
بقلم: حسن محمودي
تحولت جائزة كان يفترض أن تحتفي بنضال الإيرانيين من أجل الحرية إلى نقاش سياسي واسع حول سؤال أكثر حساسية: من يملك حق التحدث باسم الشعب الإيراني؟
فقد قررت مؤسسة فريدريش ناومان الألمانية منح “جائزة الحرية 2026” إلى الشعب الإيراني، على أن يتسلمها رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، بصورة ائتمانية خلال احتفال مقرر في السابع من نوفمبر في كنيسة بولسكيرشه بمدينة فرانكفورت.
المؤسسة شددت في إعلانها على أن الجائزة لا تُمنح إلى بهلوي شخصيًا، بل إلى الإيرانيين الذين يكافحون من أجل الحرية والحقوق المدنية والديمقراطية، وأن اختياره جاء باعتباره شخصية معروفة في المعارضة الإيرانية.
لكن هذا الترتيب لم ينهِ الجدل، بل فتحه.
306 جمعيات تعترض
في رسالة مفتوحة، أعلنت 306 جمعيات وتجمعات إيرانية في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا اعتراضها على قرار اختيار رضا بهلوي لتسلم الجائزة باسم الإيرانيين.
ومن بين الموقعين 70 منظمة تعمل في ألمانيا.
الاعتراض الأساسي لا يتعلق بمنح الجائزة للشعب الإيراني، بل بالشخص الذي سيستلمها نيابة عنه.
ويرى الموقعون أن اختيار شخصية سياسية مثيرة للانقسام لتلقي جائزة تحمل اسم “الشعب الإيراني” يمنح انطباعًا بالتمثيل السياسي لا يتفق مع تعددية المجتمع والمعارضة الإيرانية.
كما طالبوا المؤسسة بالكشف عن المعايير التي استندت إليها في قرارها والرد على الانتقادات التي قُدمت إليها.
بولسكيرشه تزيد حساسية النقاش
مكان الاحتفال نفسه أضاف بعدًا رمزيًا إلى الخلاف.
فكنيسة بولسكيرشه في فرانكفورت ترتبط بتاريخ الديمقراطية البرلمانية الألمانية وبفكرة السيادة الشعبية، ولذلك يرى المعترضون أن اختيارها لاستضافة حفل يتسلم فيه شخص واحد جائزة باسم الإيرانيين يثير سؤالًا عن التمثيل والشرعية السياسية.
بالنسبة إلى هؤلاء، فإن معارضة النظام الحاكم في إيران لا تعني بالضرورة قبول العودة إلى نظام الشاه أو الاعتراف بنجل الشاه ممثلًا سياسيًا للإيرانيين.
وهنا يظهر شعار واسع الانتشار داخل قطاعات من المعارضة الإيرانية يقوم على رفض الخيارين معًا: لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي.
ذاكرة نظام الشاه حاضرة
جزء من الاعتراض يأتي أيضًا من سجناء سياسيين سابقين عاشوا تجربة القمع في عهد الشاه.
وقد وجّه ستة من هؤلاء رسالة منفصلة تحدثوا فيها عن السجن والتعذيب على يد جهاز “السافاك”، وحذروا من تجاهل تجربة ضحايا ديكتاتورية الشاه عند تقديم جائزة ترتبط بالحرية.
كما انضمت منظمات وأحزاب جمهورية أخرى إلى الاعتراض.
لكن من المهم التمييز هنا بين الوقائع والمواقف السياسية.
فالقول إن رضا بهلوي لم يدن ممارسات نظام والده بالدرجة الكافية، أو إنه برر بعض جوانب ذلك الماضي، هو موقف يطرحه منتقدوه ويجب أن يبقى منسوبًا إليهم، لا أن يُقدم باعتباره حقيقة متفقًا عليها.
لكن الاعتراض ليس إجماعًا
الصورة في المقابل ليست أحادية الاتجاه.
فقد ظهرت أيضًا رسالة موقعة من 133 سجينًا سياسيًا وناشطًا داخل إيران تشكر مؤسسة فريدريش ناومان على منح الجائزة للشعب الإيراني وعلى اختيار رضا بهلوي لتسلمها بصورة ائتمانية.
وهؤلاء الموقعون يرون أن الخطوة تمثل دعمًا لنضال الإيرانيين من أجل الحرية وتسلط الضوء على معاناة السجناء السياسيين.
وجود هذين الموقفين المتعارضين يكشف جوهر المشكلة بصورة أوضح من أي حملة سياسية.
المسألة ليست ما إذا كان رضا بهلوي يمتلك مؤيدين أو معارضين؛ من الواضح أنه يمتلك الاثنين.
السؤال هو ما إذا كان وجود هذا الانقسام يجعل استخدام عبارة “نيابة عن الشعب الإيراني” سياسيًا أكثر تعقيدًا مما توحي به صيغة الجائزة.
المؤسسة تعرض مبرراتها
مؤسسة فريدريش ناومان تقول من جانبها إنها اختارت بهلوي لأنه من أشهر شخصيات المعارضة الإيرانية، ولأنه يؤكد أن شكل النظام السياسي المقبل يجب أن يقرره الإيرانيون بصورة ديمقراطية.
كما تقول إن الجائزة ستبقى رمزيًا في عهدته إلى أن يصبح من الممكن تسليمها إلى ممثلين منتخبين بحرية عن إيران.
هذه الحجة مهمة لأنها توضح أن المؤسسة لا تقول رسميًا إن رضا بهلوي هو الممثل المنتخب للإيرانيين.
لكنها لا تلغي السؤال عن أثر اختياره السياسي والرمزي.
فالرموز في السياسة ليست محايدة، خصوصًا عندما ترتبط بتاريخ صراع حاد بين نظامين دكتاتوريين وتجارب مختلفة للمعارضة.
من يمثل مجتمعًا متعددًا؟
الجدل الحالي يتجاوز شخصية رضا بهلوي نفسها.
فالمعارضة الإيرانية ليست كتلة واحدة. داخلها ملكيون وجمهوريون، تيارات علمانية ودينية، حركات قومية، منظمات مقاومة، نشطاء مستقلون وشخصيات لا تنتمي إلى أي تنظيم.
ولهذا فإن الادعاء بتمثيل “الإيرانيين” يظل مسألة شديدة الحساسية ما لم يستند إلى تفويض انتخابي.
يمكن لأي مؤسسة أن تختار من تراه مناسبًا لتكريم قضية سياسية. لكن عندما تحمل الجائزة اسم شعب كامل، يصبح معيار التمثيل جزءًا من الجائزة نفسها.
وفي هذا المعنى، فإن أهم ما كشفه خلاف فرانكفورت ليس فقط الانقسام حول رضا بهلوي.
إنه كشف حدود أي محاولة لاختصار مجتمع سياسي متنوع في شخصية واحدة.
فالإيرانيون متفقون على أشياء كثيرة ومختلفون على أشياء كثيرة أيضًا، ومستقبل بلادهم لن يحسمه اسم يُمنح جائزة في الخارج.
في النهاية، الشرعية السياسية لا تأتي من مؤسسة مانحة، ولا من إرث عائلي، ولا من ادعاء التمثيل.
إنها تأتي من اختيار الإيرانيين أنفسهم.





