نوفمبر 7, 2026
IMG_5997

أحدب نوتردام في عتمة الكاتدرائية السورية

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
ليست كل المآسي التي تصيب الأوطان ناتجة عن الحروب التي تخوضها أو الأعداء الذين يقفون على حدودها فبعضها يولد داخل مؤسساتها حين تتحول الحماية إلى وصاية والسلطة إلى احتكار والاختلاف إلى تهمة ويصبح المواطن الذي يحمل عبء الدولة آخر من يحق له المشاركة في تقرير مصيرها هنا تحديدا تستعيد رواية أحدب نوتردام للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو قدرتها على قراءة الواقع السوري من زاوية مختلفة حيث لا يعود كوازيمودو مجرد شخصية مشوهة الملامح بل يصبح رمزا لمجتمع أثقلته التجارب وأقصته السلطة فيما تتحول الكاتدرائية إلى استعارة للدولة التي بقيت قائمة في صورتها بينما تآكلت وظائفها الإنسانية والمؤسسية من الداخل.

لم تكن مأساة كوازيمودو في اختلاف هيئته بقدر ما كانت في نظرة المجتمع إليه وفي النظام الذي احتجزه داخل صورة لم يخترها لنفسه كان يحمل أجراس الكاتدرائية ويحرس ذاكرتها ويمنحها صوتها لكنه ظل محروما من الاعتراف بحقه في الحياة والكرامة وفي التجربة السورية يمكن قراءة هذه الصورة بوصفها انعكاسا لمجتمع تحمل أعباء الدولة والحرب والانهيار الاقتصادي والاجتماعي ودفع أثمانا باهظة من أمنه واستقراره ومستقبله دون أن يمتلك دائما المساحة الكافية ليكون شريكا حقيقيا في صناعة القرار فالسوري لم يولد مهمشا ولم يكن التشوه الذي أصاب البنية الاجتماعية والإدارية قدرا تاريخيا بل كان نتيجة تراكمات الاستبداد والفساد والحروب وتفكيك الثقة بين المواطن والمؤسسة حتى باتت الهوة بين الدولة والمجتمع أحد أخطر التحديات التي تواجه المستقبل السوري.

إن كوازيمودو السوري ليس فردا بعينه ولا منطقة دون أخرى بل هو كل مواطن وجد نفسه خارج دائرة الاعتراف وكل كفاءة أُبعدت لمصلحة الولاء وكل مؤسسة فقدت قدرتها على أداء وظيفتها بسبب المحاصصة والفساد والبيروقراطية المغلقة إنه الهامش الذي ظل يحمل الوطن في لحظات انهياره لكنه لم يحصل على موقع يوازي حجم تضحياته ومن هنا تبدأ خطورة المرحلة الانتقالية حين يصبح المطلوب إعادة بناء الدولة لا إعادة إنتاج أنماط الإقصاء القديمة بأسماء جديدة وشعارات مختلفة وفي الجهة المقابلة يقف كلود فرولو بوصفه النموذج الأدبي للسلطة التي تخلط بين حماية المؤسسة وامتلاكها وبين شرعية الموقع وحق التحكم بالآخرين ففرولو لا يرى في الكاتدرائية فضاء مشتركا للذاكرة والإنسان بل بنية تخضع لتصوراته ورغباته وهذه الاستعارة تفتح بابا نقديا مهما أمام التجربة السورية حيث لا يجوز أن تتحول الدولة إلى ملكية سياسية أو إدارية لأي جماعة أو تيار أو مسؤول ولا أن يصبح شعار الأمن والاستقرار غطاء لتقييد المشاركة أو تعطيل المساءلة أو إعادة إنتاج الامتيازات فالدولة التي تطالب المجتمع بالثقة عليها أن تقدم ما يبرر هذه الثقة من عدالة وشفافية وتكافؤ في الفرص وسيادة للقانون.
الأخطر من الإقصاء نفسه هو تحويله إلى ممارسة مقبولة داخل المؤسسة عبر شيطنة المطالبين بالإصلاح وتصوير النقد باعتباره تهديدا للاستقرار. فحين يصبح السؤال اتهاما وتتحول المطالبة بالحقوق إلى اشتباه وتصبح الكفاءة عبئا على شبكات المصالح فإن المؤسسة تبدأ بفقدان قدرتها على تجديد نفسها ولا يمكن لأي سلطة أن تبني شرعية مستدامة بمجرد فرض الانضباط أو إحكام السيطرة لأن الشرعية الحقيقية تتأسس على رضا المجتمع وثقته وشعوره بأنه جزء من الدولة لا موضوع لإدارتها.

أما إزميرالدا فهي الوجه الإنساني الأكثر إيلاما في الرواية لأنها تمثل الحرية التي تقع ضحية الخوف والتعصب وتضارب المصالح وفي القراءة السورية يمكن أن ترمز إلى الحلم الوطني الذي لم تنجح سنوات الحرب في إطفائه رغم محاولات استثماره وتفكيكه إنها صورة المواطن الذي يريد وطنا يتسع للجميع دون أن يضطر إلى التخلي عن هويته أو كرامته أو حقه في الاختلاف وهي أيضا تذكير بأن المجتمع السوري لا يمكن اختزاله في هويات متصارعة أو جغرافيا متنازعة أو ذاكرات متقابلة بل هو نسيج وطني يحتاج إلى عقد اجتماعي يعترف بتنوعه ويحمي وحدته.
وفي المقابل يمكن قراءة شخصية فيبوس بوصفها استعارة للوعود الخارجية التي تبدو في لحظات الانكسار وكأنها طوق نجاة لكنها تخضع في نهاية المطاف لحسابات المصالح وتوازنات النفوذ. لقد أثبتت التجربة السورية أن القوى الخارجية لا تتحرك بالضرورة وفق حاجات المجتمعات أو تطلعاتها بل وفق أولوياتها الاستراتيجية. ولذلك فإن تعليق مصير المكونات السورية أو مستقبل المناطق أو الحقوق الوطنية على رهانات خارجية متغيرة لا ينتج حماية مستدامة بل قد يفتح أبوابا جديدة للتبعية والانقسام. فالضمانة الأكثر رسوخا لأي مكون سوري هي دولة عادلة وقانون نافذ ومؤسسات وطنية قادرة على حماية جميع مواطنيها دون تمييز.

إن الكاتدرائية في رواية هوغو ليست مجرد بناء حجري بل ذاكرة مدينة وروح مجتمع وشاهد على تحولات السلطة والزمن وكذلك الدولة السورية ليست مجرد حدود ومؤسسات وأجهزة إدارية بل عقد بين المواطنين وذاكرة مشتركة ومسؤولية تاريخية وإذا كانت سنوات الحرب قد أضعفت هذا البناء فإن مرحلة إعادة التأسيس لا يمكن أن تنجح بمجرد ترميم واجهته أو تغيير شاغلي مكاتبه بل تحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة على أسس جديدة قوامها الكفاءة والمحاسبة والعدالة والمواطنة المتساوية.

وهنا تكمن الرسالة الأعمق في استعارة أحدب نوتردام السوري فالمشكلة ليست في وجود هامش اجتماعي أو سياسي بل في استمرار النظام الذي يصنع الهامش ثم يطالبه بالصمت. وليست المعضلة في ضعف المواطن بل في ضعف المؤسسات التي لا تمنحه موقعه الطبيعي داخل الدولة كما أن الخطر لا يكمن فقط في عودة الاستبداد بصورته القديمة بل في إعادة إنتاجه عبر ممارسات إدارية وأمنية جديدة تفرغ التحول السياسي من مضمونه إن سوريا التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب لا تحتاج إلى كاتدرائية تحرسها الأجراس من الخارج بينما تتآكل أعمدتها من الداخل بل تحتاج إلى دولة يسمع فيها صوت المواطن قبل أن تتحول شكواه إلى أزمة ويكون فيها الاختلاف مصدرا للقوة لا ذريعة للإقصاء وتصبح فيها المناصب مسؤولية لا امتيازا والسلطة خدمة عامة لا ملكية خاصة.

فالأوطان لا تسقط دائما عندما تنهار حجارتها بل قد تبدأ بالسقوط حين يفقد أبناؤها شعورهم بأنهم متساوون تحت سقفها وأخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا اليوم ليس صرخة الهامش المنسي بل أن تصل هذه الصرخة إلى مرحلة لا يعود فيها أحد قادرا على سماعها. فالكاتدرائية لا يحميها من يحتكر مفاتيحها بل يحميها من يصون حق الجميع في الانتماء إليها.