نوفمبر 4, 2026
A6922055-CDC7-4968-A7CE-29DDAE0E7262

واشنطن وتل أبيب عروش تترنح من الداخل بلا حروب خارجية

بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي

لم تعد الحروب الخارجية وحدها قادرة على إسقاط الزعامات الكبرى ولم تعد قوة الجيوش ولا اتساع التحالفات ولا التفوق العسكري ضمانة كافية لاستمرار الحكومات في السلطة فالتاريخ السياسي يعيد إنتاج مفارقة أكثر خطورة وهي أن الدول التي تمتلك القدرة على التأثير في مصائر الآخرين قد تعجز عن حماية استقرارها الداخلي وأن العروش التي تبدو راسخة في حسابات القوة قد تبدأ بالاهتزاز من داخل مؤسساتها وشوارعها وصناديق اقتراعها وهذا ما يجعل واشنطن وتل أبيب أمام اختبار استراتيجي يتجاوز حدود الصراع الحزبي إلى سؤال أعمق يتعلق بمستقبل القيادة وطبيعة النظام السياسي وقدرته على احتواء الانقسام

في تل أبيب لا تبدو أزمة بنيامين نتنياهو مجرد خلاف عابر بين الحكومة والمعارضة بل تعكس أزمة أوسع في بنية الحكم الإسرائيلي وفي العلاقة بين المؤسسة السياسية والعسكرية والمجتمع فقد كشفت الحرب وما رافقها من تداعيات عن تصدعات عميقة في الثقة بالقيادة وعن تباينات حادة بشأن إدارة الأمن ومستقبل الصراع وكلفة المواجهات وحدود القوة العسكرية ولم يعد الخلاف مقتصرا على نتائج العمليات العسكرية بل امتد إلى المسؤولية السياسية والإخفاقات الاستراتيجية ومستقبل الائتلاف الحاكم وقدرة نتنياهو على الاحتفاظ بتماسك معسكره السياسي

الأخطر في المشهد الإسرائيلي أن الضغوط الداخلية لم تعد تتحرك في اتجاه واحد فالمعارضة تسعى إلى استثمار تراجع الثقة بالحكومة في حين تتصاعد الخلافات داخل الائتلاف نفسه وتتداخل الحسابات الانتخابية مع اعتبارات البقاء السياسي وتتعقد العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية والعسكرية وهذا يعني أن التحدي الذي يواجه نتنياهو لم يعد مرتبطا فقط بخصومه التقليديين بل أصبح مرتبطا بقدرته على منع تحول الخلافات المتراكمة إلى أزمة شرعية سياسية قد تفرض إعادة تشكيل المشهد الحزبي أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة

ومن هنا يمكن قراءة مستقبل نتنياهو ضمن ثلاثة مسارات محتملة أولها استمرار الحكومة تحت ضغط التوازنات الائتلافية ومحاولات تأجيل المواجهة السياسية الداخلية وثانيها تفكك تدريجي للتحالف الحاكم نتيجة تضارب المصالح والحسابات الانتخابية وثالثها انتقال الأزمة إلى مرحلة إعادة إنتاج القيادة الإسرائيلية عبر انتخابات تعيد ترتيب مراكز القوة داخل الأحزاب والمؤسسات غير أن العامل الحاسم لن يكون مجرد سقوط حكومة أو بقاء رئيس وزراء بل طبيعة البديل السياسي وقدرته على تقديم إجابة مختلفة عن الأسئلة الأمنية والاستراتيجية التي كشفتها المرحلة الراهنة

أما في واشنطن فإن المشهد الأمريكي يكشف عن أزمة مختلفة في أدواتها لكنها لا تقل خطورة في نتائجها فالصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين لم يعد مجرد تنافس على البرامج الانتخابية بل تحول إلى مواجهة حول تعريف السلطة وحدودها ومستقبل المؤسسات الدستورية وطبيعة العلاقة بين الرئاسة والكونغرس والقضاء والمجتمع وقد أصبحت شخصية دونالد ترامب محورا لانقسام سياسي واجتماعي واسع يتجاوز حدود المنافسة الحزبية التقليدية ليصل إلى صلب الهوية السياسية الأمريكية

لكن اختزال المشهد الأمريكي في محاولة الديمقراطيين إقصاء ترامب لا يكفي لفهم طبيعة الأزمة فالمسألة الأعمق تكمن في أن النظام الأمريكي يواجه اختبارا مؤسساتيا يتعلق بقدرته على إدارة الاستقطاب ومنع تحوله إلى شلل سياسي دائم فهناك تيارات داخل الحزبين ومؤسسات متعددة تمتلك أدوات التأثير والرقابة والمساءلة كما أن الناخب الأمريكي لم يعد يتحرك بالضرورة وفق الانتماءات الحزبية التقليدية بل باتت قضايا الاقتصاد والهجرة والهوية والأمن والسياسة الخارجية عوامل حاسمة في إعادة تشكيل خياراته الانتخابية

وتكمن المفارقة الأمريكية في أن القوة التي اعتادت تقديم نفسها بوصفها نموذجا للاستقرار المؤسسي تواجه اليوم تحديا داخليا يتعلق بمدى قدرة مؤسساتها على حماية قواعد المنافسة السياسية من التآكل فكلما اتسعت الهوة بين المعسكرات السياسية تراجعت مساحة التوافق الوطني وازدادت احتمالات تعطيل القرارات الكبرى وتحولت الانتخابات من وسيلة لتداول السلطة إلى اختبار متكرر لقدرة النظام على الحفاظ على تماسكه

وفي هذا السياق فإن مستقبل ترامب لا يتحدد فقط بحجم خصومه أو قوة قاعدته الشعبية بل بقدرته على إدارة التوازنات داخل الحزب الجمهوري والحفاظ على الشرعية السياسية والمؤسساتية لخياراته كما أن مستقبل الديمقراطيين لن يتوقف على قدرتهم على معارضته بل على امتلاك مشروع سياسي قادر على استعادة ثقة شرائح اجتماعية واسعة وتقديم بديل يتجاوز خطاب المواجهة إلى معالجة الأزمات التي تغذي الاستقطاب الأمريكي

وعند وضع واشنطن وتل أبيب في إطار تحليلي واحد تظهر حقيقة أكثر أهمية وهي أن الدولتين تواجهان أزمة في إدارة الداخل بالتزامن مع احتفاظهما بأدوات تأثير واسعة في الخارج وهذا التزامن يحمل تداعيات مباشرة على الشرق الأوسط لأن الاضطراب الداخلي في مراكز القرار لا يبقى محصورا داخل حدودها بل ينعكس على طبيعة التحالفات وعلى مستوى الالتزام بالسياسات الخارجية وعلى حسابات الردع والتفاوض وإدارة الأزمات

فإسرائيل التي تواجه تحديات سياسية وأمنية داخلية قد تجد نفسها أكثر ميلا إلى استخدام الملفات الخارجية لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية أو توظيف التهديدات الأمنية في تعزيز تماسك الائتلاف الحاكم بينما قد تدفع الضغوط السياسية الأمريكية واشنطن إلى إعادة تقييم بعض التزاماتها الخارجية أو تعديل أولوياتها الإقليمية وفقا لموازين الداخل الانتخابي والمؤسساتي وهذا لا يعني بالضرورة تراجعا فوريا في الدور الأمريكي أو تحولا جذريا في السياسة الإسرائيلية لكنه يفتح المجال أمام تفاوت أكبر بين الخطاب السياسي والقرار الاستراتيجي

ومن منظور استشرافي يمكن أن نشهد خلال المرحلة المقبلة ثلاثة تحولات متداخلة أولها تصاعد توظيف السياسة الخارجية في إدارة الأزمات الداخلية لدى القيادات التي تواجه ضغوطا سياسية متزايدة وثانيها اتساع الفجوة بين المصالح الاستراتيجية للدول والحسابات الانتخابية لقادتها وثالثها إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وفقا لمدى استقرار مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب وقدرة كل منهما على الالتزام بتعهداته السياسية والأمنية

أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط فإن التحولات الداخلية في الدولتين تفتح نافذة لإعادة تقييم موازين القوة وفرص المناورة السياسية فالدول التي تدرك طبيعة التحول في مراكز القرار تستطيع بناء سياسات أكثر استقلالية وتوسيع خياراتها الدبلوماسية وتقليل الاعتماد على التوقعات الثابتة بشأن استمرار الحكومات والتحالفات لكن ذلك يتطلب قراءة دقيقة للفارق بين التغير في الأشخاص والتغير في العقائد الاستراتيجية فليس كل سقوط حكومة يعني تبدل السياسة وليس كل تغيير في القيادة يعني نهاية التحالفات القائمة

وهنا تبرز المسألة السورية بوصفها إحدى الساحات التي قد تتأثر مباشرة بهذه التحولات فاستقرار السياسة الأمريكية تجاه سوريا سيظل مرتبطا بتوازنات المؤسسات والمصالح الاستراتيجية وليس فقط بتوجهات الإدارة القائمة كما أن أي تغير في المشهد الإسرائيلي قد ينعكس على الحسابات الأمنية المتعلقة بالجنوب السوري والحدود ومفهوم الردع الإقليمي ولذلك فإن الرهان على تبدل الأشخاص وحده لا يكفي بل ينبغي بناء سياسة سورية تستند إلى المصالح الوطنية والقدرة المؤسسية وتعدد قنوات التواصل والتحرك الدبلوماسي واستثمار التحولات الدولية دون الارتهان لها

إن الدرس الاستراتيجي الأهم الذي تكشفه واشنطن وتل أبيب هو أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من سلاح ونفوذ وقدرة على فرض الوقائع خارج حدودها بل بقدرتها على إدارة تناقضاتها الداخلية والحفاظ على ثقة مجتمعها وتماسك مؤسساتها فالدولة التي تخسر معركتها في الداخل قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها في الخارج مهما بلغت قوتها العسكرية والاقتصادية

قد لا تسقط العروش في واشنطن وتل أبيب بفعل حرب خارجية وقد لا يكون التغيير وشيكا أو حتميا لكن المؤكد أن مرحلة الحصانة السياسية المطلقة لم تعد قائمة وأن الداخل أصبح ساحة الصراع الأكثر حساسية والأكثر تأثيرا في مستقبل القيادات الكبرى فحين تتآكل الثقة وتتصدع التحالفات وتتحول المؤسسات إلى ساحات مواجهة يصبح الخطر الحقيقي كامنا في بنية الحكم نفسها لا على حدود الدولة

فالسؤال لم يعد من يستطيع إسقاط واشنطن أو تل أبيب من الخارج بل أيهما يستطيع إنقاذ تماسكه من الداخل قبل أن تتحول أزمته السياسية إلى تراجع استراتيجي يعيد رسم موقعه في النظام الدولي