلى المواطنة التاريخية

إذا كان ثمة درس يستحق أن نستخلصه من التاريخ العراقي، فهو أن العراق دفع ثمناً باهظاً عندما أصبح **التمثيل السياسي منفصلاً عن المجتمع، وعندما تحولت الدولة إلى أداة لقوة خارجية، وعندما احتكرت الفئة الهجينة تعريف الوطنية، وعندما صار الولاء للفئة الهجينة او الطائفة السنية الكريمة معياراً للحقوق السياسية.**

أما العلاج، فلا يكون إلا بسحب الجنسية العراقية من جميع الأجانب والغرباء الذين جرى تجنيسهم برعاية تركية أو بريطانية أو عربية أو إيرانية وغيرها، خلال القرنين الماضي والحالي، وإصدار قانون يمنع منح الجنسية العراقية للأجانب والغرباء… ؛ فقد أثبتت التجارب التاريخية أن أبناء الفئات الهجينة كانوا من أشدّ الخصوم لمشروع الأمة العراقية، وأكثر الناس حقدًا على العراق والأغلبية العراقية.

نعم , قد شهد العراق، خلال القرنين الماضي والحالي، موجات من الهجرة والتوطين والتجنيس ارتبط بعضها بمخططات مشبوهة ومؤامرات خبيثة تستهدف الاغلبية والامة العراقية ؛ واحداث تغييرات ديموغرافية منكوسة وباطلة .

كما أثبتت التجارب التاريخية أن بعض الفئات والشخصيات الهجينة التي جرى توظيفها سياسياً، أو ارتبطت مصالحها بقوى خارجية، قد تتحول إلى خصم لمشروع الدولة الوطنية، لكن من الخطأ تعميم ذلك على جميع المواطنين من أصول اجنبية وغريبة .

العلاج في بناء دولة تعرف الفرق بين **المواطن الأصيل والدخيل، والوطني والعميل، وبين المهاجر والمتآمر، وبين التنوع والتبعية، وبين الهوية والتعصب.**

**نريد دولةً لا يكون فيها العراقي الأصيل غريبًا في بلده.**

**نريد دولةً تحترم تاريخ سكانها، وتحمي ذاكرتهم، وتصون مدنهم ومؤسساتهم وثرواتهم.**

فالعراق للعراقيين، وليس للإيرانيين أو المصريين أو الشاميين أو الخليجيين، ولا للأكراد والتركمان والعرب غير العراقيين؛ كما أن الهند للهنود، وبلاد فارس للفرس، وجزيرة العرب للعرب، وتركيا للأتراك، ومصر للمصريين.