IMG_5179

الديانة المانوية (الغنوصية الثنوية) اقدم الديانات في جنوب العراق

المانوية هي ديانة عالمية سابقة أسسها النبي “ماني” (216-274 م)، والذي وُلد في إحدى قرى ولاية بابل وانتقل في طفولته إلى ميسان في جنوب العراق.

اعتمدت المانوية على تفسير الكون عبر مبدأ “الثنوية”، أي وجود عالمين أزليين منفصلين: عالم النور (يمثل الخير، الروح، والإله)، وعالم الظلام (يمثل الشر والمادة).

تؤمن المانوية أن جسد الإنسان مادي (ينتمي للظلام) بينما روحه مقتطعة من النور، وهي مسجونة داخل هذا الجسد نتيجة لمعركة كونية قديمة بين العالمين.

الهدف الأسمى للمانوي هو تحرير “جزيئات النور” المحبوسة في المادة لإعادتها إلى مملكة النور.
يتحقق الخلاص عبر التقشف الشديد، رفض الملذات، الامتناع عن أكل اللحوم، والبتولية التامة (خاصة لطبقة رجال الدين العليا التي تسمى “الأخيار”).

آمن المانويون بحلقة التقمص (التناسخ)، فالروح التي لا تتطهر كفاية في حياتها الحالية، تعود لتولد في جسد مادي آخر لتواصل رحلة عذابها وتطهرها.

ادعى “ماني” أنه “البارَقليط” الموعود، واعتبر نفسه امتداداً وخاتماً لسلسلة من الأنبياء ضمت زرادشت، بوذا، وعيسى المسيح، بهدف دمج تعاليم هذه الديانات في دين عالمي واحد.

يعتمد التشريع المانوي في تنظيم “الحلال والحرام” والطقوس على المعتقد الأساسي للديانة (الثنوية)، حيث يُعد الجسد المادي جزءاً من “الظلام” (الشر)، بينما الروح جزء من “النور” (الخير). وبناءً على ذلك، صُممت المحرمات والطقوس لمنع تعلق الروح بالمادة وتخليص “جزيئات النور” لتعود إلى مصدرها الإلهي.

قسّم ماني أتباعه إلى طبقتين أساسيتين، واختلفت الأحكام الشرعية لكل طبقة:

المجتبون أو الأخيار وهم طبقة رجال الدين والنخبة الذين تفرغوا تماماً للعبادة وتطبيق أشد درجات التقشف.

السمّاعون وهم عامة الشعب المعتنقين للديانة، وتكون أحكامهم مخففة، ومهمتهم الأساسية خدمة “المجتبين”.

المحرمات (الحرام)
ترتكز المحرمات المانوية على ما يُعرف بـ “الخواتم الثلاثة” (أختام الفم، واليد، والقلب) التي يجب الالتزام بها لضمان عدم تنجيس جزيئات النور:

ختم الفم (حفظ اللسان والمعدة):
للمجتبين: يُحرم عليهم أكل اللحوم بجميع أنواعها تحريماً قاطعاً، لأن اللحم يُعتبر نتاجاً للتزاوج الذي يمثل قوى الظلام. كان طعامهم يقتصر على النباتات والفواكه (وخاصة البطيخ لزعمهم احتوائه على كمية كبيرة من النور). كما حُرم عليهم شرب الخمر، وفُرض عليهم تقليل شرب الماء لأنه يُعتبر “مادة جسدية”.

للسمّاعين: سُمح لهم بتناول اللحوم في بعض الحالات، لكن النمط النباتي كان يُعدّ الخيار الأفضل والمُحبب.

ختم اليد (حفظ الجوارح من إيذاء النور):
للمجتبين: يُحرم عليهم العمل اليدوي، أو الزراعة، أو حصاد المحاصيل، أو قطف الثمار، أو قتل أي حشرة أو حيوان. كان يُعتقد أن النباتات تحتوي على أرواح (جزيئات نور)، وقطفها يسبب لها الألم ويُعد خطيئة. لذلك، حُرم عليهم إعداد طعامهم بأنفسهم واعتمدوا بالكلية على ما يجلبه لهم “السمّاعون”.

للسمّاعين: سُمح لهم بالعمل، والزراعة، وقطف الثمار لإعالة أنفسهم وإطعام “المجتبين”، ولكن كان عليهم الاستغفار من هذه الأفعال باستمرار. كما حُرم عليهم اكتناز الأموال الطائلة.

ختم القلب / الحضن (تحريم الشهوات والزواج):
للمجتبين: يُحرم عليهم الزواج والمعاشرة الجنسية تحريماً قاطعاً (البتولية التامة). الإنجاب في العقيدة المانوية يُعدّ من الكبائر، لأنه يقوم بحبس “روح نورانية” إضافية داخل “جسد مادي مظلم”، مما يطيل أمد بقاء النور في سجن المادة.

للسمّاعين: سُمح لهم بالزواج كنوع من التسامح المجتمعي، لكن كان يُطلب منهم تجنب الإنجاب قدر الإمكان.

الطقوس والواجبات (الحلال والعبادات)
اعتمدت المانوية طقوساً دورية صارمة لتطهير الأرواح ومساعدة النور على الانعتاق:

فرضت المانوية الصلاة اليومية المنظمة. كان “المجتبون” يُصلّون سبع مرات في اليوم، بينما يُصلّي “السمّاعون” أربع مرات.

تتجه القبلة نهاراً نحو الشمس، وليلاً نحو القمر، ليس باعتبارهما آلهة، بل لأنهما في نظر المانوية “سفن النور” التي تنقل الأرواح الطاهرة من الأرض لتعود إلى مملكة النور العليا.

يُعد الصيام أداة مركزية لترويض الجسد المادي.
يصوم “السمّاعون” يوماً واحداً في الأسبوع (تحديداً يوم الأحد).

أما “المجتبون”، فكان صيامهم أطول بكثير ومستمراً لفترات ممتدة من السنة، ويمتنعون فيه تماماً عن الطعام للتطهر من أدران المادة.

المائدة الطقسية (السر المقدس):
وهو الطقس المركزي والأهم يومياً. بما أن “المجتبين” محرومون من جني الثمار، كان “السمّاعون” يُحضرون أفضل الأطعمة (كالخبز والفواكه) ويقدمونها للمجتبين.

قبل أن يأكل “المجتبى” الطعام، كان يتلو صلاة يتبرأ فيها من خطيئة حصاد وإعداد الطعام قائلاً: “أنا لم أحصدك، ولم أطحنك، ولم أعجنك، ولم أضعك في الفرن.. بل فعل ذلك شخص آخر وأحضرك إلي، فأنا أتناولك دونما إثم”.

المعتقد خلف ذلك أن أجساد “المجتبين” الطاهرة تعمل بمثابة “مصفاة روحية”؛ فبمجرد هضمهم للطعام، تتحرر جزيئات النور المحبوسة في النباتات وتصعد إلى السماء.

الاعتراف بالخطايا (التوبة):
كان الاعتراف بالخطايا طقساً أساسياً لكلا الطبقتين. يعترف “السمّاعون” بخطاياهم (مثل قطف النباتات، أو العمل الزراعي، أو ممارسة الحياة العادية) أمام “المجتبين” ليطلبوا المغفرة، كما كان “المجتبون” يمارسون الاعتراف الجماعي لبعضهم البعض لضمان بقاء طهارتهم.

الزكاة والصدقة:
تقع على عاتق “السمّاعين” مسؤولية الإنفاق وتقديم الزكاة (الصدقة) التي تتمثل غالباً في تأمين الغذاء والمأوى لاحتياجات طبقة “المجتبين”، مما يضمن استمرار دورة تخليص النور.

رغم انتشارها السريع والواسع من إسبانيا غرباً حتى الصين شرقاً، واجهت المانوية اضطهاداً دموياً. أعدم رجال الدين الزرادشتيون “ماني” في السجن، ثم اضطهدتها الإمبراطورية الرومانية المسيحية، ولاحقاً تمت محاربتها بشراسة خلال فترة الخلافة العباسية تحت تهمة “الزندقة”. اندثرت تماماً في الشرق الأوسط، وصمدت بعض جيوبها في الصين حتى انقرضت نهائياً في القرن الرابع عشر الميلادي.

الديانة الصابئية المندائية في جنوب العراق، وتحمل جذوراً مشتركة متأثرة ببيئة الرافدين القديمة والفكر الغنوصي، إلا أنها ليست ديانة منقرضة، بل لا تزال طقوسها تُمارس حتى اليوم.

#أسعد_صباح