
من المتعلم إلى العارف
بقلم: عصام الصميدعي ……منظر الفلسفة التجريدية للانسان
تمهيد: ليست المعرفة ما نظن
المعرفة التي أتكلم عنها ليست حسية، ولا عقلية، ولا حدسية. ولا تخضع لمنطق الاستدلال ولا الاستنباط ولا الاستقراء. تلك كلها سلالم، وليست البيت.
أريد أن أتكلم عن الإنسان بوصفه الكائن الوحيد المتعلم، لا العارف.
أولاً: لماذا كل الكائنات عارفة إلا الإنسان؟
كل ما خلق الله عارف.
النحلة عارفة بهندستها، والطير عارف بهجرته، والجبل عارف بتسبيحه. عندها معرفة مبرمجة، ارتكاز قدري علمي عالٍ، لا يحتاج إلى دليل. معرفة تمنحها الحماية الكونية.
لهذا تتحسس الكائنات النذر الإلهية. تشعر بالزلزال قبل أن يهتز، وبالبركان قبل أن يثور، وبالفيضان قبل أن يطغى، وحتى بالحروب، وهي من الكوارث غير الطبيعية، قبل أن تقع. هذه هداية نابعة من معرفة لا تحتاج إلى برهان.
أما الإنسان، فخُلق متعلماً. ولو خُلق عارفاً بالحقيقة مثل باقي الكائنات، لما استحق الوجود.
لأن الحقيقة لو كُشفت له منذ البدء، لانتهى الاختبار. والإنسان موضوع على ذمة الاختبار الإلهي في الدنيا. فكان لا بد أن يكون بعيداً عن الحقيقة ليبحث عنها.
ومن هنا جاءت خلافته: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. الخليفة لا يكون نسخة مبرمجة، بل كياناً يختار أن يعرف.
فكل ما هو موجود، هو آية. ليس موجوداً لذاته، بل موجود ليدل الإنسان المتعلم على الطريق.
ثانياً: جدوى الوجود
الإنسان ليس كياناً منفصلاً. هو كيان نابع من كونية الوجود، وكونية الوجود تتمثل بالنور الإلهي.
فإذا كان نور الله هو الأصل، فجدوى وجود الإنسان أن يسأل: ما موقعي من هذا النور؟ لماذا جُعلت خليفة وأنا أجهل؟
سؤاله هذا هو بداية المعرفة.
ثالثاً: من الحماية الكونية إلى الحماية الربانية
الإنسان يشعر بالنقص. يرى أن الكائنات تملك حماية كونية لا يملكها. تهرب وتنجو بفطرتها، وهو يحتاج إلى أجهزة وخرائط وتوقعات ومع ذلك يفشل.
فيكتشف أن الطريق ليس أن يقلد معرفتها المبرمجة، بل أن يتجاوزها.
عليه أن يعرف الكائنات، ثم يعرف الملائكة، ثم يرتقي فوقهما. يرتقي من معرفة حسية عقلية منطقية، إلى حقيقة هي أعلى ارتكاز: الارتكاز العلمي.
في هذا الارتكاز، لا يعود الإنسان يستدل على الله، بل يتحسس وجود الله تحسساً مادياً. معرفة لا تقول “أظن أن الله موجود”، بل تقول “أرى بنور وجه الله”.
وهذه هي الإشارة.
رابعاً: العارف والمقام المحمود
عندما يصل الإنسان إلى الإشارة، يتحول من متعلم إلى عارف.
العارف هو من امتلك اليقين. واليقين هو منزلة الصديقين.
هنا تنتقل حمايته من حماية كونية، تشترك فيها معه كل الكائنات، إلى حماية ربانية خاصة. حماية أعلى. بها يختار حياته ومماته في الدنيا والآخرة، لأنه لم يعد محكوماً بالخوف من المصير، بل صار المصير محكوماً باختياره مع الله.
وهذا هو الفوز العظيم.
حتى موته يختلف. فموت العارف ليس انطفاءً، بل تكريم. يكرمه الذكر العالي في الدنيا، والمقام المحمود في الآخرة. لأن من عرف الذات الإلهية في الدنيا، عرفته الذات الإلهية في الآخرة.
الخاتمة
الإنسان المتعلم يبحث عن دليل ليؤمن.
والإنسان العارف يرى بنور وجه الله، فيكون هو نفسه الدليل.



