IMG_5191

الموضوع مقزز وجريء، وكعادتي، أُسلط الضوء على كل الظواهر والطباع في بلدنا العراق؛ سواء كانت مشينة أو حسنة. أتمنى أن نطلّع على التاريخ لكي نتعظ، ونرتقي لنكون أكثر إنسانيةً وسموّاً.

ختان الإناث في العراق؟

ختان الإناث في العراق ليس ظاهرة عامة تشمل كل البلاد، بل هو ممارسة تتركز بشكل شبه حصري في إقليم كردستان العراق (محافظات الشمال) وبعض المناطق المحاذية له.

أربيل والسليمانية: تسجلان أعلى معدلات الختان تاريخياً، حيث أشارت بعض الإحصائيات في العقد الماضي إلى أن نسبة النساء المختونات هناك بلغت بين 47% إلى 58% في بعض المناطق الريفية.

كركوك ودهوك توجد فيها ممارسة الختان ولكن بنسب أقل بكثير مقارنة بأربيل والسليمانية.

الوسط والجنوب: تنعدم هذه الممارسة تقريباً في باقي محافظات العراق (الوسط والجنوب)، ولا تُعتبر جزءاً من ثقافة أو تقاليد تلك المناطق.

الدافع وراء ختان الإناث مركب ومعقد، ولا يقوم على أساس طبي إطلاقاً، بل يستند إلى منظومة من المعتقدات الثقافية والاجتماعية الخاطئة:

“الطهارة” والوصمة الاجتماعية: يُعتقد خطأً في تلك المجتمعات أن الفتاة غير المختونة “نجسة”، ولا يُسمح لها أحياناً بتقديم الطعام أو الشراب للآخرين. الختان يُنظر إليه كشرط لنظافة الفتاة وقبولها اجتماعياً.

الهدف الخفي والأعمق هو قمع الرغبة الجنسية لدى المرأة لضمان “عفتها” قبل الزواج وإخلاصها بعده، وهو ما يمثل قمة الظلم الذكوري والسيطرة على جسد المرأة.

يربط الكثيرون هذه العادة بـ “السُنّة”، رغم أن العديد من علماء الدين والزعماء الروحيين في كردستان صرحوا علناً بأن هذه الممارسة لا أساس لها في الدين الإسلامي وتتعارض مع مبدأ عدم الإضرار بالنفس.

الأمهات والجدات، اللواتي كنّ ضحايا لهذه الممارسة في طفولتهن، يمارسن ضغطاً شديداً لتطبيقها على بناتهن لاعتقادهن أنهن يحمين الفتيات من النبذ المجتمعي.

لا يتم الختان في مستشفيات أو على يد أطباء مختصين (إلا في حالات نادرة جداً). من يقوم بذلك هن النساء الأكبر سناً في القرية أو العائلة، مثل القابلات التقليديات (الدايات)، الجدات، أو حتى الجارات.

تتم العملية غالباً في غرف مغلقة أو في باحات المنازل الخلفية، وبشكل سري، باستخدام أدوات بدائية مثل شفرات الحلاقة أو السكاكين، ودون أي تخدير، وتُعقم الجروح بطرق كارثية مثل استخدام الرماد والماء والملح لإيقاف النزيف.

الظروف التي تمر بها هؤلاء النساء تتجاوز لحظة الألم العابر؛ إنها صدمة ترافقهن طوال الحياة:

ألم وحشي يُمزق الطفلة (غالباً بين سن 4 إلى 7 سنوات)، نزيف حاد، عدم القدرة على التبول لأيام بسبب الخوف والألم، والتهابات قد تؤدي إلى الموت.

أقسى ما في التجربة النفسية هو أن الطفلة تُقاد إلى هذا العذاب من قِبل أقرب الناس إليها (أمها أو جدتها)، مما يخلق شرخاً نفسياً وإحساساً عميقاً بالخذلان.

تعاني النساء المختونات من آلام مزمنة، صعوبات ومخاطر عالية أثناء الولادة (تزيد احتمالية وفيات المواليد)، بالإضافة إلى حرمان المرأة من حقها الطبيعي في حياة زوجية سليمة.

قصة “هدية” (من تقارير اليونيسف):
تعرضت هدية للختان وهي في الخامسة من عمرها. تتذكر تلك اللحظة قائلة: “كنت مرعوبة للغاية في ذلك اليوم، يوم اقتادتني والدتي لإحدى الغرف حيث ختنوني. لقد نزفت كثيراً، وبقيت أبكي طوال الليل. ما زلت أشعر بآلام إلى يومنا هذا، رغم مضي 20 عاماً على الحادثة.”

قصة “سوران” (16 عاماً):

اصطحبتها والدتها لزيارة بيت الجيران وهي بعمر الخامسة، لتجد نفسها في باحة تتجمع فيها فتيات صغيرات بانتظار الدخول إلى غرفة الختان. تقول سوران: “ربطت اثنتان من نساء الحي يدي ورجلي.. ثم أحسست بألم حاد”. وحين غسلت الخاتنة الجرح بالماء والملح ووضعت الرماد لإيقاف النزيف، همست أم سوران في أذن ابنتها المرتجفة: “صرتِ عروسة، أنتِ الآن أجمل من كل البنات”.

شهادة إحدى الخاتنات التائبات:
في إحدى القرى، تتحدث امرأة كانت تمارس الختان بأسف شديد عن إحدى الفتيات التي ماتت بسببها: “استخدموا شفرة ملوثة عند ختانها، أصيبت بنزيف حاد ليومين.. أخذناها للطبيب لكنه لم يستطع إنقاذها، فماتت.”

ورغم هذا التاريخ المظلم، إلا أن هناك تغييراً حقيقياً يحدث الآن. في عام 2011، أقر برلمان إقليم كردستان “قانون مناهضة العنف الأسري والذي جرّم ممارسة ختان الإناث صراحةً وفرض عقوبات على من يمارسها أو يروج لها.

بفضل هذا القانون، وجهود التوعية المكثفة من منظمات المجتمع المدني (مثل منظمة “وادي”) وصندوق الأمم المتحدة للسكان، انخفضت معدلات الختان بشكل ملحوظ جداً بين الفتيات في الأجيال الشابة، وأصبحت الكثير من الأمهات اللواتي كن ضحايا يرفضن بشدة تعريض بناتهن لنفس العذاب.

#أسعد_صباح