
رياض سعد
توجد في كل بيئة دينية واجتماعية أصوات متطرفة تحاول اختزال مذهب كامل في سلوك أفراد، وتحويل عبارات استفزازية أو ممارسات طائفية إلى عنوان لملايين المؤمنين.
ومن أكثر الأمثلة وضوحاً في العراق تلك العبارات التي تتضمن سبّ الصحابة أو الإساءة إلى رموز أهل السنة، وهي ممارسات لا يمكن الدفاع عنها أخلاقياً أو وطنياً، ولا يجوز أن تتحول إلى ممثل للمذهب الشيعي أو للحوزات العلمية الدينية العراقية.
إن عبارة من قبيل: «اللهم العن عمر»، وأمثالها من العبارات التي تُستخدم في سياقات استفزازية، لا تسيء إلى أهل السنة وحدهم؛ بل تسيء قبل ذلك إلى من يطلقها، وإلى المذهب الذي يدّعي تمثيله، وإلى تاريخ طويل من العمل الديني الذي سعى إلى حماية الوحدة الإسلامية ومنع تحويل الخلاف التاريخي إلى صراع دموي معاصر.
فالطعن في رموز الآخرين لا يجعل المرء أكثر تشيعاً، كما أن الإساءة إلى رموز الشيعة لا تجعل صاحبها أكثر تسنناً… ؛ فالفتنة لا تقوي مذهباً؛ وإنما تضعف الجميع.
# الحوزة الدينية العلمية العراقية ليست منصة للفتنة
من المهم هنا التمييز بين الحوزات العلمية العراقية في النجف وكربلاء والكاظمية وبين بعض الأصوات والمنصات والجماعات التي تتحدث باسم التشيع من خارج السياق التاريخي و العلمي للحوزة العراقية.
فالحوزة العلمية في النجف، وكذلك المؤسسات الدينية في كربلاء والكاظمية، تمتلك تقليداً علمياً واجتماعياً عريقاً يقوم على الفقه والاجتهاد والتعليم والإرشاد، وليس على التحريض الطائفي.
وقد ظهر هذا بوضوح في المواقف التي اتخذتها المرجعية الدينية في النجف إزاء أحداث الفتنة التي عصفت بالعراق، ولا سيما بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006، عندما كان العراق يقف على حافة حرب أهلية شاملة.
وفي تلك اللحظة، كان بإمكان الخطاب الديني أن يتحول إلى وقود للثأر، لكنه اتجه إلى منع الاعتداء على المساجد والمقدسات السنية، والدعوة إلى ضبط النفس وحماية العراقيين.
وهذه ليست مسألة ثانوية؛ لأنها تكشف أن المرجعية الدينية العراقية كانت تدرك أن الرد على الجريمة الطائفية بجريمة مماثلة يعني تحويل العراق إلى دائرة لا تنتهي من الانتقام.
# «السنة أنفسنا»… موقف يتجاوز الطائفة
وفي مواجهة تنظيم داعش، لم يكن الموقف الديني العراقي قائماً على التعامل مع السنة بوصفهم خصوماً جماعيين، بل على التفريق بين الإرهاب وبين المجتمع الذي وقع تحت سيطرته.
وكان التعبير الذي انتشر في خطاب المرجعية: «السنة أنفسنا»، وهو تعبير بالغ الدلالة؛ لأنه يضع العراقي السني في موقع الأخ والشريك في الوطن، لا في موقع العدو الذي ينبغي الانتقام منه.
وهذا المبدأ كان مهماً بصورة خاصة في المدن والمناطق التي دخلتها القوات العراقية والحشد الشعبي خلال عمليات التحرير؛ لأن الانتصار العسكري لا يصبح انتصاراً وطنياً إذا تحول إلى انتقام طائفي من المدنيين.
ولهذا كان التشديد على حماية الأبرياء والممتلكات ودور العبادة… ؛ جزءاً أساسياً من الخطاب الديني والأخلاقي المرتبط بمواجهة الإرهاب.
# كربلاء والنجف والكاظمية… ذاكرة دينية لا تختزلها الشعارات
الحوزة العراقية ليست وليدة اللحظة، ولا يمكن اختزالها في مقطع على منصة اجتماعية أو هتاف في تجمع أو برنامج فضائي.
النجف وكربلاء والكاظمية مدن ارتبط تاريخها بالعلم والفقه والمرجعية والتعليم الديني، وعاش فيها علماء وطلاب من بيئات مختلفة، وكان من أهم وظائفها إنتاج المعرفة الدينية وإدارة الاختلاف الفقهي والفكري.
ولهذا فإن من الخطأ أن يُسمح لأصوات هامشية، أو لشخصيات إعلامية تبحث عن الشهرة، بأن تصبح هي المرجع الذي يُقاس عليه موقف ملايين الشيعة.
المذهب لا يؤخذ من الشتائم، والحوزة لا تُقرأ من المنابر الانفعالية، والتاريخ الديني لا يُختصر في مقطع فيديو.
# سب الصحابة ليس تشيعاً
ينبغي أن تكون هذه المسألة واضحة بلا مواربة:
سب الصحابة والإساءة إلى رموز أهل السنة ليست من لوازم التشيع، ولا هي شرط في محبة أهل البيت، ولا هي دليلاً على قوة العقيدة.
بل إن هذه الممارسات تخالف جوهر الحكمة السياسية والاجتماعية التي تحتاجها المجتمعات المتعددة، وتفتح الباب أمام ردود أفعال متبادلة لا يستفيد منها إلا أصحاب المشاريع الطائفية.
فالشيعي الذي يحب أهل البيت لا يحتاج إلى شتم الآخرين لكي يثبت ولاءه لهم.
والسني الذي يحب الصحابة لا يحتاج إلى الإساءة إلى أهل البيت لكي يثبت انتماءه.
محبة أهل البيت لا تحتاج إلى كراهية أهل السنة، واحترام الصحابة لا يحتاج إلى الإساءة إلى الشيعة.
وهذه هي القاعدة التي ينبغي أن يتعلمها العراقيون قبل غيرهم.
# لكن من أين جاءت بعض خطابات الفتنة؟
هنا ينبغي الحذر من الوقوع في تعميمات تاريخية أو مذهبية لا تستند إلى أدلة.
لا سيما أن تاريخ العراق والمنطقة شهد، في مراحل مختلفة، تدخلاتٍ أجنبية وصراعاتٍ دولية ومحاولاتٍ استخباراتية لاستخدام الدين والطائفة في الصراع والنفوذ السياسي، كما أن بريطانيا وغيرها من القوى والمخابرات الدولية والإقليمية تعاملت تاريخيًا مع العراق وفق مصالحها الاستعمارية المشبوهة، وطبقًا للمبدأ الاستعماري الهدّام: «فرّق تسد».
فما من دعوةٍ طائفية أو نعرةٍ تكفيرية تصدر عن شراذم من السنة أو الشيعة، إلا ومن ورائها بريطانيا الخبيثة؛ لذا تجد بريطانيا مأوىً لكثير من العوائل والشخصيات الدينية المشبوهة والمنكوسة والمرتبطة بالأجندات البريطانية الخبيثة.
والتاريخ مليء بالشواهد التي تؤكد ضلوع كثير من العوائل والشخصيات الدينية في العديد من الفتن الطائفية والمؤامرات الخبيثة التي تستهدف السنة والشيعة على حدٍّ سواء، وإن كانت حصة الشيعة من الفواجع والمجازر هي حصة الأسد.
لذا استثمرت دول الاستكبار والاستعمار هذه العوائل والشخصيات الدينية استثمارًا منكوسًا ومشبوهًا لإلحاق أفدح الأضرار بالأمة الإسلامية جمعاء؛ فاستثمار الانقسام الطائفي كان ولا يزال أداةً سياسيةً خطيرة تستخدمها أطرافٌ مختلفة عندما تجد فيه مصلحةً لها... ؛ وطالما استفادت منه قوى إقليمية أو دولية، واستخدمته أحزاب وجماعات محلية، وقد تستثمر فيه منصاتٌ إعلامية تبحث عن الجمهور والتمويل.
ولهذا ينبغي أن يكون السؤال:
من يمول؟ من يدير؟ من يقرر؟ ومن يستفيد؟
لا أن يكون السؤال: من أي طائفة جاء هذا الشخص؟
# العوائل والشخصيات الأجنبية والغريبة ليست هي المذهب ولا تمثل الشيعي العراقي الاصيل
ومن الأخطاء الخطيرة أيضاً الخلط بين العوائل والشخصيات الدينية غير العراقية وبين الانتماء المذهبي وشيعة العراق .
فوجود عائلة إيرانية أو عربية أو هندية أو باكستانية أو غيرها في العراق لا يجعلها تلقائياً ممثلة للعراق وشيعة العراق ، كما أن الانتماء المذهبي وادعاء الزعامة الدينية لا يمنح صاحبه بالضرورة حصانة من الخطأ أو العمالة أو الفساد.
وإذا كانت هناك عوائل أو شخصيات دخلت العراق في مراحل تاريخية مختلفة، وثبتت لها ارتباطات سياسية أو استخبارية أو مصالح مع جهات أجنبية، فينبغي على نخب الاغلبية العراقية والحكومة العراقية، في إطار القانون والمؤسسات الدستورية، كشف تلك الارتباطات وتعرية الجهات والشخصيات التي تتاجر بدماء العراقيين ومستقبل العراق خدمةً لأجندات ومصالح خارجية مشبوهة .
والأهم من ذلك أن **التشيع العراقي أوسع بكثير من أن تختصره عائلة أو مجموعة من العائلات والشخصيات الدينية **.
فالشيعة العراقيون ليسوا كتلة بشرية وافدة، ولا هم نتاج أسرة دينية أو مؤسسة فقهية واحدة؛ إنهم جزء أصيل من النسيج التاريخي والاجتماعي للعراق بل هم هوية العراق العريقة ، ولهم تاريخ طويل في مدنه وقراه وجنوبه ووسطه وشماله.
# الفتنة تخدم من يريد إضعاف العراق
عندما يظهر شخص في لندن أو غيرها، ويجعل برنامجه قائماً على سب رموز المسلمين وإثارة الكراهية، فإنه لا يقدم خدمة حقيقية للشيعة.
وعندما يظهر شخص آخر في قناة مقابلة ليشتم الشيعة ويطعن في عقائدهم، فإنه لا يقدم خدمة حقيقية للسنة.
كلاهما يؤدي الوظيفة نفسها: تحويل المواطن من عراقي إلى طائفي، ومن شريك في الوطن إلى خصم ديني.
وهنا يصبح من المشروع أن نسأل عن مصادر التمويل، والجهات الداعمة، وأجندة المنصات، لكن من دون القفز إلى نتائج غير مثبتة.
فقد يكون صاحب الخطاب مدفوعاً من جهة سياسية، أو باحثاً عن الشهرة، أو مؤمناً فعلاً بما يقول، أو موظفاً في مشروع إعلامي منظم.
والتمييز بين هذه الاحتمالات يحتاج إلى تحقيق، لا إلى التخمين.
# أخلاق أهل البيت لا تحتمل هذا السلوك
إذا كان هناك معيار ينبغي أن يحتكم إليه الشيعي قبل غيره، فهو **أخلاق أهل البيت**.
فهل أمر أئمة أهل البيت شيعتهم بسبِّ الصحابة أو لعنهم؟
وهل تبني الشتيمةُ مجتمعًا سليمًا مسلمًا؟ وهل لعنُ الصحابة أو تكفيرُ الشيعة يُسهم في بناء مجتمعٍ آمن؟!
وهل الفتاوى التكفيرية، والتصرفات الهابطة الشوارعية، والتصريحات والخطابات الطائفية الفجّة، تُسهم في حماية العراقيين وحقن دمائهم، أم أنها تؤدي إلى سفك الدماء، وهتك الأعراض، وتدمير الممتلكات؟!
وما الذي سيكسبه طفل شيعي عندما يتعلم أن جاره السني عدوه، أو طفل سني عندما يتعلم أن جاره الشيعي خصمه ويجب ذبحه ؟!
لا شيء.
إن النتيجة الوحيدة هي إنتاج جيل جديد من الكراهية والطائفية والرؤى التكفيرية الحاقدة .
ولهذا فإن مواجهة الخطاب الطائفي ليست تنازلاً عن العقيدة، ولا تخلياً عن التاريخ، ولا خيانة للمذهب.
بل هي، في جوهرها، **دفاع عن المذهب من الذين يشوهونه باسم المذهب**.
# العراقي قبل الطائفة
لقد دفع العراق ثمناً باهظاً بسبب تحويل الاختلافات المذهبية إلى صراع سياسي وأمني.
والذين قتلوا العراقيين على الهوية لم يسألوا الضحية عن اجتهاده الفقهي، ولم يكن الرصاص يميز بين شيعي وسني عندما انفجرت السيارات المفخخة.
لهذا فإن العراقيين، شيعة وسنة، بحاجة اليوم إلى إعادة الاعتبار إلى مفهوم **المواطنة**.
فالاختلاف المذهبي يمكن أن يبقى اختلافاً دينياً وفقهياً، أما الدولة والوطن والقانون فهي ملك للجميع.
وإذا كانت الحوزات العلمية في النجف وكربلاء والكاظمية قد امتلكت تاريخاً طويلاً من العلم والإرشاد، فإن من واجبها الأخلاقي أن تستمر في **وأد الفتنة، ورفض التكفير، وتحريم الاعتداء على المقدسات، وصيانة دماء العراقيين، ورفض كل خطاب يسيء إلى رموز المسلمين**... ؛ كما يجب على فقهاء الطائفة السنية في العراق دعوة أتباعهم إلى الالتزام بالسِّلم، والإيمان بالمواطنة، والابتعاد عن لغة العنف وخطاب التكفير والذبح والطائفية... الخ .
# لا أحد ينتصر في حرب الطوائف
إن الذين يسبون الصحابة باسم التشيع يسيئون إلى التشيع قبل أن يسيئوا إلى السنة.
والذين يسيئون إلى أهل البيت باسم الدفاع عن السنة يسيئون إلى السنة قبل أن يسيئوا إلى الشيعة.
والذين يحرضون العراقيين بعضهم على بعض لا يخدمون الإسلام، ولا أهل البيت، ولا الصحابة، ولا العراق.
إنهم يخدمون **الفتنة**.
ولهذا يجب أن يكون موقفنا واضحاً:
لا لسب الصحابة.
لا للإساءة إلى رموز أهل السنة.
لا للاعتداء على المقدسات.
لا للتحريض الطائفي.
لا لتكفير العراقيين.
ولا لتحويل الخلاف التاريخي إلى ثأر معاصر.
أما الحوزة العلمية العراقية في النجف وكربلاء والكاظمية، فجديرة بأن تُقرأ من تاريخها العلمي ومواقفها الموثقة، لا من أصوات هامشية تتحدث باسمها من هنا وهناك.
فالتشيع الذي يستحق الاحترام هو الذي يستطيع أن يعتز بأهل البيت من دون أن يكره الآخرين، والسنة الذين يستحقون الاحترام هم الذين يستطيعون أن يعتزوا بالصحابة من دون أن يسيئوا إلى أهل البيت.
وعندما يفهم العراقيون هذه الحقيقة، تسقط واحدة من أخطر الأكاذيب التي غذّت الصراع في بلاد الرافدين: أن محبة طائفتك لا تكتمل إلا بكراهية الطائفة الأخرى.
فالحقيقة أن **المذهب يقوى بالعلم والأخلاق، والوطن يقوى بالتعايش، والدين يقوى بالرحمة، أما الفتنة فلا تقوي إلا الذين يتاجرون بها.**



