
بقلم: أميمة محفوظ
كنت أنتظر بفارغ الصبر أن أدخل العشرينات. كنت أراها بعيدة وأتخيلها مرحلة مختلفة، يملؤني الشوق إلى الوصول إليها، وكأن بلوغ العشرين سيمنحني شيئا كنت أفتقده. لكنني حين وصلت إليها أدركت أنني كنت أنظر إليها من بعيد فقط، دون أن أعرف ثقلها الحقيقي.
اكتشفت أن العشرينات ليست مجرد رقم جديد في العمر، بل مرحلة طويلة ومعقدة، مليئة بالأسئلة والاختيارات والتحولات. فيها نبدأ باكتشاف أنفسنا بطريقة مختلفة، ونراجع أفكارا كنا نظنها ثابتة، ونخسر أشياء ونتمسك بأخرى، ونحاول أن نفهم العالم بعدما كنا نراه أكثر بساطة.
ولعل أكثر ما يربك الإنسان في هذه المرحلة أنه يُفترض أن يعرف إلى أين يتجه، في الوقت الذي لا يزال فيه يحاول أن يعرف نفسه. يُطلب منه أن يختار وأن يقرر، وأن يرسم مستقبله، بينما تقف داخله أسئلة كثيرة لم يجد لها جوابا بعد.
وفي خضم كل هذا الوعي، وجدتني أشتاق إلى الطفولة. اشتقت إلى عالم ديزني، وفتيات القوة، وسبونجبوب، وإلى الموسيقى الكلاسيكية التي كنت أسمعها بصوت أمي العذب، وإلى تلك الجلسات الطويلة التي كنت أنتظر فيها قطعة الخبز الصغيرة التي كانت تخبزها أمي من أجلي وحدي. اشتقت إلى اللعب، وإلى الضحك دون سبب، وإلى البيت القديم، وإلى تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تنظر إلى العشرين وكأنها نهاية الطفولة وبداية الحياة الحقيقية.
والمفارقة أن تلك الطفلة كانت تتمنى أن تكبر، بينما أنا اليوم أتمنى لو أستطيع العودة إليها، ولو للحظة واحدة، لأخبرها ألا تستعجل، وأن بعض الأعمار لا نعرف قيمتها إلا بعد أن نغادرها. وربما لهذا نشتاق إلى الطفولة، لا لأننا نريد العودة إلى الوراء فعلا، بل لأننا نشتاق إلى النسخة التي كنا عليها، إلى أنفسنا قبل أن تصبح الحياة أكثر تعقيدا، وقبل أن نعرف أن وراء كل اختيار احتمالا للخسارة، وأن المستقبل الذي كنا ننتظره بشغف يمكن أن يصبح مصدرا للخوف.
حتى أشيائي المفضلة لم تعد تمنحني الشعور نفسه؛ أبدأ رسومي القديمة ثم أتوقف، وأجد نفسي أراها ساذجة أو سخيفة، وكأن شيئا في داخلي تغيّر ولم يعد يسمح لي بأن أستمتع بالأشياء بالطريقة ذاتها. وهنا أسأل نفسي أحيانا: متى بدأنا نعامل كل ما كان يسعدنا بهذه القسوة؟
ربما كان الوعي المبكر أحد أسباب ذلك؛ فحين نكبر في داخلنا قبل أن يكبر عمرنا، يصعب علينا أن نعود ببساطة إلى الأشياء التي كانت تسعدنا، ونفكر ونحلل حتى تصبح البساطة نفسها شيئا نفتقده. وربما لم تكن المشكلة أنني كبرت، بل أنني أصبحت أكثر وعيا مما ينبغي. فليس المطلوب أن نهرب من النضج أو أن نتمنى البقاء أطفالا إلى الأبد؛ المشكلة تبدأ حين نعتقد أن الكبر يعني أن نفقد كل ما كان يجعلنا أكثر خفة وعفوية.
نحن لا نستطيع العودة إلى الطفولة، ولا ينبغي لنا أن نفعل. لكن يمكننا أن نأخذ منها شيئا معنا ونحن نمضي: أن نحتفظ بقدرتنا على الدهشة، وأن نضحك دون أن نحتاج إلى سبب كبير، وأن نرسم دون أن نسأل إن كانت رسومتنا جيدة بما يكفي، وأن نحب الأشياء البسيطة دون أن نشعر بأنها لا تليق بنا بعد أن كبرنا. فليست الحكمة في أن نعرف كيف نكبر فقط، بل في أن نعرف كيف نكبر دون أن نفقد أنفسنا؛ فالعمر يمضي بنا جميعا إلى الأمام، لكن الخسارة الحقيقية ليست أن نترك طفولتنا خلفنا، بل أن نترك معها كل ما كان فينا حيا وعفويا وقادرا على الفرح.
كبروا، نعم… لكن لا تكبروا إلى درجة تنسون فيها الأشياء الصغيرة التي كانت تجعلكم سعداء.
