
بقلم: موسى افشار
بعد أشهر من انتفاضة يناير 2026، لم ينته ملف المحتجين في الشارع الإيراني. فقد انتقل جزء منه إلى السجون والمحاكم، حيث تتواصل أحكام الإعدام بحق شبان ارتبطت قضاياهم بالاحتجاجات والمواجهات مع الأجهزة الأمنية.
وبحسب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، نُفذ ما لا يقل عن 43 حكم إعدام بين 30 سبتمبر و13 أكتوبر. ولا تتوفر حتى الآن إحصاءات مستقلة تؤكد هذا العدد كاملًا، لكن منظمات حقوقية دولية وثقت بالفعل سلسلة من الإعدامات المرتبطة بانتفاضة يناير خلال الفترة نفسها.
ومن بين أبرز الحالات علي همتي السيستاني ومجيد نيكاندیش، اللذان أُعدما في مشهد في 30 سبتمبر، وسياوش جمشيدي خيرآبادي الذي أُعدم في شهركرد في 3 أكتوبر، ثم عليرضا سپاهي وعليرضا رئيسي اللذان أُعدما في أصفهان بعد يومين.
القاسم المشترك بين هذه القضايا ليس السن فقط، بل ارتباطها بموجة الاحتجاج التي هزت مدنًا إيرانية مطلع العام.
من مشهد إلى أصفهان
في مشهد، وصفت السلطة القضائية همتي ونيكاندیش بأنهما من العناصر القيادية في احتجاجات منطقة طبرسي يومي 8 و9 يناير.
ونسبت إليهما اتهامات شملت إغلاق الطرق وإحراق ممتلكات والمشاركة في مواجهات أدت إلى مقتل عناصر من قوات الأمن.
لكن منظمة العفو الدولية قالت إن اعترافاتهما المتلفزة انتُزعت في ظروف لم يكن لهما فيها وصول إلى محام، وأشارت إلى تقارير عن تعرض نيكاندیش للتعذيب وسوء المعاملة.
وفي أصفهان، أُعدم عليرضا سپاهي وعليرضا رئيسي في قضية “ميدان عليخاني”، المرتبطة بمواجهات يناير التي قُتل خلالها أربعة من عناصر قوات الأمن.
وكان خمسة متهمين آخرين في القضية نفسها قد أُعدموا قبل ذلك، بينما لا يزال آخرون يواجهون أحكامًا قد تصل إلى الموت.
منظمات حقوقية أثارت في هذا الملف أيضًا اتهامات بالتعذيب، والاعترافات القسرية، وقيود على الوصول إلى الدفاع القانوني.
الإعدام كرسالة تتجاوز المتهم
تؤكد السلطات أن هذه الأحكام صدرت في قضايا تضمنت أعمال عنف وقتلًا لعناصر أمنية، وهي اتهامات خطيرة يجب تقييمها قضائيًا على أساس الأدلة.
لكن الإشكالية التي تثيرها المنظمات الحقوقية لا تتعلق فقط بطبيعة الاتهامات، بل بسلامة الإجراءات التي قادت إلى حكم لا يمكن التراجع عنه بعد تنفيذه.
ويكتسب الأمر بعدًا سياسيًا إضافيًا عندما تتكرر أحكام الموت بحق شباب اعتُقلوا خلال موجة احتجاج واحدة.
فالعقوبة هنا لا تؤثر على المتهم وعائلته فقط. إنها ترسل رسالة إلى مجتمع أوسع حول الكلفة المحتملة للمشاركة في احتجاج قد يتحول إلى مواجهة مع أجهزة الدولة.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الإعدام بوصفه جزءًا من سياسة الردع، بصرف النظر عن الأساس الجنائي الذي تعلنه السلطة في كل ملف على حدة.
لماذا تستمر سياسة الردع؟
استخدم النظام الحاكم في إيران عقوبة الإعدام على مدى عقود في قضايا جنائية وسياسية وأمنية. لكن تصاعد استخدامها بعد احتجاجات واسعة يجعل السؤال مختلفًا.
إذا كان الهدف هو منع عودة الاحتجاج، فإن استمرار إصدار وتنفيذ أحكام الموت بعد أشهر من الانتفاضة يعني أن الدولة ما زالت ترى الحاجة إلى رفع كلفة المعارضة.
ولا يثبت ذلك بمفرده أن سياسة الردع فشلت أو نجحت.
لكن استمرارها يكشف أن المشكلة التي تحاول السلطة احتواءها لم تُعتبر منتهية.
فلو كانت الاحتجاجات بالنسبة إلى مؤسسات النظام مجرد حدث عابر انتهى في يناير، لما احتفظت قضايا المشاركين فيها بهذه الأولوية بعد أشهر.
جيل شاب في قلب القضايا
السن المنخفض لعدد من المعدومين يزيد حساسية الملف.
عليرضا رئيسي كان في مطلع العشرينات، وكذلك علي همتي ومجيد نيكاندیش. وهذه ليست مجرد ملاحظة ديموغرافية.
فجيل الشباب كان في قلب موجات الاحتجاج الأخيرة، سواء في الجامعات أو الشوارع أو شبكات التواصل الاجتماعي، ما يجعل محاكمات شبان بتهم أمنية قصوى تحمل رسالة تتجاوز كل قضية منفردة.
السلطة تريد إظهار أن تجاوز الخطوط التي ترسمها يمكن أن يؤدي إلى أقسى عقوبة ممكنة.
لكن هذه السياسة تحمل مخاطرة في الاتجاه المعاكس أيضًا: فكل حكم إعدام يمكن أن يتحول إلى قضية جديدة حول المحاكمة العادلة، والتعذيب، والحق في الاحتجاج، واستخدام القضاء في إدارة الأزمات السياسية.
المشنقة لا تعالج أسباب الغضب
في النهاية، تستطيع الدولة تنفيذ حكم إعدام، لكنها لا تستطيع من خلاله معالجة أسباب الاحتجاج نفسها.
فالمشكلات الاقتصادية، والبطالة، والقيود الاجتماعية والسياسية، وأزمة الثقة بالمؤسسات لا تختفي بإعدام محتج أو سجين.
ولهذا فإن النقاش حول هذه الأحكام لا ينبغي أن يتوقف عند عدد من أُعدموا.
السؤال الأوسع هو: هل تستطيع عقوبة الموت أن تمنع موجة احتجاج جديدة إذا بقيت الظروف التي أنتجت الموجة السابقة قائمة؟
حتى الآن، تبدو سياسة السلطة قائمة على زيادة كلفة الاعتراض أكثر من معالجة أسبابه.
وهذا ما يجعل استمرار الإعدامات بعد انتفاضة يناير مؤشرًا ليس فقط على شدة القمع، بل أيضًا على أن المواجهة بين الدولة وقطاعات من المجتمع لم تُغلق بعد.





