
الضجيج الأجوف.. حين يعلو الصخب
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
في بيئات الأزمات الممتدة، لا يُعدّ الضجيج ظاهرة عابرة، بل قد يتحول إلى وسيلة لإدارة الوعي العام، وإشغال المجتمع بمعارك كلامية تستنزف طاقته، بينما تبقى أزماته الحقيقية بلا حلول. فحين تتراجع قيمة المعلومة، ويتقدم الاستعراض على التحليل، يصبح الصخب بديلاً عن الفعل، وتتحول السياسة من صناعة للقرار إلى منافسة على جذب الانتباه.
المشكلة ليست في كثرة الكلام، بل في الفراغ الذي يحاول الكلام إخفاءه.
في الواقع السوري، حيث تتراكم تحديات إعادة بناء الدولة، واستعادة الثقة، وتحسين الأوضاع المعيشية، ومعالجة الانقسامات، لا تكفي الشعارات الكبيرة ولا المواقف الانفعالية لإنتاج تغيير حقيقي. ومع ذلك، تمتلئ المنابر أحياناً بعموميات فضفاضة، واتهامات متبادلة، وتحليلات تفتقر إلى الأدلة، وكأن رفع نبرة الخطاب يمكن أن يعوّض غياب المعلومات والبرامج القابلة للتنفيذ.
يُقال الكثير عن الإصلاح، لكن أين المعايير التي تقيسه؟ وتُرفع شعارات مكافحة الفساد، لكن أين البيانات التي تكشف مواطن الخلل وآليات المحاسبة؟ ويُستدعى الوطن في كل سجال، لكن أين المقترحات التي تحمي مصالح المواطنين وتخفف أعباءهم؟
هنا يتجلى الضجيج الأجوف: أن تُستهلك القضية في الحديث عنها، وأن يُقدَّم الانفعال بوصفه موقفاً والتكرار بوصفه إنجازاً والظهور الإعلامي بوصفه تأثيراً
والأخطر أن هذا الضجيج لا يربك النقاش العام فحسب، بل يضعف القدرة على التمييز بين النقد المسؤول والتشهير، وبين المعلومة والتحريض، وبين التحليل السياسي والتخمين. وعندما يصبح كل شيء مادة للسجال، يفقد الجمهور تدريجياً القدرة على تحديد الأولويات، وتُدفع القضايا الجوهرية إلى الهامش لصالح معارك سريعة الاستهلاك.
لكن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بإسكات الأصوات أو مصادرة النقد؛ فالنقد حق وضرورة، ولا سيما في المراحل الانتقالية. وإنما تكون بإخضاع الخطاب لمعيار واضح: ما الأدلة؟ ما الوقائع؟ ما الحلول؟ وما النتائج التي يمكن قياسها؟
المعلومة الدقيقة ليست ترفاً معرفياً بل شرطٌ لحماية القرار العام من التضليل والارتجال. والتحليل الجاد لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يفكك أسبابها، ويرصد مصالح أطرافها، ويختبر السيناريوهات، ويقترح بدائل قابلة للتطبيق.
سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تتنافس على احتلال الشاشات، بل إلى عقول تنتج المعرفة، وإعلام يتحقق، ونخب تتحمل مسؤولية الكلمة، ومؤسسات تقيس أداءها بالنتائج لا بالشعارات.
ففي الأوطان المنهكة، ليس كل صخب دليل قوة، ولا كل صمت دليل عجز.
أحياناً يكون الضجيج المرتفع هو الطريقة الأكثر فاعلية لإخفاء غياب الفعل.





