LOGO

سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي

عندما يصبح التاريخ وجهة نظر، هو أمر من أخطر ما يواجهه العراق اليوم، ليس الإرهاب المسلح، فقد هُزم عسكرياً، بل الإرهاب السردي والرمزي.
وهو القدرة على قلب الحقائق وتحويل الهزيمة الأخلاقية إلى نصر إعلامي، وتحويل الذبح إلى فولكلور.
ما يجري اليوم من تلميع لصورة قوى سياسية كانت جزءاً من الانهيار، وتهجم ممنهج على الحشد الشعبي، وصولاً إلى حفلات الرقص الجوبي التي يُمثل فيها الذبح، ليس صدفة، بل هو مشروع متكامل ينتظر ساعة الصفر: 30 أيلول، موعد انتهاء مهمة التحالف الدولي وبدء مشروع “حصر السلاح”.
حقيقة بزيبز.. الوثيقة التي لا تموت
في أيار 2015، سقطت الرمادي بانسحاب ممنهج، المشهد الذي لا يمكن تزويره هو مشهد جسر بزيبز. آلاف العوائل الأنبارية تُركت في العراء، تُهان وتُفتش، بينما كان قادة “المحافظة” يظهرون من فنادق أربيل يتباكون على “المظلومية”.
أين كان هؤلاء عندما كان مقاتلو الحشد مع اخوانهم بالجيش، والشرطة يأكلون التراب في صحراء الأنبار؟ كانوا في قاعات المؤتمرات يطالبون بـ “إقليم سني” و”تدخل دولي”.
اليوم، نفس الوجوه تعود لتقول: “نحن من حررنا مدننا، والحشد هو من دمرها”. تحويل الضحية التي هرب قادتها إلى منقذ، وتحويل المنقذ الذي قدم 12 ألف شهيد في الأنبار وحدها إلى متهم.
الرقص جوبي.. الذبح هل هي رسالة سياسية..
لعل أخطر مراحل التدليس هي مرحلة الاستعراض الرمزي. لم يعد الأمر مجرد مقالات، بل انتقل إلى الأرض عبر ما يسمى بـ “حفلات الرقص الجوبي”.
الجوبي رقصة عشائرية عراقية أصيلة، رقصة رجولة وفرح. لكن ما نشاهده في بعض الحفلات مؤخراً، ليس جوبياً. هو مشهد يُجسد فيه راقص دور “الذباح” وهو يمرر السكين على رقاب الآخرين الراكعين أمامه على أنغام الهوسات.
هذه ليست رقصة. هذه رسالة طمأنة للخلايا النائمة: “مشروعنا لم يمت، فقط كان يرقص في الفنادق، والآن عاد ليرقص في الميدان”. من يمثل مشهد الذبح أمام الكاميرات ويضحك، هو نفسه الذي سيبرر الذبح الحقيقي غداً.
شهادة للتاريخ والدم، فالحشد ليس معصوماً لكن دمه ليس رخيصاً
وهنا يجب أن نقف وقفة حق، حتى لا نكون نحن أيضاً من المدلسين.
نعم، صحيح أن ظاهرة الحشد فيها أخطاء. ونحن أول من يقف ضد من انتفع منها، ضد من حول التضحية إلى مشروع تجاري ومقاولة ومكتب اقتصادي، وضد من لبس ثوب الحشد وهو لم يشم بارود الساتر.
نحن ضد الحشد المزيف الذي يساوم في الموانئ والعقارات، وضد القائد الذي يظهر في التلفاز أكثر مما يظهر في الميدان.
لكننا لا نتغافل، ولا يمكن أن نتغافل، عن تضحيات ناس قدموا أرواحهم قرابين لأجل الوطن. عن الشاب الذي ترك جامعته في البصرة والناصرية والعمارة وميسان، وراح بملابس بسيطة وبندقية متواضعة ليدافع عن أرض في الأنبار لا يعرفها، فعاد لأمه شهيداً بلا رأس أو بلا أطراف.
لا نبخس تاريخ هؤلاء. خطأ المنتفع لا يلغي دم الشهيد. وفساد شخص لا يلغي قدسية مؤسسة كتبت بدمها حدود العراق الجديدة.
وإذا كان هناك من يعترض ويحاول سرقة هذا التاريخ كما حاولوا من قبل سرقة تاريخ ثورة العشرين ونسبتها لمن كانوا خدماً للاحتلال البريطاني، فإن ردنا جاهز كما هتف الشاعر الشعبي بوجه السراق يومها:

الشاهد عدنا الشاهد
عدنا أيتام من العشرين

نعم، عدنا أيتام كبروا. أيتام الحشد، أيتام الشهداء، أيتام سواتر بيجي وتكريت والفلوجة. هؤلاء الأيتام هم الشاهد الحي. هم من سيقفون في وجه كل من يحاول أن يكتب تاريخاً جديداً على مقاسه. فالتاريخ لا يُسرق وفيه أيتام يطالبون بثأر آبائهم.
المحور الرابع: نظرية رفع المصاحف
هذا التدليس ليس بدعة. في صفين، رفع عمرو بن العاص المصاحف على أسنة الرماح أمام الإمام علي عليه السلام، حيلة ظاهرها التقوى وباطنها الخديعة.
اليوم، تُرفع مصاحف جديدة، مصحف “السيادة” ومصحف “حصر السلاح”. لا أحد ضد حصر السلاح، بل الحشد نفسه يطالب بأن يكون تحت القانون، لكن من يرفع هذا الشعار اليوم هو نفسه من يمتلك مليشيات عشائرية ويرفض تسليمها.
ماذا سيكون بعد 30 أيلول؟
العراق بعد 30 أيلول سيكون أمام فرضيتين:
حصر انتقائي: التركيز على سلاح الحشد فقط وغض البصر عن السلاح العشائري وعن السلاح الثقافي التحريضي المتمثل بحفلات الذبح. وهذا سينظر إليه كاستهداف طائفي.
او حصر شامل وعادل: يبدأ من الفصائل المنفلتة، ومن السلاح العشائري، ومن كل استعراض يمجد الإرهاب، سواء كان بندقية أو رقصة جوبي. حينها سيكون الحشد الرابح لأنه سيتحول إلى مؤسسة رصينة تحميها الدولة.
الرد على مشروع التدليس يكون بثلاثة أسلحة وهي..
سلاح الأرشفة لكل مقاطع بزيبز وحفلات الذبح، وسلاح القانون لمقاضاة كل من يمجد الإرهاب، وسلاح الفصل بين أهلنا الشرفاء في الأنبار وبين قلة تريد أن ترقص على جراحهم.
من هرب عند بزيبز، ومن يرقص اليوم على طريقة الذبح، لن يكتب مستقبل العراق. المستقبل يكتبه الأيتام الذين كبروا، ويكتبه الشاهد الذي عندنا.