نوفمبر 7, 2026
Screenshot

Screenshot

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

العقيدة الأمريكية الهجينة وهندسة الحروب القادمة فلم تعد الولايات المتحدة تخوض حروبها بالطريقة التي عرفها العالم في القرن الماضي ولم تعد الهيمنة تقاس فقط بحجم الجيوش أو عدد القواعد العسكرية أو القدرة على حسم المواجهات المباشرة بل أصبحت تقاس بمدى القدرة على التحكم في توقيت الصراع ومساحته وأطرافه وسقوفه السياسية والاقتصادية والعسكرية فالعالم يدخل مرحلة جديدة من إدارة القوة حيث لا تكون الحرب بالضرورة إعلاناً للمواجهة ولا يكون الانتصار بالضرورة إسقاط الخصم بل قد يتحقق عبر استنزاف قدراته وتقييد خياراته وإعادة ترتيب بيئته الاستراتيجية بما يخدم مصالح القوى الكبرى ومن هنا تبرز أهمية قراءة ثلاثية ترومان وأيزنهاور وكارتر باعتبارها أكثر من مجرد محطات تاريخية في تطور السياسة الأمريكية إنها ثلاثة أنماط من التفكير الاستراتيجي ما زالت آثارها حاضرة في صناعة القرار الدولي وإن اختلفت الأدوات والظروف والأولويات.

لقد أسس مبدأ ترومان عام 1947 لمنطق الاحتواء الاستراتيجي ومنع تمدد الخصوم عبر بناء شبكة من التحالفات والدعم السياسي والاقتصادي والعسكري للدول الواقعة ضمن مناطق التنافس الدولي وكان جوهره أن حماية المصالح الأمريكية لا تتطلب بالضرورة السيطرة المباشرة على كل ساحة بل منع الخصم من تحويلها إلى قاعدة نفوذ مضادة. أما مبدأ أيزنهاور عام 1957 فقد نقل هذا التفكير إلى مستوى أكثر وضوحاً في الشرق الأوسط من خلال ربط الاستقرار الإقليمي بالمظلة الأمنية الأمريكية وإظهار الاستعداد للتدخل عندما تتعرض المصالح الأمريكية أو الدول الحليفة لتهديدات ترى واشنطن أنها تتجاوز حدود الاحتمال ثم جاء مبدأ كارتر عام 1980 ليضع أمن الخليج العربي ومصادر الطاقة في قلب المصالح الحيوية الأمريكية ويجعل أي محاولة للسيطرة على المنطقة بالقوة تهديداً مباشراً يستوجب الرد الأمريكي.
و التحول الأهم في المرحلة الراهنة لا يكمن في انتصار مبدأ على آخر بل في قدرة الولايات المتحدة على دمج هذه المدارس ضمن منظومة واحدة تتكيف مع طبيعة كل ساحة جغرافية فهي تستخدم من ترومان منطق الاحتواء ومن أيزنهاور هندسة المظلات والتحالفات ومن كارتر حماية الممرات والمصالح الحيوية لكنها لا تطبق أياً منها بصورة جامدة بل تعيد تركيبها وفق معادلة المصالح والتكلفة والمخاطر وهذا ما يمكن تسميته بالعقيدة الأمريكية الهجينة التي لا تقوم على احتلال الأرض بقدر ما تقوم على إدارة البيئة التي تتحرك فيها القوى المتنافسة.
في الشرق الأوسط يتجلى هذا المنهج من خلال الجمع بين الانتشار البحري والردع الجوي والتعاون الاستخباري والدفاع الصاروخي وشبكات الإنذار المبكر مع الإبقاء على مساحة واسعة من المسؤولية الأمنية على عاتق الحلفاء والشركاء الإقليميين فواشنطن تريد أن تكون حاضرة بما يكفي لمنع انهيار التوازنات التي تخدم مصالحها لكنها لا تريد أن تتحول كل أزمة إقليمية إلى حرب أمريكية مفتوحة تستنزف مواردها وتربك أولوياتها الدولية ولذلك أصبحت إدارة التصعيد أحياناً أكثر أهمية من حسم المواجهة نفسها وأصبح ضبط حدود الحرب جزءاً من أدوات القوة وليس مجرد نتيجة دبلوماسية لاحقة.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن المنافسة مع الصين وروسيا فالمسألة الأمريكية لم تعد مرتبطة بإدارة الشرق الأوسط وحده بل بإعادة توزيع الموارد الاستراتيجية على مستوى العالم فالصين تمثل تحدياً اقتصادياً وتكنولوجياً وبحرياً طويل الأمد وروسيا تمثل تحدياً عسكرياً وجيوسياسياً في المجال الأوروبي ومحيطه بينما تظل منطقة الشرق الأوسط عقدة حيوية تتقاطع فيها الطاقة والملاحة والتجارة والأمن الإسرائيلي وموازين القوى الإقليمية ومن هنا تحاول واشنطن منع تشكل فراغ استراتيجي يسمح لمنافسيها بتوسيع نفوذهم وفي الوقت نفسه تجنب التورط في التزامات عسكرية مفتوحة تعطل توجهها نحو المسارح الأكثر أهمية في حساباتها المستقبلية.
غير أن هذه العقيدة ليست أمريكية خالصة في أدواتها فالعالم يشهد انتقالاً أوسع نحو ما يمكن تسميته بمنهج إدارة الصراع متعدد المستويات حيث تتداخل القوة العسكرية مع الحرب الاقتصادية والعقوبات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية والتأثير الإعلامي وإعادة تشكيل الإدراك العام لم تعد الدولة المستهدفة تواجه خصماً واحداً أو جبهة واحدة بل تواجه منظومة ضغوط متزامنة قد تبدأ من الأسواق المالية ولا تنتهي عند شبكات الطاقة والاتصالات والرأي العام. وفي هذا النموذج تصبح المعلومات مورداً استراتيجياً وتتحول السيطرة على تدفقها وتفسيرها إلى جزء من معركة النفوذ الدولي.
ومن أوروبا إلى المحيطين الهندي والهادئ تتضح ملامح هذا المنهج في اختلاف الأدوات ووحدة الغاية ففي أوروبا يتقدم الاحتواء العسكري والتحالف الدفاعي ودعم القدرات المحلية وفي آسيا يتقدم التوازن البحري والتكنولوجي وبناء الشراكات الأمنية وفي الشرق الأوسط تتقدم حماية الممرات وإدارة التوازنات ومنع الانفجارات الإقليمية الواسعة. إنها جغرافيا متعددة للأدوات لكنها متصلة بمنطق واحد هو منع ظهور قوة قادرة على فرض نظام إقليمي أو دولي يناقض المصالح الأمريكية دون أن تضطر واشنطن إلى خوض حرب مباشرة في كل مرة.
أما الحدث الأخطر فيتمثل في أن الحروب القادمة قد لا تبدأ بقرار معلن أو ضربة عسكرية تقليدية بل بتغيير تدريجي في شروط الاستقرار داخل الدول وإضعاف الثقة بمؤسساتها وتعطيل اقتصادها وتوسيع الانقسامات الاجتماعية والسياسية وربطها بضغوط خارجية متزامنة وهنا يصبح الأمن الوطني مفهوماً أوسع من حماية الحدود والمنشآت العسكرية لأنه يشمل تماسك المجتمع وشرعية المؤسسات واستقلال القرار الاقتصادي والسيادة الرقمية والقدرة على مقاومة الاختراق المعلوماتي. والدولة التي لا تمتلك منظومة إنذار مبكر وقدرة على تحليل التحولات قبل تحولها إلى أزمات ستجد نفسها مضطرة إلى إدارة النتائج بدلاً من التحكم بالأسباب.
وفي هذا المعترك لا ينبغي للدول المتوسطة والنامية أن تقرأ التحولات الأمريكية بوصفها مجرد تبدل في الإدارات أو انتقالاً بين رئيس وآخر بل عليها أن تدرك أن الاستراتيجية الأمريكية تمتلك استمرارية مؤسسية تتجاوز الأشخاص وأن اختلاف الخطاب السياسي لا يعني بالضرورة اختلاف الأهداف بعيدة المدى. فالرئيس قد يغير لغة التعامل وقد يعيد ترتيب الأولويات وقد يرفع مستوى الضغط أو يخفضه لكن المصالح الجيوسياسية الكبرى تظل محكومة بمؤسسات الأمن القومي والاقتصاد والدفاع وشبكات التحالفات وموازين القوى الدولية.
وبالنسبة إلى سورية فإن استيعاب هذا التحول يكتسب أهمية استثنائية لأن موقعها الجغرافي يجعلها جزءاً من تقاطع المصالح الأمريكية والتركية والإسرائيلية والروسية والعربية كما أن مستقبلها لن يتحدد فقط بما يجري داخل حدودها بل بقدرتها على فهم طبيعة النظام الإقليمي الذي يعاد تشكيله من حولها إن بناء الدولة السورية لا يمكن أن يقوم على ردود الفعل ولا على الارتهان لتوازنات خارجية متغيرة بل يحتاج إلى عقيدة وطنية مستقلة تستند إلى مؤسسات قوية وقرار سيادي متماسك ودبلوماسية متعددة الاتجاهات وقدرة على تحويل الجغرافيا السورية من ساحة تنافس إلى مساحة مصالح متبادلة. فالدولة التي لا تمتلك تصوراً استراتيجياً لموقعها في النظام الدولي ستبقى عرضة لأن يكتب الآخرون مستقبلها وفق حساباتهم الخاصة.
إن العالم لا يعود إلى زمن ترومان ولا يستنسخ حقبة أيزنهاور ولا يتحرك وفق مبدأ كارتر وحده بل ينتقل إلى مرحلة تتداخل فيها هذه المدارس مع أدوات جديدة أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً وفي هذه المرحلة لن تكون القوة لمن يمتلك السلاح الأكثر تطوراً فقط بل لمن يستطيع إدارة شبكة المصالح والتحالفات والمعلومات والاقتصاد والتكنولوجيا والتحكم في إيقاع الصراع دون أن يتحمل وحده كلفته الكاملة فالسؤال هنا لم يعد من يربح الحرب بل من يحدد شكلها ومن يضبط توقيتها ومن يملك القدرة على إنهائها وفق شروطه. وهنا تكمن حقيقة التحول العالمي لم تعد الهيمنة تعني أن تخوض القوى الكبرى جميع الحروب بل أن تمتلك القدرة على هندسة بيئتها وتوزيع أعبائها والتحكم بمآلاتها.