لمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف …
لماذا أحب محمدا ﷺ؟بكل لغات العالم..(3)
قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء: 107
احمد الحاج جود الخير
هناك على ضفاف نهر”الإلبه “حيث تغفو مدينة “هامبورغ “التجارية، ثاني أكبر المدن اﻷلمانية وأكثرها إكتظاظا، بدأت الحكاية، فمن هناك حلق الحب عاليا الى أفق أرحب، حب الطاعة والاتباع، لا حب المعصية والابتداع، وإن المُحبَ لمن يُحبُ مطيع، وبينما كنا جلوسا نتحلق حول مائدة العشاء الدائرية نتجاذب أطراف الحديث في وقت متأخر من الليل داخل أحد المطاعم الفاخرة، شارك مائدتنا كابتن طيار ألماني مدني- هكذا قدم لنا نفسه وقتئذ ولا ندري أصادق كان في ادعائه ذاك أم لا – وما أن اكتشف بأننا مسلمون حتى بادرنا بسؤال مباغت وإن بدا للسامعين استفهاميا وعفويا، إلا أنه كان في حقيقته نقديا وتهكميا واستنكاريا لا يخلو من خبث صارخ ما بين السطور وبما ارتعدت له فرائصنا، اصطكت لوقعه أسناننا، سقطت من هوله قلوبنا في جوفنا، سرت القشعريرة من صيغته الصادمة في أجسادنا، حين قال لنا وبالحرف (أنتم تعبدون محمدا.. لماذا؟!).
عبثا حاول صاحبي الذي يجيد التحدث بالإنجليزية بطلاقة إقناعه بخطأ ما يعتقده جملة وتفصيلا، إذ كيف يصدر أمثال هذا الكلام المجحف من إنسان أوروبي المفترض به بأنه مثقف، ولا ينبغي لأمثاله الوقوع بمثل هكذا أخطاء فادحة، إن دلت على شيء، فإنما تدل على جهل مطبق، وعلى أنه لم يقرأ شيئا عن الإسلام طيلة حياته قط، وإذا كان هذا هو حال المثقفين من أمثال هذا الطيارالمدني، فكيف بنا مع أنصاف المثقفين، أو غير المتعلمين أساسا؟!
وما زاد الطين بلة أننا لم نكن حينئذ نحفظ من السيرة النبوية العطرة شيئا يذكر، ولا نحفظ من القرآن الكريم غير سورتي الفاتحة والاخلاص، يومذاك كنا ﻻ نعلم ما خلا النزر اليسير شيئا عن شمائل النبي وسيرته وأخلاقه وسنته ﷺ المباركة، حتى أنني آثرت الصمت باحثا في أسباب ذلك الجهل المطبق الذي نعانيه عن نبينا ونحن مسلمون..!
وقتئذ لو أدار الكابتن الألماني دفة الحديث وسألنا عن سيرة المطربين والمطربات، الممثلين والممثلات، الرياضيين والرياضيات، العرب واﻷجانب، الأحياء منهم والأموات لوجد عندنا من الغزارة المعرفية ما يُذهِلُ أصحاب الشأن أنفسهم ولقلنا فيهم الكثير والكثير …!!
خرجنا من المطعم الفاره ونحن نجر أذيال الخيبة والخذلان بعد أن أخفقنا في الدفاع عن نبينا ﷺ ونحن الذين ما تركنا احتفالا سنويا واحداً بمولده الشريف يقام في بلادنا هنا وهناك إﻻ وشاركنا فيه، ذاك أن بعضها لم يعلمنا ما ينبغي تعليمه من التعريف بسيرة النبي ﷺ وشمائله وسنته القولية والفعلية والتقريرية، مع النأي بالنفس كليا عن كل ما يتقاطع مع تعاليمه، ويتعارض مع وصاياه، ويخالف منهجه المرسل للناس كافة رحمة للعالمين، فبعض الاحتفالات بات مجرد تقليد سنوي وتجمع بشري مفرغ تماما من رؤيته وأهدافه ورسائله ومحتواه يتضمن إطلاق الألعاب النارية المشفوعة بالأناشيد، وتوزيع الحلوى، وتناول الطعام والمرطبات، وتعليق الزينة، ورفع الأعلام لا أكثر، ولعلها رسالة نبيلة أخرى ينبغي استيعابها مليا، والإحاطة بها جيدا في قابل الأيام لتقويم فضلا على تقييم بعض التقاليد والعادات السنوية الموروثة لتؤتي ثمارها الدعوية اليانعة، ولتحقق غاياتها الفكرية والأخلاقية والمجتمعية الحسنة، ولله در الشاعر أحمد شوقي، القائل:
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له… وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
عدنا القهقرى بخطى متثاقلة الى – فندق إنتركونتيننتال – حيث نقيم هناك الى جوار “بحيرة ألستر” في قلب هامبورغ، وبعدها بـ 36 ساعة أخبرنا صديق ثالث يكبرنا سنا بأن” فيلما سينمائيا عن حياة النبي ورسالته الخالدة ” بنسخته الانجليزية المترجمة الى الألمانية سيعرض للمرة اﻷولى في ألمانيا بإحدى دور العرض السينمائية وسط حراسة أمنية مشددة خشية إعتداء النازيين الجدد على هذه الدار، فبدأ العرض، سال الدمع، ساد الصمت، جاشت المشاعر، هاجت الذكريات، ماجت التساؤلات، وكلما صدحت سمفونية الموسيقار الفرنسي موريس جار، كلما همنا عشقاً، وطرنا شوقاً في رحاب المصطفى ﷺ حتى انتهى الفيلم… وبدأنا!!
البداية كانت مع تلاوة القرآن الكريم وتعلم قواعد وأحكام تجويده وتلاوته، مواصلة الاستماع له والإنصات إليه، بذل الوسع لتعلمه وتعليمه، قراءة تفسير سوره وأسباب نزول آياته، معرفة معانيه وما استعصى على الفهم وما أغلق من مفرداته وكلماته، الوقوف على أوامره ونواهيه، دراسة أمثاله وعلومه وأحكامه، فهم عبره وعظاته، قراءة قصصه وسيرة رسل الله تعالى وأنبيائه، الوقوف على إعجازه اللغوي وبلاغته وبيانه، قبل الإنتقال الى دراسة السنة النبوية المطهرة ومن مظانها الصحيحة المعتبرة، ومثلها السيرة النبوية العطرة ومن مصادرها الموثوقة، وقراءة الكتب المعتمدة لمعرفة أحكام العقائد والعبادات والسنن والأخلاق والمعاملات، وتمييز الحلال الواجب اتباعه من الحرام الواجب اجتنابه.
صحيح أننا لم نلتق رفيق المائدة الغريب بعدها أبدا، إلا أن لقاءنا العابر ذاك كان كفيلا بأن يقلب حياتنا كلها رأسا على عقب، ورب ضارة نافعة، وعلى قول الإمام الشافعي في قصيدته الوعظية من البحر الكامل:
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى… ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها… فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ
ولعل من جميل ما ساقه الحكماء، وتفتقت عنه قرائحهم للحث على تلاوة القرآن الكريم وتعلمه وتعليمه قولهم: ” مثلما نأكل ثلاث وجبات طعام في اليوم والليلة لنعيش ونبقى، فدعونا نقرأ ونتعلم ثلاث صفحات من كتاب الله تعالى يوميا لنسمو بأخلاقنا ونرقى”، فإذا كانت الأولى بمثابة صحة للأجساد وقوة للأجسام، فالثانية ولا غرو هي غذاء للعقول والقلوب والأرواح.
وأنصح كل من يريد تعلم القرآن الكريم إلكترونيا لمعرفة أسباب نزول آياته، الاطلاع على أحكامه وقصصه وعبره وعظاته وأمثاله، تفسير سوره وآياته ومفرداته، اقتباس ترجمات معانيه الى اللغات الأخرى، الإنصات الى قرائه وقراءاته، أن يُحَمِّلَ الموسوعة القرآنية الأروع (موقع سورة قرآن) التي تقدم القرآن الكريم بعدة روايات إضافة الى العديد من التفاسير وترجمات المعاني مع إمكانية الاستماع و التحميل بحناجر أشهر قراء العالم الإسلامي، ومثلها الموسوعة القرآنية الأبدع “مشروع المصحف الإلكتروني .
نقلا عن كتابي : “لماذا أحب محمدا ﷺ؟” بكل لغات العالم الحية