
المرأة في ريف وأهوار جنوب العراق.. ملحمة الصبر والشقاء
تُعد المرأة في جنوب العراق (في القرى الزراعية ومناطق الأهوار) أيقونة تاريخية للصبر وقوة التحمل. لقد عاشت هذه المرأة، ولا تزال في بعض المناطق، ظروفاً حياتية وبيئية واجتماعية في غاية القسوة، حيث كانت تمثل العمود الفقري لاقتصاد العائلة الريفية، وتتحمل أعباءً تفوق طاقة البشر الطبيعية.
لا تعرف المرأة الجنوبية في الريف معنى للراحة؛ فيومها يبدأ فعلياً قبل شروق الشمس بكثير، وعادة ما يكون في الساعة الرابعة فجراً أو قبلها.
أولى مهامها هي التوجه إلى حظائر الحيوانات (الأبقار، الجاموس، أو الأغنام) لحلبها. هذه العملية تتطلب جهداً بدنياً ومهارة، وتُعد ضرورية لتوفير الحليب الذي سيُصنع منه لاحقاً اللبن، والزبدة، والقيمر (الذي تبيعه بعضهن في الأسواق كمدخول أساسي للعائلة).
تنطلق بعد ذلك إلى الحقول أو المسطحات المائية لـ “حش” (قطع) الحشائش الخضراء والقصب والبردي لإطعام المواشي، وهي مهمة تتطلب الانحناء لساعات طويلة تحت ظروف جوية قاسية.
في بيئة تفتقر للخدمات الأساسية، كانت المرأة هي المسؤولة عن توفير الطاقة والمياه بجهدها العضلي البحت.
جمع الفضلات (المطّال): تقوم المرأة بجمع فضلات الحيوانات (روث الأبقار والجاموس) وعجنها مع التبن وتشكيلها على هيئة أقراص دائرية تُسمى محلياً بـ “المطّال” أو “المطبع”. تُلصق هذه الأقراص على الجدران لتجف في الشمس، ثم تُستخدم كوقود أساسي لإشعال النار في “التنور” لخبز الخبز، أو للطبخ والتدفئة.
تجوب الأراضي بحثاً عن الأخشاب الجافة وسعف النخيل وبقايا المزروعات لجمعها كحطب احتياطي لضمان استمرار اشتعال النار في المنزل.
قبل تمدد شبكات الإسالة، كانت المرأة تسير لمسافات طويلة نحو الأنهار أو الجداول (الأنهر المتفرعة) لملء الأواني الفخارية (مثل “الحِب” أو “الشربة”) أو الأوعية المعدنية (التنكات). كانت تحمل هذه الأوزان الثقيلة جداً على رأسها، معتمدة على قطعة قماش ملفوفة تُسمى “الجراوية” أو “العصابة” لتخفيف الضغط، مما يسبب لها آلاماً مزمنة في الرقبة والعمود الفقري.
الرحى: سيمفونية التعب حتى ساعات الصباح الأولى
من أقسى المهام التي ارتبطت بالمرأة الجنوبية قديماً هي عملية طحن الحبوب (الحنطة أو الشعير) باستخدام الرحى (حجرا الطحن اليدوي).
العمل الليلي الشاق: بعد أن تنهي مهامها النهارية وتُطعم عائلتها، تجلس المرأة أمام الرحى في ساعات الليل المتأخرة.
حتى الثانية أو الثالثة صباحاً: بسبب بطء عملية الطحن اليدوي، ولتوفير طحين كافٍ لعائلة كبيرة، كانت المرأة تستمر في تدوير حجر الرحى الثقيل بيديها العاريتين حتى الساعة الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل.
كانت هذه الساعات الطويلة تُرافق عادةً بترديد أطوار من الغناء الحزين (النعاوي أو الأبوذية) للتنفيس عن التعب العضلي والنفسي والوحدة في ظلمة الليل.
وفي مشهدٍ يجسد أقصى درجات العناء، يُروى أن امرأةً من محافظة الديوانية قد أنهكها التعب الشديد من كثرة الطحن بحجر الرحى، فأنشدت بيت “دارمي” شجياً تخاطب فيه الله (جلت قدرته) بعفويتها وبساطتها الريفية البحتة، قائلة:
لصعد لبو نجيمات درجة على درجة
خافنه ما يدريش.. عالحال أوَرّجَه
جاءت هذه الكلمات العميقة وليدة الإرهاق القاتل وشعورها بالقهر وانعدام الاكتراث لمعاناتها، فلجأت إلى مناجاة خالقها ببساطةٍ متناهية وعاطفة صادقة لتشكو إليه ثقل أيامها وقسوة ظروفها.
تربية الأطفال
لم تكن تربية الأطفال في هذه البيئة مجرد مهمة تضاف إلى المهام السابقة، بل كانت تحدياً يُمارس بالتوازي مع كل أشكال الشقاء المذكورة.
كثيراً ما كانت المرأة تخرج للحقل أو لجلب الماء وهي تحمل طفلها الرضيع على ظهرها أو وركها ومقيداً بقطعة قماش.
كانت تتحمل مسؤولية رعاية الأطفال في بيئة مليئة بالأمراض، مع انعدام شبه تام للرعاية الصحية، مما جعلها تعيش في قلق دائم على حياة أبنائها، وتتحمل فواجع فقدان بعضهم بسبب ظروف الحياة القاسية.
رغم قسوة الظروف والأمية التي كانت سائدة، كانت هي المسؤولة عن زرع القيم، وتعليم بناتها منذ سن مبكرة جداً ليساعدنها في هذه المهام الجسام.
مساهمتها الفعالة في زراعة “الشلب” (الرز) وحصاده، وهو عمل يتم في مناطق طينية ومغمورة بالمياه، مما يعرضها للدغات الحشرات والأمراض الجلدية والمائية.
استغلال أوقات “الفراغ” القليلة في نسج الحصير (البواري) من القصب، وصناعة المكانس والأطباق من خوص النخيل لتلبية احتياجات المنزل أو لبيعها.
تحملها لكل هذا الجهد البدني تحت شمس الصيف الحارقة التي تتجاوز نصف درجة الغليان في جنوب العراق، وفي شتاء قارس البرودة، غالباً في بيوت مبنية من الطين أو القصب لا تقي من تقلبات المناخ.
تحملها لظروف اجتماعية قاسية تتمثل في سلطة ذكورية مطلقة، حيث لم تكن تملك غالباً حق القرار في حياتها الشخصية، وكانت تُعامل في أحيان كثيرة كأداة إنتاجية لا يحق لها الشكوى.
كانت “مؤسسة إنتاجية متكاملة” تعمل على مدار 20 إلى 22 ساعة يومياً. لقد أفنت جسدها وروحها لضمان بقاء عائلتها واستمرار الحياة في بيئة لا ترحم الضعفاء، مخلّفة وراءها إرثاً من الصبر والتضحية لا يزال يُضرب به المثل حتى اليوم.
#أسعد_صباح




