
“هل أدلكم على تجارة”
بشرى خالد الصارم
حين يصبح الرحيلُ أوسعَ من الحياة، ثمة أناسٌ يمرّون في الحياة كما يمرّ العابرون في طريقٍ طويل؛ يتركون خلفهم أثرًا خفيفاً، ثم تبتلعهم الأيام شيئًا فشيئًا، وثمة أناسٌ آخرون لا تكفِ الحياة لاحتوائهم، لأنهم لا يعيشون لأنفسهم وحدها، ولا يقيسون أعمارهم بعدد الأيام التي مرّت بهم، وإنما بما أودعوه في تلك الأيام من معنى ومن تضحيات وإباء.
وهؤلاء حين يرحلون، لا يكون الرحيل نهايةً كاملة؛ إذ يبقى منهم شيءٌ عصيٌّ على الغياب: موقفٌ، كلمةٌ، صورةٌ، سيرةٌ، وذاكرةٌ تتناقلها القلوب، ومن هنا تبدأ حكاية الشهداء؛ لم تكن المسألة أن رجلًا أقبل على الموت، وإنما أن رجلًا أعاد ترتيب علاقته بالله أولاً و بالحياة آخراً؛ فلم تعد الحياة عنده غايةً تُعبد، ولا الخوف منها قيدًا يُمسك الروح من عنقها. بعد أن تحرر من سطوة الفناء، وأصبح أكثر قدرةً على مواجهة اللحظة التي يتراجع فيها الكثيرون، فأشد ما يربط الإنسان بالحياة ليس الجسد وحده، وإنما خوفه من فقد ما ألفه فيها: الأهل، والأحلام، والأمان، والمستقبل، والاسم، والمكان، ولذلك فإن التحرر من التعلق المفرط بها لا يعني احتقار الحياة، بل يعني أن يصبح للإنسان مبدأٌ لا تبتلعه الغريزة، وإيمانٌ لا تهزمه الرهبة، وغايةٌ يرى أنها أكبر من ذاته، ومن هنا يجسد قول الله سبحانه وتعالى..”إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ” .
لقد أثبت الشهداء أن الشجاعة التي لا يسندها وعيٌ قد تتحول إلى اندفاع، والإقدام الذي لا يضبطه مبدأ قد يصبح تهورًا؛ أما الشجاعة التي تنبت من يقينٍ ووعيٍ ومسؤولية، فهي شيء آخر، إنها أن تعرف ثقل الطريق ثم تمضي، وأن تدرك الخطر ولا تسمح له أن يصادر قرارك، وأن يبقى قلبك متماسكًا حين تضطرب الأشياء من حولك.
وها هم شهداء مديرية أرحب في هذه الحرب المفصلية مع العدو المتصهين جار السوء وقرن الشيطان قدموا دروس للأجيال لمن يبحث عن الموت في صورة رجلٍ لم يسمح للهوان والذل أن يسلبه شجاعته في تلبية داعِ الجهاد حين دقت الحرب طبولها ، وهنا يكمن الفرق الكبير.
وفي اللحظة التي تكاثف فيها الأعداء ضد الوطن، تظهر المعادن التي كانت مستترة تحت هدوء الأيام، فليست التضحية في كثرة الخصوم أو شدة المواجهة، وإنما في أنها يرسم مجاهدون وجدوا أنفسهم أمام اختبارٍ لا مجال فيه للمواقف الرمادية، فهناك لحظاتٌ في حياة الإنسان لا يعود السؤال فيها: ماذا أريد؟، بل يصبح: من أنا حين يُختبر ما أؤمن به؟ وهناك، في تلك المنطقة القاسية بين التضحية والقرار، يولد موقف الجهاد في سبيل الله.
لقد أثبتوا شهداء مديرية أرحب سلام الله عليهم قبل استشهادهم أنهم صورةٌ للثبات حين يقترب الخطر، وكيف للشخص أن يكون ثابتاً في موقفه ومبدئه وقضيته في وقت كثرت فيه الرغائب والمصالح، وكيف أن يكون وفيًّا حين يصبح الوفاء مكلفًا، وكيف أن يحفظ عهده حين يصبح التراجع أسهل من الاستمرار.
لقد أثبتوا شهداؤنا سلام الله عليهم أن الحرية ليست فقط حرية الجسد، بل إنها حرية القرار، وحرية الإرادة، وحرية الإنسان من أن يتحول من تابعٍ للعدو إلى قذيفة متسعرة ملتهبة بغضب الثأر الذي لا يبات ترمى بها على صدر عدو أبناء وطنه وأرضه ودينه، فينكل به ويشفِ صدور قوم مؤمنين، أما الإباء ففقد علمونا شهداؤنا أنه الوجه الآخر لهذه الحرية؛ أن يرفض الإنسان أن تُهان كرامته أو أن يُجبر على التنازل عما يراه حقًا، ولهذا فإن شهداؤنا ـ في سجلات الأباء والشموخ ـ لا يُختصر في لحظة استشهادهم، فاللحظة الأخيرة ليست إلا نقطةً واحدة في سيرةٍ كاملة، وراءه طفولةٌ لا يعرفها الأهل، وأمٌّ ربما حفظت ملامحه أكثر من أي صورة، ورفاقٌ يعرفون صوته وضحكته ومواقفه الصغيرة، وأحلامٌ كانت تنتظر أن تصبح واقعًا، وأيامٌ عادية لم يكن أحد يعرف أنها ستصبح يومًا ما جزءًا من سيرة رجلٍ يُقال عنه: “أحياء عند ربهم يرزقون” وهنا يصبح الرثاء أعمق من البكاء..رثاء عزة وإباء وشموخ، ليس رثاء حزن وكمد وتكبد.
إننا لا نبكي الشهيد لمفارقته ، بل لأن الحياة الدنيا كانت أصغر من أن تحتفظ به بيننا، فاختار قرب الله و قرب أنبيائه وأوليائه، وفي ذلك كتب الله للسيرة فصلًا آخر «مقاتلٌ في سبيل الله حوّل أرضه للأعداء مقبرة وأزهق باطلهم و صيره زبدا، وفي هذا الاصطفاء تتجاوز حياة الشهداء إلى معنى الصراع بين الحق والباطل، فالباطل ـ مهما بدا متضخمًا، ومهما أحاط نفسه بالقوة والضجيج ـ يبقى هشًّا لأنه افتقد المشروعية في وجدان أصحابه، ولذلك لا تنتهي المعركة عند حدود الأرض؛ بل أصبحت معركةً على الحق والدين والوطن، فالأرض قد تستعيد هدوءها، والسلاح قد يصمت، والدخان قد يتلاشى، لكن السؤال الذي يبقى بعد كل ذلك هو: ماذا ترك الذين رحلوا وراءهم ، تركوا انتصارات أثلجت قلوب المؤمنين، تركوا تحولاً حول سيرتهم إلى حكايةٍ ترددها الألسن، وبطولات تروى في مراكز التدريب، وتُدرَس في مدارس الإباء والتضحية، هم لا سواهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فالسلام عليهم حين نفروا، وحين جاهدوا، وحين استشهدوا وحين يبعثون أحياء.

