جديد

سجادة القذافي التي فضحت بلغاريا: كيف تحولت صلاة في مسجد صوفيا إلى أزمة دبلوماسية؟

إيهاب مقبل

في يونيو حزيران 1978، وصل معمر القذافي إلى بلغاريا على رأس وفد ليبي في زيارة حملت منذ بدايتها أهمية سياسية ودينية خاصة. لم تكن صوفيا تستقبل مجرد زعيم عربي، بل قائد دولة تتبنى خطابًا إسلاميًا وثوريًا، فيما كان النظام البلغاري الشيوعي حريصًا على تقديم صورة مختلفة تمامًا عن تلك التي كانت تتداولها الأوساط الإسلامية والإعلامية خارج البلاد بشأن أوضاع المسلمين.

ولهذا كانت زيارة القذافي لمسجد صوفيا أكثر من محطة في برنامج رسمي. كانت اختبارًا للصورة التي أرادت السلطة البلغارية أن تقدمها عن علاقتها بالدين الإسلامي.

قبل وصول القذافي، اتخذت السلطات إجراءً بسيطًا في ظاهره، لكنه سيصبح لاحقًا محور أزمة غير متوقعة: فُرش المسجد بسجاد فارسي جديد بأمر من وزارة الخارجية.

كان المشهد جاهزًا لاستقبال الزعيم الليبي. مسجد يبدو في أفضل حالاته، وسجادة جديدة تحت قدمي الضيف، ومسؤولون مستعدون للتأكيد أن المسلمين في بلغاريا يمارسون شعائرهم بحرية.

لكن ما حدث بعد مغادرة القذافي سيجعل تلك السجادة تتحول إلى شاهد على شيء أكبر بكثير من مجرد زيارة رسمية.

القذافي يسأل السؤال المحرج: ماذا يحدث للمسلمين في بلغاريا؟
في 19 يونيو حزيران 1978، دخل القذافي مسجد صوفيا وأدى الصلاة، ثم جلس على الأرض وأجرى حديثًا مطولًا مع المفتي البلغاري مصطفى توبتشيف.

لم يكن الحديث مجاملة دينية عابرة. فقد طرح القذافي أسئلة مباشرة عن أوضاع المسلمين في بلغاريا، ونقل إلى المفتي ما كان يتردد في العالم الإسلامي عن تعرض المسلمين للملاحقة والتعذيب والسجن والقتل، وعن حرمانهم من ممارسة دينهم بحرية.

كان السؤال في جوهره سياسيًا بقدر ما كان دينيًا: هل يعيش المسلمون في بلغاريا فعلًا بحرية، أم أن النظام الشيوعي يخفي وراء خطابه الرسمي سياسة تضييق على الدين والهوية الإسلامية؟

جاء رد المفتي البلغاري دفاعيًا. تحدث عن أعداد المساجد والأئمة، وأكد أن الشعائر الدينية تُمارس بحرية، ونفى وجود تغيير قسري لأسماء المسلمين.

وبحسب التقرير الذي أعدته أجهزة أمن الدولة البلغارية، نجح المفتي في إقناع القذافي بأن ما تنشره وسائل الإعلام الأجنبية عن اضطهاد المسلمين في بلغاريا ليس سوى «دعاية إمبريالية».

في تلك اللحظة، كانت السلطات قد حققت هدفًا سياسيًا بالغ الأهمية: إقناع زعيم عربي ومسلم بأن الصورة المتداولة عن اضطهاد المسلمين في بلغاريا لا تعكس الحقيقة.

لكن المشكلة أن المشهد لم ينتهِ بخروج القذافي من المسجد. بل بدأ.

ما إن غادر القذافي.. اختفى السجاد
ما إن غادر القذافي مسجد صوفيا حتى أُعيد السجاد الفارسي الجديد إلى المخزن. وهذه هي اللحظة التي تحولت فيها القصة من بروتوكول إلى فضيحة داخل أروقة السلطة.

كان المفتي العام لليبيا الشيخ محمود صبحي لا يزال في بلغاريا، بينما غادر القذافي إلى تشيكوسلوفاكيا. وفي اليوم التالي، زار الشيخ صبحي المسجد برفقة السفير الليبي.

وهناك رأى ما لم يكن متوقعًا أن يراه.

السجاد الذي كان مفروشًا أثناء صلاة القذافي اختفى، والمدخل الرئيسي للمسجد كان مغلقًا.

حاول الإمام تقديم تفسير يتعلق بأعمال الترميم، لكن المفتي الليبي، بحسب التقرير الأمني البلغاري، لم يقتنع.

فالرجل لم يكن مجرد عضو في وفد رسمي. كانت الوثائق البلغارية تصفه بأنه شخصية شديدة النفوذ، وتشير إلى أن القذافي كان يولي له اهتمامًا خاصًا.

وبعد ذلك بقليل، وقعت المفاجأة: غادر الشيخ صبحي بلغاريا بصورة مفاجئة، متوجهًا إلى طرابلس بحجة وجود أمور ملحّة.

السجادة التي تحولت إلى أزمة دبلوماسية
قد يبدو من السهل اختزال الحادثة في غضب رجل دين بسبب سجادة. لكن هذا التفسير يغفل جوهر القضية.

المفتي الليبي كان قد سمع قبل ساعات فقط تأكيدات رسمية عن حرية المسلمين وعن وضع المساجد في بلغاريا. ثم عاد إلى المكان نفسه بعد مغادرة القذافي ليجد أن المسجد لم يعد على الصورة ذاتها.

لم تكن المسألة إذن: لماذا أزيلت السجادة؟

بل: لماذا احتاج المسجد أصلًا إلى تلك السجادة في أثناء زيارة القذافي؟

هذا السؤال هو الذي جعل الحادثة خطيرة بالنسبة إلى السلطات.

واللافت أن أمن الدولة البلغاري نفسه أدرك خطورة الأمر. فقد اعتبر في تقريره أن التصرف المتعلق بالسجاد يمكن أن يثير لدى الضيوف شكوكًا حول حقيقة حرية ممارسة الشعائر الدينية في البلاد.

أي أن الجهاز الأمني لم يرَ في السجادة مجرد قطعة أثاث، وإنما رأى فيها مشكلة تتعلق بمصداقية الدولة نفسها.

خلفية أكثر قتامة: المسلمون تحت الحكم الشيوعي
لفهم سبب حساسية أسئلة القذافي، لا بد من وضعها في سياقها التاريخي. فالعلاقة بين النظام الشيوعي البلغاري والمجتمعات المسلمة لم تكن مستقرة أو بسيطة. وبعد فترة شهدت في الخمسينيات بعض أشكال السماح بالتعليم والثقافة الخاصة بالأقلية التركية، بدأت الدولة في عهد تودور جيفكوف تتجه بصورة متزايدة نحو سياسات الاستيعاب والضغط على الهوية التركية والإسلامية. وتشير مصادر بلغارية تاريخية إلى أن القيود على الممارسات الإسلامية وتغيير الأسماء العربية كانت قد بدأت قبل الحملة الكبرى في الثمانينيات.

وبالتالي، عندما سأل القذافي عام 1978 عن اضطهاد المسلمين، لم يكن يتحدث عن ملف اخترعته الدعاية من فراغ، حتى لو أن التفاصيل والأوضاع اختلفت باختلاف الفترة والجماعة والمنطقة. لكن المرحلة الأكثر قسوة كانت لا تزال في المستقبل.

1984.. عندما تحولت سياسة الاستيعاب إلى حملة قسرية
بعد نحو ست سنوات من زيارة القذافي، دخلت سياسة الدولة تجاه المسلمين مرحلة أكثر عنفًا. ففي 1984–1985 أطلق النظام ما سماه «عملية الإحياء»، وهي حملة قسرية هدفت إلى طمس جانب أساسي من الهوية التركية والإسلامية لدى مئات الآلاف من المواطنين.

فُرضت أسماء بلغارية على أعداد هائلة من المسلمين، ورافق ذلك تقييد لاستخدام اللغة التركية وممارسات دينية وثقافية، فضلًا عن الاعتقالات والاحتجاز والقمع. وتصف الدراسات الأكاديمية الحديثة العملية بأنها سياسة استيعاب قسري استهدفت المسلمين، وفي مقدمتهم البلغار من أصول إسلامية.

وتشير المصادر البلغارية إلى أن حملة تغيير الأسماء ارتبطت باستخدام الشرطة وأجهزة أمن الدولة والجيش، وأن مئات الأشخاص تعرضوا للاعتقال، فيما سقط قتلى وجرحى خلال الاحتجاجات والمواجهات.

وفي صيف 1989، وصلت الأزمة إلى ذروتها مع خروج أكثر من 300 ألف شخص من بلغاريا باتجاه تركيا في موجة الهجرة الجماعية التي عُرفت باسم «الهجرة الكبرى». وفي ديسمبر كانون الأول من العام نفسه، أُعلن رسميًا إنهاء «عملية الإحياء»، وأُعيد فتح الطريق أمام استعادة الأسماء التقليدية.

وهنا تكمن مفارقة تاريخية لا يمكن تجاهلها: السلطات البلغارية كانت تؤكد للقذافي عام 1978 أن المسلمين يمارسون دينهم بحرية، ثم أصبحت بعد سنوات قليلة مسؤولة عن واحدة من أكثر حملات الاستيعاب القسري قسوة في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية.

المفارقة: القذافي اقتنع.. ثم جاءت السجادة
المفارقة الأكثر إثارة أن القذافي نفسه خرج من المسجد، وفق الرواية الموجودة في الوثائق البلغارية، بانطباع إيجابي.

لقد دخل وهو يحمل أسئلة وشكوكًا، وخرج مقتنعًا بأن ما يقال في الإعلام الغربي عن اضطهاد المسلمين في بلغاريا هو دعاية سياسية.

لكن بعد مغادرته مباشرة وقع ما لم يكن في الحسبان. اختفى السجاد. والمفتي الليبي، الذي بقي في البلاد، رأى الفرق بعينيه. هنا أصبح المشهد أكثر تعقيدًا من أي خطاب رسمي.

فالكلمات قالت إن المسجد يعمل بصورة طبيعية، بينما أوحت التفاصيل بأن شيئًا ما جرى إعداده خصيصًا للضيف.

عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة
تكشف هذه الواقعة جانبًا مهمًا من طبيعة الأنظمة المغلقة: إدارة الصورة أمام الخارج.

كانت السلطة قادرة على تجهيز المسجد، وإعداد الخطاب الرسمي، وتقديم الإحصاءات، والتأكيد على حرية العبادة.

لكنها لم تكن قادرة على التحكم فيما يراه الضيف بعد انتهاء مراسم الاستقبال. وهذا هو سبب أهمية السجادة.

فهي لم تثبت وحدها كل ما كان يحدث للمسلمين في بلغاريا، لكنها كشفت شيئًا آخر بوضوح: أن السلطات كانت تدرك أن صورة الوضع الديني أمام الأجانب مسألة سياسية حساسة إلى أقصى حد.

ولهذا جاء رد فعل جهاز أمن الدولة نفسه حاسمًا؛ إذ رأى أن الحادثة قد تثير الشكوك حول الرواية الرسمية.

مسجد صوفيا.. أكثر من مكان للصلاة
لم يكن مسجد صوفيا مجرد مبنى ديني في تلك المرحلة. ففي دولة شيوعية كانت تسعى إلى فرض تصور موحد للهوية الوطنية والمجتمع، كان المسجد يمثل أيضًا حضورًا علنيًا للهوية الإسلامية.

ولهذا كانت حالة المسجد وتجهيزاته ورجاله ودرجة نشاطه الديني مسائل تتجاوز الجانب الديني البحت.

وعندما يدخل إليه زعيم عربي مسلم مثل القذافي، تصبح كل التفاصيل قابلة للقراءة السياسية.

السجاد، المدخل، الإمام، المفتي، وحتى شكل المكان، كلها تصبح جزءًا من الصورة التي يراها الضيف.

ولهذا فإن ما حدث بعد صلاة القذافي لم يكن تفصيلًا هامشيًا كما قد يبدو اليوم.

المفتي الليبي يغادر.. والسلطات تبحث عن مخرج
بعد مغادرة الشيخ صبحي المفاجئة، أدركت السلطات البلغارية أنها أمام مشكلة صنعتها بنفسها.

ووفق الوثائق التي تناولت الحادثة، اقترحت أجهزة أمن الدولة أن يجري عبر وزارة الخارجية حل مسألة شراء سجاد مناسب للمسجد، على أن يتكفل ديوان الإفتاء العام بتكاليفه.

وهكذا وصلت السلطات إلى نتيجة ساخرة: السجاد الذي رفضت سابقًا فكرة استبداله أو قبول المساعدة الليبية بشأنه، أصبح فجأة مشكلة ينبغي حلها حتى لا تتكرر الحادثة أمام الزوار الأجانب.

لم يعد الأمر متعلقًا بالأثاث. لقد أصبح متعلقًا بصورة بلغاريا أمام العالم الإسلامي.

القذافي لم يحتج إلى خطاب.. السجادة قالت ما يكفي
تكمن قوة هذه القصة في بساطتها. فلم يحتج القذافي إلى مواجهة علنية مع القيادة البلغارية. ولم يحتج المفتي الليبي إلى إصدار بيان سياسي ضد صوفيا.

يكفي أن يكون المسجد مفروشًا بسجاد جديد عندما يدخل الزعيم الليبي، ثم يختفي السجاد عندما يغادر.

يكفي أن يسمع المفتي كلامًا عن حرية الدين، ثم يرى بنفسه تغير المشهد.

وفي الأنظمة التي تراقب كل شيء، يمكن لتفصيل صغير أن يكون أخطر من خطاب سياسي طويل. لأن الخطاب يمكن صياغته. أما المشهد الذي يراه الإنسان بعينيه، فمن الصعب محوه.

الخلاصة: سجادة واحدة كشفت ما وراء المشهد
بعد قرابة نصف قرن، تبدو قصة مسجد صوفيا والسجاد الفارسي وكأنها تفصيل صغير في زيارة سياسية قديمة. لكن الوثائق تجعلها أكثر من ذلك بكثير.

إنها تكشف حساسية النظام البلغاري تجاه صورة أوضاع المسلمين أمام الخارج، وتظهر أن ملف الحرية الدينية كان حاضرًا في العلاقة مع ليبيا منذ عام 1978، قبل أن تدخل بلغاريا لاحقًا في واحدة من أكثر مراحل الصدام قسوة مع المسلمين.

كما تكشف المفارقة التي لا تزال لافتة حتى اليوم: السلطات تمكنت من إقناع القذافي بالكلمات، لكنها فشلت في إقناع مفتي ليبيا بما رأته عيناه.

وفي النهاية، لم تكن الحكاية حكاية سجادة. كانت حكاية صورة أراد النظام أن يصنعها، وواقع لم يستطع أن يخفيه بالكامل.

ولهذا بقيت السجادة، رغم أنها قطعة قماش، واحدة من أكثر التفاصيل دلالة في قصة زيارة القذافي إلى مسجد صوفيا.

فحين تُفرش السجادة أمام الضيف، ثم تختفي فور مغادرته، يصبح السؤال الحقيقي ليس: أين ذهبت السجادة؟ بل: لماذا كان يجب أن تكون هناك أصلًا؟

المصدر:
صحيفة «168 Часа» البلغارية، مقال بعنوان: «كيف اختفت سجادة القذافي في صوفيا»، للصحفي توني ماسكراتشكا، استنادًا إلى وثائق أرشيفية لأمن الدولة البلغارية رفعت عنها السرية بواسطة لجنة الملفات.

https://www.168chasa.bg/article/6763607

مادة مرئية ذات صلة: فيديو منشور على منصة يوتيوب حول اضطهاد المسلمين في بلغاريا

انتهى